عناصر من تنظيم داعش في العراق
صورة أرشيفية لعناصر من تنظيم داعش الإرهابي

في الجزء الأول من هذا المقال، تحدثت عن أهمية أن تستغل الحكومات والمنظمات والأفراد في المجتمعات العربية والإسلامية حالة التدهور التي تمر بها الجماعات الجهادية بفضل الضربات الاستباقية المتوالية التي تتلقاها من قوات التحالف الدولي والجيوش المحلية والعمل المتميز الذي تقوم به أجهزة الأمن والاستخبارات في كل مكان من أجل توجيه ضربة قاضية للفكر الجهادي وهزيمة دعاة الجهاد. 

كما اقترحت تأسيس تحالف فكري يتصدى للجهاديين ومن يرجون للفكر المتطرف يهدف إلى تجنيد جميع شرائح المجتمع ليكونوا خط الدفاع الأول ضد التطرف ويعمل على تسليحهم بكل الأفكار والوسائل والأدوات اللازمة لمواجهة كل بوادر التطرف في البيوت ودور التعليم والمساجد وأماكن العمل وعلى جميع المنابر الواقعية والافتراضية. 

داعش يحافظ على مستوى منخفض من عملياته
نحو تحالف فكري لهزيمة دعاة الجهاد (1)
في إطار حرصها على إثبات وجودها والبقاء تحت الأضواء، تركز التنظيمات الجهادية جهودها في التخطيط للعمليات الإرهابية وما تتطلبه من تمويل مادي وفي تجنيد وتدريب الإرهابين كما تهتم بإطلاق التهديدات خلال المناسبات المختلفة وبتحريض الأتباع على القيام بعمليات فردية متى ما أتيحت لهم الفرصة المناسبة.  

ومن أجل تحقيق ذلك، يتعين قبل كل شيء أن تدرك المجتمعات الإسلامية حقيقة أن الخطر الذي تشكله الجماعات الجهادية ليس محصورا في فئات معينة أو على أماكن محددة كما يحاول الإرهابيين كذبا الترويج لذلك في رسائلهم التهديدية من أجل التملص من المسؤولية حيث دأبوا على حث المواطنين على الابتعاد عن مناطق معينة وكأنهم يعبؤون بأرواح الأبرياء الذين يسقطون خلال عملياتهم الإرهابية.

إن الحقيقة التي لا يمكن لأحد إنكارها هي أن إرهاب الجماعات الجهادية يطال الأسواق والمساجد والمستشفيات والمطاعم وملاعب كرة القدم والمطارات والطائرات ومحطات النقل والمباني السكنية والمهرجانات ولم يسلم من إرهابهم لا الأطفال ولا النساء ولا كبار السن ولا حتى المقابر والأضرحة.

كما لا يخفى على أحد بأن شعوب الدول العربية والإسلامية هم الأكثر تضررا من الجماعات الإرهابية التي تفاخر بأعداد القتلى والجرحى الذين يسقطون خلال عملياتهم.

وبحسب العدد 269 لصحيفة "النبأ" الأسبوعية التي يصدرها تنظيم "داعش" فقد نفذ الدواعش 64 عملية في كل من سوريا والعراق وسيناء ونيجيريا وباكستان وأفغانستان والكونغو وبلغت أعداد القتلى والجرحى أكثر من 182.

كما نشرت وكالة "ثبات" الإخبارية الموالية لتنظيم القاعدة مؤخرا تقريرا ذكرت فيه بأن إرهابيي القاعدة نفذوا قرابة 7000 عملية في عام 2020 في كل من دول شمال أفريقيا، ومصر، وبلوشستان، وجنوب افريقيا، ووسط أفريقيا، وجزيرة العرب، وغرب أفريقيا، والقارة الهندية وبلاد الشام وشرق أفريقيا وأفغانستان سقط خلالها أكثر من 16000 قتيل ومائة ألف جريح. 

وهكذا يتحول الأبرياء الذين يسقطون في العمليات الإرهابية إلى أرقام تفاخر بها الجماعات الجهادية في إصداراتها ومن المتوقع أن يستمر الحال على ماهو عليه وربما قد يتجه نحو الأسوأ إن لم تتصدى الحكومات والمنظمات والأفراد في المجتمعات العربية والإسلامية للفكر الجهادي وتتعامل معه كخطر وجودي يجب القضاء عليه والضرب بيد من حديد على كل يتبناه أو يروج له أو يتعاطف معه.

إن السبيل الوحيد لهزيمة الفكر الجهادي وتجنيب المجتمعات العربية والإسلامية ويلات الإرهاب وتبعاته يتمثل في فرض عقوبات صارمة على دعاة الجهاد ومموليه وتنظيم حملات توعوية دائمة لتدريب كل أفراد المجتمع من جميع الشرائح على مقارعة كل من يتعاطفون مع المتطرفين ويروجون لأفكارهم.

إن من أهم الأسباب التي ساهمت في تمادي دعاة الجهاد في الترويج لضلالاتهم هي اعتقادهم بأنهم على حق وغيرهم على باطل وقد بلغوا من الجرأة إلى حد وصفهم لكل من يخالفهم الرأي بالجهل وإصدار فتاوى التكفير ضدهم ولذلك فمن النادر أن تجد من يتصدى لهم في المجالس العامة أو مواقع التواصل الاجتماعي أو المجموعات المغلقة بحجة عدم امتلاك القدر الكافي من العلم الشرعي للرد عليهم.

ونتيجة لهذا التساهل ذاقت الشعوب العربية والإسلامية الويلات وسقط الآلاف قتلى وجرحى كما تشتت شمل آلاف الأسر في المنافي والمخيمات.

وخلاصة القول، لا تتردد عن مواجهة أصحاب الفكر الضال في أي مكان وعلى أي منبر من المنابر فاصدح برفضك لتطرفهم وأفضح فساد معتقداتهم وأعلن كفرك بما يروجون له من عنف وكراهية وإن استدلوا بالآيات والأحاديث لأن صمتك عنهم سيزيدهم تماديا في غيهم ويمد في عمر ضلالاتهم.   

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.