المعارض أليكسي نافالني وضع في الحجز لمدة 30 يوماً
اعتادت أجهزة الكرملين البوليسية إما على تصفية المعارضين أو اعتقالهم أو دفعهم إلى مغادرة البلاد، بعد أن تكون قد فككت أدواتهم السياسية والمالية

مما لا شك فيه أن فشل الأجهزة الأمنية الروسية في عملية إغتيال المعارض الكسي نافالني منحته فرصة جديدة لاستكمال مواجهته لسلطة الكرملين، وفي تحد مباشر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تقلصت خياراته القانونية وغير القانونية في إسكات أو التخلص من أبرز معارض له، تحول إلى ظاهرة لم يعد ممكنا تطويقها أو التقليل من مخاطرها.

سابقا اعتادت أجهزة الكرملين البوليسية إما على تصفية المعارضين أو اعتقالهم أو دفعهم إلى مغادرة البلاد، بعد أن تكون قد فككت أدواتهم السياسية والمالية، عبر ما تمتلكه من ملفات استخدمتها في ابتزازهم بهدف مقايضتهم ما بين السكوت أو الرحيل لتجنب ما هو أسوأ. أما في حالة نافالني فقد عجزت هذه الأجهزة التي أرعبت الروس في الزمنين السوفياتي والحالي من دفع نافالني إلى التراجع أو المساومة، بالرغم من أنها جربت في مواجهته كافة ما تملكه من أدوات من الاغتيال إلى الإعتقال حتى ترتيب الملفات.

منذ أن أعلن نافالني نيته العودة إلى روسيا يوم الأحد المقبل، لوحت أجهزة الدولة الروسية بملفات جنائية ضده، وأعلن محققون روس عن فتح تحقيق  بشأن مزاعم أنه أساء إستخدام 4.8 مليون دولار من التبرعات لمنظمته غير الربحية تصل عقوبتها إلى السجن 10 سنوات، وبناءا على هذه الدعوة أصدرت مصلحة السجون الفيدرالية الروسية في منطقة موسكو بيانا أكدت فيه أنها "ملزمة باتخاذ جميع الإجراءات لاعتقال نافالني بانتظار قرار المحكمة بتحويل الحكم الصادر بحقه مع وقف التنفيذ في عام 2014  في هذه القضية إلى عقوبة بالسجن".

في وقت سابق من هذا الأسبوع، طلبت السلطات من المحكمة في موسكو تحويل الحكم الصادر بحق نافالني (مع وقف التنفيذ) بتهمة الاحتيال إلى (سجن حقيقي) لانتهاكه شروط عقوبته وتذرعت مصلحة السجون في تبرير قرارها بأن نافالني تخلف في الفترة الأخيرة عن مراجعتهم مرتين في الشهر كجزء من فترة الاختبار التي انتهت في 29 ديسمبر من العام الماضي، قرار المحكمة استبدال عقوبة السجن مع وقف التنفيذ في قضية إيف روشيه بالسجن الفعلي، هي أول إشارة رسمية إلى نيّة السلطات الروسية سجنه  إذا قرر العودة.

من جهته حمل نافالني الرئيس الروسي شخصيا التخطيط لاعتقاله، وكتب على حسابه في موقع تويتر يوم الثلاثاء الفائت إن "بوتين غاضب للغاية لدرجة أنني نجوت من تسميمه لدرجة أنه أمر جهاز الأمن الداخلي بالذهاب إلى المحكمة والمطالبة بتغيير عقوبتي الموقوفة إلى عقوبة فعلية". 

تصعيد نافالني ضد بوتين حشر الأخير في زاوية صعبة، وحصر خياراته بين منعه من دخول روسيا أو اعتقاله لفترة طويلة، فليس من السهل على إدارة الكرملين التعامل من موقع الضعف أو أن يظهر الرئيس الروسي مكبلا غير قادر على التعامل الصارم مع أكبر معارضيه والسماح له بالعودة الحرة إلى روسيا، إلا أن مخاوف صناع القرار الروسي تكمن بأن أي تحرك ضد نافالني في المرحلة المقبلة سيحوله إلى شخصية عالمية ويعزز مكانته داخل المعارضة غير المدجنة. وقد وصفت المحللة السياسية الروسية تاتيانا ستانوفايا لوكالة فرانس برس حالة الكرملين وكيفية تعاملة مع هذه المعضلة بأنه "ليس هناك قرار جيد هنا لكن يجب إتخاذ قرار ما".

أبرز التعليقات على إعلان نافالني نيته العودة جاءت من رجل الأعمال الروسي القريب من الكرملين والملقب بـ "طاهي بوتين" يفغيني بريغوزي، إن نافالني "يجب أن يكون رجلاً ويعود إلى الوطن".وقال بريغوجين في تصريحات نقلتها وسائل إعلام روسية  "استغل وقتك وأخرج للحرية بضمير مرتاح". 

من الواضح أن الكرملين لا يرغب بعودة نافالني، خصوصا بعد أن  لفتت قضية تسميمه انتباه الرأي العام الدولي ضد روسيا، وسهلت عليه التواصل مع صناع القرار الدوليين خصوصا أثناء إقامته في برلين، إذ زارته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في المستشفى أثناء تلقيه العلاج بعد عملية تسميمه، وإجماع الدول الأوروبية على إدانة العملية وفرض عقوبات على شخصيات روسية بارزة يشتبه في ضلوعها بعملية الاغتيال الفاشلة.

 ما يؤرق الكرملين أن نافالني الذي تحول إلى رمز للمعارضة سيؤثر في المستقبل القريب على الإنتخابات النيابية المقبلة هذا العام، وسط أزمة إقتصادية وصحية فشل الكرملين في إدارتهما، إضافة إلى حذر شديد بأن تستغل الإدارة الأميركية الجديدة ملفات حقوق الإنسان وقمع المعارضين في الضغط على روسيا.

ذهب بوتين آلاف الكيلومترات من أجل المساهمة في قمع الربيع العربي وفي مواجهة الثورات الملونة خوفا من أن تنتقل إلى روسيا، ويرفض الاعتراف أو التعامل مع أي معارضة تفرزها تلك الثورات، لكنه الآن يواجه محنة صعبة تحت أسوار الكرملين. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.