Photo by: zz/STRF/STAR MAX/IPx 2021 1/13/21 Trump becomes first president to be impeached twice, as bipartisan majority charges him with inciting Capitol riot. STAR MAX File Photo: 1/6/21 The United States Capitol Building in Washington, D.C. was…
مئات المقالات، ألوف المقابلات، ألوف ساعات البث الفضائي، كل هذه الكثافة في التغطية الإعلامية، جعلت الحدث الأميركي، "محلياً" بامتياز، جاذباً لاهتمام شرائح جديدة، لم يعرف عنها اهتمامها بالشأن السياسي، دع عنك الشأن الأميركي الداخلي.

وفرت انتخابات 2020 الرئاسية الأميركية، فرصة غير مسبوقة، لشعوب منطقتنا العربية، للتعرف على النظام السياسي الانتخابي الأميركي، والذي ظلّ لكثيرين، بمثابة لغز يصعب تفكيك طلاسمه.

شعوب عربية عدة، تابعت الانتخابات الأمريكية، بشغف وفضول، افتقدته وهي تتابع مجريات انتخاباتها الخاصة، من برلمانية ومحلية. فرادة التجربة الانتخابية، شخصية ترامب، حالة الاستقطاب الحادة التي هيمنت على المجتمع الأميركية، الحديث عن انتقال غير سلس للسلطة، جميعها عناوين جذبت اهتمام المواطن العربي، المدفوع بالرغبة والفضول، لمعرفة كيف سينتهي هذا الفصل المشحون في تاريخ واحدة من أكبر وأقوى وأعرق الديمقراطيات في العالم.

لكن أحداث السادس من يناير الفائت، والتي أسمتها كثرة من الكتاب والمحللين في المنطقة بـ"غزوة الكابيتول" ستُضفي عنصر تشويق جديدا للمشهد الأميركي، وستضيف إلى أسباب "الفضول" عند المتابع العربي، سبباً إضافياً، سيما وأن التقارير التي كانت ترد تباعاً، لطالما تحدثت عن "عسكرة" ردود أفعال الغاضبين، وعمليات اغتيال وتفجير متوقعة، ومداهمات لمواقع وأهداف أميركية تحاكي واقعة الاقتحام الدامي لمبنى الكونغرس. المشاهد التي لم تتوقف وسائل الإعلام والمحطات الأميركية عن بثها والتعليق عليها، ذكّرت كثيرين من أبناء منطقتنا، بزمن الانقلابات العسكرية و"البيان رقم ا"، وعمليات الانتخاب المزورة، وأعمال العنف التي تصاحب مظاهر الاحتجاج والتعبير عن الرأي في بلداننا ... ما الذي يحدث في الولايات المتحدة، وما حكاية "جمهورية الموز العظمى"، وكيف سينتهي المطاف بهذه العملية، هل هي بداية انهيار "الإمبراطورية"، أم أننا أمام "فاصل دموي قصير" تعود بعده الدولة الأعظم، لمزاولة يومياتها المعتادة؟

طوفان الأسئلة والتساؤلات لا يتوقف عن التدفق حتى يومنا هذا، والأرجح أنه لن يتوقف في المدى المنظور، مئات المقالات، ألوف المقابلات، ألوف ساعات البث الفضائي، كل هذه الكثافة في التغطية الإعلامية، جعلت الحدث الأميركي، "محلياً" بامتياز، جاذباً لاهتمام شرائح جديدة، لم يعرف عنها اهتمامها بالشأن السياسي، دع عنك الشأن الأميركي الداخلي.

ثلاثة اتجاهات

إن البحث في هذا الركام الهائل من ردود الأفعال والنقاشات التي رافقت الحدث الأميركي وما تزال، يتكشف عن تبلور ثلاثة تيارات في النظر إلى المسألة، تعكس بدورها، ثلاثة اتجاهات "وازنة" في الرأي العام العربي، وفي ظني أن معرفة أوزان هذه الاتجاهات، سيكون هدفاً لدراسات قياس الرأي العام في الأيام والأسابيع القليلة القادمة:

الأول؛ ويمكن وصفه بـ"تيار الشامتين"، ويضم في صفوفه مروحة واسعة من خصوم أميركا التقليدين في المنطقة، هؤلاء وجدوا في سياقات العملية الانتخابية وما أعقبها من عرقلة منهجية ومنظمة لعملية انتقال السلطة، وصولاً لأحداث التمرد ومظاهر العنف و"العسكرة"، ضالتهم التي انتظروها طويلاً: "الإمبراطورية الأميركية في طريقها للانهيار"، الديمقراطية الغربية، تتكشف عن أسوأ ما فيها، وتثبت بالملموس أنها نظام لا يمكن تعميمه، واشنطن تدفع اليوم، الأثمان المناسبة لما فعلته إداراتها المتعاقبة ضد شعوب المنطقة ودولها.

نجح هذا التيار في البناء على نزعة شعبية لا تخفي عداءها للسياسات الأميركية في المنطقة، كما تتكشف عن ذلك، معظم استطلاعات الرأي العام العربي، ولا شك أن هذا التيار، يتطلع بفارغ الصبر، لرؤية واشنطن تغرق في صراعتها المحلية، وتنكفئ إلى همومها الداخلية، فلا تجد الوقت ولا الموارد، لمواصلة أجندات سياساتها الخارجية.

الثاني؛ تيار صديق للولايات المتحدة، بيد أنه وجد في تعثر تجربتها الديمقراطية، ونزوع "الترامبية" للانقضاض على المؤسسات والقضاء وسيادة القانون وصناديق الاقتراع، وبطرق خارجة على القانون، وتميل للعنف وتمتشق السلاح ... وجد في هذه التطورات مناسبة لنعي الديمقراطية ذاتها، وإعادة التأكيد على نظرية "الخصوصية" و"الاستثنائية" التي طالما لجأ إليها لتبرير ديمومة أنظمة الفساد والاستبداد في العالم العربي، فالديمقراطية بالنسبة لهؤلاء سقطت في أكبر معاقلها، ولن يكون جائزاً بعد اليوم، أن تمارس أية إدارة أمريكية قادمة، "الضغط" أو "الوعظ" بقيمها ومبادئها، وقد آن أوان الاعتراف بــ"فضائل الاستقرار" الذي توفره أنظمة الجنرالات والسلالات.

لقد وجد إعلام هذا التيار ومنظّروه، في الحدث الأميركي، فرصة لإطلاق الأصوات العالية، الداعية لإعادة الاعتبار لأنظمة الحكم الاستبدادية القائمة في المنطقة، وتحت شعار "ما حدا أحسن من حدا"، يجري تسويق وتسويغ، ميل هذه الأنظمة الجارف، لاستخدام أسوأ أنواع القوة المفرطة، لمواجهة "فوضى المعارضة" وخبث الدعوات للحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.

الثالث؛ ويمكن القول، أنه يتمثل في  تيار "الإصلاح والتغيير في العالم العربي"، الذي وإن كان صدم بسياسات ترامب والترامبية، وسلوك الإدارة المشابه لسلوك أنظمة الاستبداد في العالم الثالث، إلا أنه ظل على إيمانه، بأن الديمقراطية، قادرة على تصحيح نفسها بنفسها، وأن عناصر مقاومة "الترامبية" ما زالت كامنة داخل المجتمع الأميركي، بدلالة ما يقوم به القضاء والإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات الدستورية، من جهود لاحتواء طوفان "اليمين الشعبوي" والمنظمات العنصرية، و"التيارات الإيديولوجية" الأشد عداءً لقيم حقوق الانسان والتعددية في المجتمع الأميركي.

ربما يكون صوت هذا التيار هو الأضعف، قياساً بالتيارين السابقين، بيد أن نجاح "المؤسسة" الأميركية، في كبح جماح ترامب وفريقه، وشروع مجلس النواب في إطلاق ثاني عملية عزل للرئيس في ولاية واحدة، قد أشعر هذا التيار، بصحة رهاناته، وأكسب مناظراته بعضاً من الصدقية التي تفتقدها روايات وسرديات التيارين الأول والثاني.

فالشامتون بمأزق الديمقراطية من خصوم الولايات المتحدة، لم يعرفوا الممارسة الديمقراطية في بلدانهم يوماً، غالبيتهم على الأقل... والذين وجدوا في تعثر المسار الديمقراطي من أصدقاء واشنطن مناسبة لهجاء الديمقراطية ذاتها، وتبرير استبدادهم وفسادهم، يترقبون بكثير من القلق والتحسب، مقدم إدارة بادين، وما تحمله وعودها من "ضغوطات محتملة" عليهم، في هذا المضمار ... أما الإصلاحيون العرب، فلديهم أجندة، يتطلعون لأن تتمكن إدارة بايدن، من مساعدتهم للعمل على إنجازها، وفي صدارة أولوياتها، تعميم ثقافة حقوق الانسان من دون تمييز أو معايير مزدوجة، بدءا بحق تقرير للشعب الفلسطيني الذي يواجه آخر احتلال على سطح الكوكب، وانتهاء بحقوق النساء والأقليات والفئات المهمشة في عموم المنطقة.

أما الرأي العام العربي، الموزع على هذه التيارات، والغاضب تقليدياً وتاريخيا على السياسات الأميركية المتعاقبة في المنطقة، فهو يريد أن يرى أفعال الإدارة المقبلة، لا أقوالها ... فقد سئم من وفرة الوعود والتعهدات الجميلة والبراقة، والتي غالباً ما تتكسر، عند اصطدامها بأولويات إسرائيل، أو بمصالح كارتيلات النفط والسلاح الأميركية.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.