بومبيو حذر أن تخفيف الضغط على طهران يضعف شراكات السلام في المنطقة
وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو

خلال الأسابيع التي تلت هزيمة الرئيس ترامب في الانتخابات، ومع انشغاله  ومساعديه في  البيت الأبيض بمحاولة الطعن بالنتائج، بدأ وزير الخارجية مايك بومبيو باتخاذ سلسلة من الإجراءات الهامة مصممة جزئيا لتعزيز سياسات ترامب،  ومكافأة بعض الحلفاء، حتى ولو كانت غير منسجمة مع سياسات واشنطن التقليدية.

ولكن بعض هذه القرارات عكست رغبة بومبيو، الذي لا يخفي طموحاته الرئاسية في 2024، بوضع العراقيل أمام إدارة الرئيس جوزيف بايدن الجديدة، وتقييد يديه في التعامل مع عدد من القضايا والتحديات الملحة، مثل كيفية إدارة العلاقات الصعبة والمتوترة مع دول مثل الصين وإيران.

ولم يحدث من قبل أن قام وزير خارجية قبل أيام وأسابيع من نهاية خدمته عن قصد بتقييد حرية عمل خلفه، وأن يتخذ قرارات أحادية الجانب، ولا تحظى حتى بمباركة زملائه، كما فعل بومبيو.

وفي الأسابيع الماضية، تصرّف بومبيو وكأنه هو وليس الرئيس ترامب المخطط الرئيسي للسياسة الخارجية، حين قرر اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها منذ عقود بين المغرب وجبهة البوليساريو، وإعادة تصنيف كوبا كدولة راعية للإرهاب، وكذلك تصنيف حركة الحوثيين في اليمن تنظيما إرهابيا، وفرض عقوبات جديدة ضد إيران، وإلغاء بعض القيود المفروضة منذ زمن على اتصال المسؤولين الأميركيين بالمسؤولين في حكومة تايوان، والتعجيل بإبرام صفقات الأسلحة مع دول مثل الإمارات العربية المتحدة.

بومبيو يدرك مسبقا أن الرئيس المنتخب بايدن يريد استئناف الاتصالات الديبلوماسية مع إيران بهدف إحياء أو تطوير الاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس ترامب في 2018.

كما يدرك أن بايدن، مثله مثل الرؤساء السابقين يريد حلا تفاوضيا للنزاع في الصحراء الغربية وفقا لعدد من قرارات الأمم المتحدة من بينها إجراء استفتاء لمعرفة ما يريده سكان الصحراء. كما يعرف بومبيو أن بايدن يريد استئناف الاتصالات الديبلوماسية مع الصين لحل القضايا الخلافية مثل العلاقات التجارية، ومستقبل تايوان، وسياسات الصين العدائية في شرق آسيا ومحاولاتها السيطرة على جزر متنازع عليها.  

الرئيس المنتخب بايدن لم يعلق على قرارات بومبيو كما تفادى معظم المسؤولين الذين عينهم بايدن لإدارة السياسات الخارجية والأمنية كذلك عن التعليق بحجة أن هناك رئيس أميركي واحد يمارس صلاحياته الدستورية، باستثناء مستشار الأمن القومي المعين، جايك سوليفان الذي سجل اعتراضه على تصنيف الحوثيين كتنظيم إرهابي.

وقال سوليفان في تغريدة "يجب محاسبة القادة الحوثيين (العسكريين)، ولكن تصنيف المنظمة بكاملها سوف يتسبب بالمزيد من المعاناة للشعب اليمني، وسوف يعرقل الديبلوماسية الضرورية لإنهاء الحرب".

موقف سوليفان انسجم مع مواقف بعض المشرعين الأميركيين من جمهوريين وديموقراطيين الذين يريدون أن تساهم الولايات المتحدة بإنهاء النزاع، ولأن التصنيف سوف يضر بعمليات الإغاثة في اليمن والتي تتطلب تعاونا من الحوثيين الذين يسيطرون على مناطق واسعة في اليمن.

وانتقد الاتحاد الاوروبي وكذلك منظمات الاغاثة الدولية قرار  بومبيو لأنه سيزيد من حدة الأزمة الانسانية في اليمن ويضع الملايين من اليمنيين على حافة المجاعة.

ويعتقد أن قرار بومبيو ضد الحوثيين  يهدف أيضا لوضع عقبات جديدة أمام بايدن حين يسعى لاستئناف الاتصالات مع إيران التي ترعى وتدعم الحوثيين.

لا شك أن سجل الحوثيين يبين بوضوح أنهم مارسوا الإرهاب ضد خصومهم في الداخل، كما أن إطلاقهم لصواريخ سكاد ضد مدن وأهداف مدنية داخل السعودية يعتبر عملا إرهابيا، ولكن لا شك ايضا أن الأطراف الأخرى في حرب اليمن وفي طليعتها السعودية  ارتكبت عبر سلاحها الجوي أعمالا إرهابية في اليمن أدت إلى قتل آلاف المدنيين.

قرار بومبيو الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء يهدف إلى مكافأة المغرب على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بيد أن هذا القرار يتعارض مع مواقف واشنطن التقليدية تجاه هذا النزاع، كما يتناقض مع مواقف الأمم المتحدة والدول الغربية، ولن يساهم في إيجاد حل للنزاع.

ولا يخفى أن تغيير السياسية الأميركية التقليدية تجاه تايوان من خلال رفع مستوى الاتصالات الديبلوماسية، وتقليص القيود المفروضة على تسليحها، وهي قيود وضعتها واشنطن منذ عقود حين اعترفت بوجود دولة واحدة اسمها الصين، يهدف إلى استفزاز  بكين ولتأخير استئناف الاتصالات بينها وبين إدارة بايدن .

ولعل أكثر إجراءات بومبيو خبثا وإثارة للجدل هو إعادة تصنيف كوبا دولة راعية للارهاب بحجة واهية، وهي دعم كوبا للنظام في فنزويلا، ويبدو أن تلك الخطوة كانت تهدف إلى استرضاء الجالية الكوبية-الأميركية التي تشكل كتلة انتخابية جمهورية في ولاية فلوريدا المحورية.

إدارة الرئيس بايدن سوف تسعى لإلغاء هذه الإجراءات، ولكنها لن تكون قادرة على فعل ذلك بسهولة، وبعضها مثل تصنيف الحوثيين وكوبا كأطراف ترعى الإرهاب يتطلب العودة إلى الكونغرس، وهذا يستغرق الكثير من الوقت والجهد.

وأيضا إلغاء القرارات المتعلقة بتايوان سوف يخلق الانطباع بأن بايدن يريد أصلا العودة إلى تطبيع العلاقات مع الصين، وخاصة مع وجود عدد كبير من الجمهوريين في مجلس النواب من الذين تأثروا بمواقف الرئيس ترامب المتشددة ضد الصين والذين يعارضون التطبيع مع بكين.

وكذلك، يستطيع الرئيس بايدن نظريا التراجع عن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ولكن ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى تأزيم العلاقات الجيدة مع المغرب. 

قرار بومبيو الأخير بفرض عقوبات جديدة ضد إيران تستهدف جمعيات يسيطر عليها المرشد الأعلى، هو قرار رمزي ويجب أن نضعه في سياق سياسات إدارة الرئيس ترامب، وتحديدا مواقف بومبيو الاجمالية تجاه إيران.

سياسة "الضغوط القصوى" ضد إيران التي اعتمدها الرئيس ترامب  ودافع عنها بشدة بومبيو أخفقت في تحقيق هدفها بإضعاف إيران وإرغامها على العودة للتفاوض بشروط ترامب.

ترامب لم يرغم إيران على تعديل سياساتها القمعية في الداخل، أو سياساتها العدائية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وانسحابه من الاتفاق النووي سمح لطهران بزيادة كميات اليورانيوم المخصب، وإذا انسحبت إيران من الاتفاق النووي لن تستطيع الدول الأخرى الموقعة عليه لومها.

كل تهديدات ترامب وبومبيو ضد إيران لم تردعها عن سياساتها. وكان من الواضح أن ترامب غير معني بالدخول في نزاع عسكري مع طهران لحماية دول الخليج. وهذا ما أكده الهجوم الإيراني ضد منشآت النفط السعودية، كما أن سياسة الضغوط القصوى، التي لم يصاحبها أي طرح سياسي، وكانت تعني عمليا أن إدارة ترامب فرضت العقوبات من أجل العقوبات، أي أن الهدف هو القسوة من أجل القسوة، وليس لتحقيق هدف سياسي يمكن أن يؤدي فعليا إلى كبح البرنامج النووي الإيراني ومنع طهران من التحول إلى قوة عسكرية نووية، وهو ما يريده حلفاء واشنطن في الشرق الاوسط وأوروبا.

الثنائي ترامب- بومبيو أشرف على سياسة خارجية هزيلة، أدت إلى تقويض علاقات واشنطن التقليدية مع حلفائها في أوروبا والشرق الأقصى، وتأزيم العلاقات بشكل عام مع الدول الديموقراطية وتعزيزها مع الدول الأوتوقراطية والمتسلطة، وزيادة عزلة الولايات المتحدة في العالم تحت شعار الانعزالية التقليدية "أميركا أولا".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!