A 'Corona Emergency' sign is seen at Rafik Hariri University Hospital in Beirut, amidst an outbreak of the coronavirus disease …
أول حالة كورونا وصلت لبنان كانت لامرأة قادمة من قم

Qu’est qu’on a fait au bon Dieu؟

لم يسبق أن مرّ على وعي البشر الحاليين عاماً شبيهاً بهذا العام الذي شبّهه بعضهم بالحرب العالمية الثانية لجهة تداعياته.
أما اللبنانيون فلسان حالهم: لماذا يخصنا الله بعقابه إلى هذا الحد؟

فمنذ التسوية، سيئة الذكر، ونحن ننتقل من أزمة أو فضيحة إلى أخرى تشغلنا عما سبقها. ومن يعترض تتصدّى له دفاعات "إلهية" تغطي الارتكابات وتفرض التجاوزات. بحيث بات اللبنانيون يشعرون بأنهم متروكين من قبل خالقهم. 

فإذا كانت البشرية نامت على عالم واستفاقت على آخر مطلع العام 2020، إلا ان اللبناني أشبه بالضفدع الذي جلس مستمتعاً في قِدْر من المياه العذبة الدافئة على نار هادئة ولم يشعر بالسخونة إلا بعد فوات الأوان. وسيرتنا مع كورونا تتماشى مع البؤس السائد لدينا، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً...

أول حالة كورونا وصلت لبنان كانت لامرأة قادمة من قم في إيران في 21 شباط (فبراير)؛ بعد عشرة أيام على نيل الحكومة الثقة وسط مظاهرات صاخبة. وصلت حالة ثانية بعد خمسة أيام. الإصابات الأولى كانت لقادمين من إيران وحالة لامرأة سورية.

خرج علينا وزير الصحة، المقرب من حزب الله، منذ وصول الفيروس بتصريحات مثل "لا داعي للهلع" التي أضحكت اللبنانيين، وصولاً إلى إعلانه بثقة عن وجود دواء للفيروس. 

رغم اتضاح أن ايران بؤرة للعدوى بالفيروس، إلا ان الأجواء ظلت مفتوحة بذريعة أن ايقافها يحتاج إلى "موقف سياسي". كذلك الأمر مع المعابر البرية المشرّعة. حرص الوزير على التأكيد أن مصدر الوباء هو الطائرة "الوحيدة" من إيطاليا وليست إيران، التي لم نكتف باستقبال طائراتها بل ومرضاها أيضاً على ما تناقلته الصحف. ومن مآثر الوزير تصريحه لصحيفة إندبندت عربي، في حزيران (يونيو)، أن "الموجة الثانية من كورونا لا تستند إلى واقع علمي".

هذا في الوقت الذي كان وزير الصحة الأسبق محمد خليفة يحذر، ويناشد الحكومة بالاستعداد للاسوأ، منذ نيسان (أبريل) الماضي. مطالباً بإعلان التعبئة العامة وعدم كسرها، وبتحضير "قاعدة للتصدي" تشمل المستشفيات والأسرة وأجهزة التنفس. محذراً أن إصلاح البيت يتم وقت الصحو وليس بعد المطر!!

كما أن مجلس القمصان البيض كان طالب بالإقفال التام منذ 9 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي للحد من الجائحة، ولم يتخذ تدبير الإقفال إلا هذا الأسبوع بعد أن تفاقم الوضع بسبب السماح بالاحتفال بعيد رأس السنة.

وكما اعتدنا في السنوات الاخيرة تصطبغ ممارسات بعض المسؤولين باستنسابية طائفية فجة. الأمر الذي انطبق على هذا الملف منذ البداية عندما اندلع الجدل حول أي المناطق تعاني من إصابات أكثر وأيها يتم عزلها كيدياً.  وكشفت الصحف مؤخراً أن الوزير أوحى في إحدى المقابلات إلى أن المناطق ذات الغالبية المسيحية "معقل للوباء". ما حدا بالصحافة فضح كيفية توزيعه للأموال المخصصة لمحاربة وباء كورونا، التي سارع البنك الدولي بإقرارها للبنان. فتقصير تلك المناطق يعود الى النقص في تمويلها مفندين بالأرقام التحيز في تقديمه المساعدات بسخاء للمناطق التي يتواجد فيها حزب الله. وكان الرأي العام قد ضج مؤخراً بعدما اتضح أن الأموال التي خصصتها الوزارة لمستشفى الرسول الأعظم تعادل ما خصص لسائر المستشفيات مجتمعة. ومن هنا نفهم سرّ الهاشتاغ الذي أنعمه موقع العهد التابع لحزب الله على "الوزير – الملك" باكراً.

هذا وقد بينت الأرقام أن آلاف الدولارات قد صرفت على مستشارين وموظفين إداريين. وفي ظل النقص في التجهيزات، لم يعرف كيفية صرف الأموال التي خصصت لتجهيزات المستشفيات الحكومية وزيادة قدرتها على اختبار وعلاج الحالات المشتبه في إصابتها، على أن تتم المباشرة بعمليات شراء سريعة للمعدات والمستلزمات الطبية التي تشتد الحاجة إليها مع إتمام توقيع عقود مع وكالتين تابعتين للأمم المتحدة. كما رفض الوزير إعطاء الترصيد الوبائي للصليب الأحمر وأوكل بها الهيئة الصحية التابعة للحزب.

وإذا تتبعنا الوقائع سنجد أن مستشفى بيروت حسّن قدراته بشكل جيد، لكننا نعلم بالمقابل أنه حصل على تبرعات بمليارات الليرات بشكل مباشر بعد حملة أقامها تلفزيون الأم تي في. 

إن سوء إدارة ملف كورونا هو صورة مكملة في بازل سوء إدارة لبنان من عصابة المافيا- الميليشيا. ففي ظل الوضع الخطير جداً، لا يزال المستشفى الميداني الذي قدمته قطر في مطلع شهر تشرين الثاني (نوفمبر) يقبع في المخازن بسبب النزاع بين أمل وحزب الله على الاستفادة منه لدعاياتهما الانتخابية. بحيث عنونت الصحف "صدام “الثنائي” يحرم الجنوبيين من المستشفى القطري".

هذا بعد أن كانت ماكينة دعائية أعلنت في حينه عن "انطلاق ورش العمل التابعة لبلدية صور بتجهيز الأرض التي سيبنى عليها المستشفى الميداني القطري". 

أما ذرائعهم في التقصير فقد رد عليها الشيخ بدر عبيد وأعلن عن تأمين الأرض؛ وأيضا د. علي عز الدين أعلن استعداده لتسلم إدارة المستشفى دون راتب  لمدة ٣ سنوات مع زملاء له متطوعين.

قبل ذلك، راجت تجارة الأدوية والأقنعة الواقية والقفازات والمعقمات وخصوصاً فحوص الـ "PCR" الذي احتكره أحد المقربين من حزب الله؛ فيما رفض الوزير استخدام الـ "PCR" السريع والرخيص!! كما أن الوزارة تستورد آلات الأوكسيجين بالدولار الأميركي فيما تتوفر صناعتها في لبنان. 

ككل الملفات خضع ملف كورونا للإهمال والتخبط والتأخر والاستنسابية في اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب. ومع أن وزير الصحة أتحفنا بتصريح "أن لبنان سيكون أول من يستورد (اللقاح) ويوفره للبنانيين"، حتى قبل الأسبوع الماضي، لم تكن الحكومة قد باشرت بعد بتشريع القانون الذي يرعى استيراده. ما حدا بوزير الصحة السابق كرم كرم لتوزيع فيديو يعلن فيه أن السلطة الحاكمة ارتكبت جرما مستمرا في التأخير باستيراد اللقاح. هذا في الوقت الذي بدأ التطعيم في دول الخليج وأنجزت إسرائيل 20% من تلقيح الإسرائيليين، مع أن حزب الله يوقف حكومتها على رجل ونصف. فلبنان بحسب الخطة الحكومية لن يتمكن من تطعيم أكثر من 20% من السكان بعد 9 أشهر بحسب تصريح عضو اللجنة البرلمانية الطبية جورج عدوان. 

وكما نعلم كان الوضع الصحي منضبطاً إلى حين انفجار 4 آب (أغسطس)، حين بدأت أعداد الإصابات تتضاعف إثر حالة الطوارئ الكارثية التي غرق فيها لبنان. وبدل أن تتجهز السلطة لمواجهة نتائج الانفجار وتأثيرها على جائحة كورونا، لم تتورّع عن التفرغ لقمع المظاهرات التي نزلت للتعبير عن غضبها. فتسببت اعتداءاتها بإصابات مباشرة نتج عنها عاهات دائمة بشكل متعمد مستخدمة أسلحة ممنوعة. ما حدا "بمجلس القمصان البيض" إلى إصدار بياناً يدين هذه الممارسات التي شغلت الجهاز الطبي عن مواجهة آثار الكارثية التي حلّت ببيروت لمعالجة ضحايا القمع، بما يفوق قدراته.

أما المساعدات التي وصلت من كافة أنحاء العالم بعد الانفجار، من أغذية وأدوية وطواقم طبية وتجهيزات، وجدت المافيا السبيل لإعطائها لغير مستحقيها ولتهريبها وبيعها في أسواق البلدان المجاورة.

وفي هذا الوقت بالذات يتم تسريب فيديو من القصر الجمهوري يهاجم فيه رئيس الحكومة المكلف بشكل غير معهود، مسبباً فضيحة شغلت الناس: هل التسريب مقصود أم  بالغلط؟ كذب أو لا!!.. فتتحول السياسة إلى حلبة مصارعة بين خاسر ورابح وإلى مسألة عواطف وحب وكره في وضع لبنان الكارثي. إنها الكوميديا السوداء. 

لبنان في المرتبة الثالثة عالميا فيما يخص تفشي الوباء: إصابات بالآلاف، مستشفيات فقدت قدرتها على الاستيعاب، ووفيات بالعشرات وانقطاع العديد من الأدوية الضرورية والمتوفر منها تفوق تكلفته قدرة المواطن العادي بعد أن سرقوا امواله. 

المطلوب خطة تتمتع بالشفافية على ما أشار بيان سيدة الجبل منذ مطلع الأسبوع:
أ‌- تنظيم الإقفال بعيداً عن الاستنسابية التي جرى اعتمادها منذ شهر شباط (فبراير) الماضي.
ب‌- تسريع وتفعيل الحصول على اللقاح ووضع الأسس القانونية لتخزينه وتوزيعه وفقاً لمعايير أخلاقية ووطنية.

فالخوف أن يستمر التعامل مع كورونا باستنسابية صحية. المطلوب أيضاً "هيئة صحية مستقلة" تضمن استيراداً متعدد المصادر وتبعاً لشروط الشركات المنتجة وتوزيعاً عادلاً للقاح بإشراف هيئات من المجتمع المدني الصحي على غرار "القمصان البيض".

كل هذا لا يعفي إدانة السلوك اللامسؤل لكثير من المواطنين والذين يتصرفون على أساس  Ça n’arrive qu’aux autres .

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!