"المخيلة العامة لهذه النُخب كانت مرتبطة بالدولة المركزية ذات النزعة السياسية العربية قومياً والإسلامية السُنية هوياتياً"
"ثمة طيف هائل من القضايا التفصيلية التي دلت على خواء جعبة الأدب السياسي السوري تجاهها"

بعد مرور قرابة عقد كامل على انطلاق الثورة السورية، يكاد ألا يُعثر على أي مفاهيم أو رؤى وكتابات سياسية سورية رصينة، قادرة على الاستيعاب الثقافي والإحاطة المعرفية بالمجريات السورية، وتالياً تقديم منتجات سياسية/ذهنية، مناسبة وملاحقة لهذا السيل السوري.

فخلا عبارات بائسة من مثل "يلعن روحك يا حافظ"، وما ماثلها من طروح تجمع الانفعال الشعبوي بلغة الشتيمة المسطحة، لم تُفرز النُخب السياسية والمعرفية السورية أي منتجات ذات قيمة ودور في وتأثير على الحالة السورية.

قبل عقد من الآن، انطلقت الثورة السورية من ثنائية شديدة البساطة والوضوح، قائمة على وجود نظام سياسي أرعن، يُمثل ويكتنز كل أفعال وسمات الشرّ المطلق، تقابله ثورة شعبية تسعى للإطاحة به، وتتطلع لتشييد نظام سياسي على أنقاضه وبالتضاد منه تماماً. لأجل ذلك بالضبط، كان بعض العبارات الموجزة، من مثل الديمقراطية المدنية والحريات العامة ودولة القانون، كافية وأخاذة وقتئذ. 

لكن المجريات أثبتت أن المسألة السورية من أعقد الظواهر والأحداث التي مرت على منطقتنا طوال نصف قرن كامل مضى. فالنظام السوري ظهر أكثر جسارة وقوة وتركيباً وعمقاً مما كان يُتوهم حوله، ومثله كان المجتمع السوري، المُحمّل بتداخلات إقليمية ونفسية وعقائد سياسية وإيديولوجية بالغة التعقيد، يُستحال أن يُفهم أو يُحاط بها إلا بمنتجات ضخمة وعميقة من الأدب السياسي، المناسب لخصائصه ونموذجه المتمايز، وهو ما لم يحدث. 

ثمة طيف هائل من القضايا التفصيلية التي دلت على خواء جعبة الأدب السياسي السوري تجاهها. وهي مسؤولية مُلقاة على عاتق النُخب السورية المعارضة فحسب، لأن الطبيعة الصفرية والشمولية للنظام السوري، يُستحال معها أن تفرز أي شيء من ذلك. 

ضمن ذلك الطيف الواسع، ثمة أربع قضايا تفصيلية، كانت الإحاطة المعرفية والسياسية بكل واحدة منها واجباً أساسياً لنخبة الفعل السياسي السوري، لكنها، وبعد مرور عقد كامل على انطلاقة الثورة السورية، بقيت في نفس المكان الذي كانت عليه، غير مُفكر بها، بالرغم من أدوارها الرهيبة في تعقيد الحالة السورية، راهناً ومستقبلاً. 

تأتي المسألة الطائفية على رأس تلك القضايا. فكما يرفض وينفي النظام السوري منذ نصف قرن كامل وجود هذه المسألة أساساً؛ لا تُقدم النُخب السورية المعارضة أي رؤية عميقة حول ذلك، خلا اتهام النظام السوري بإثارة النعرات الطائفية، والقول إن الحل في سوريا هو ببناء نظام سياسي مدني.

لكن عشر سنوات من المجريات السورية، أثبتت تهافت ادعاءات الوعي السياسي السوري المعارض تجاه هذه المسألة، وفي كل تفصيل منها. فلا النظام السوري وحده من يُفعّل ويستخدم ويستغل الحساسيات الطائفية، ولا قوى المعارضة السورية مُجمعة على دولة مدنية ديمقراطية، بما تعنيه فعلاً، ولا حتى المسألة الطائفية السورية مُجرد تفصيل صغير، بل تكاد أن تكون أهم مُرتكز لكامل المشهد السوري، منذ نصف قرن على الأقل. 

أهم ما في الأمر، هو بقاء هذه المسألة معرفياً وسياسياً في مراوحتها الراهنة، دون رؤى وحلولٍ موضوعية واضحة لها، إنما تعني شيئاً واحداً فحسب؛ استمرار الحروب الأهلية، الساخنة والباردة على حدٍ سواء، وفي ظلال القناع الثنائي، الذي تتجاذبه قوى المعارضة مع النظام السوري، القائمة على الإنكار من طرف، والادعاء بأن الحل هو بالدولة المدنية من طرف آخر. 

القضية الكردية هي مرتكز آخر موازٍ للمسألة الطائفية. إذ لم ينتج هذا الأدب السياسي السوري إلا بعض العبارات المسطحة بشأنها، من مثل "الأكراد أخوتنا" و"المواطنة كفيلة بحل المسألة الكردية". كانوا يطرحون ذلك، في وقت كانت المسألة الكردية في سوريا تندفع لأن تكون فاعلاً حيوياً للتشبيك الإقليمي مع المسألة السورية، وحيث أن طيفاً واسعاً من السوريين –الأكراد- صاروا يفقدون بالتقادم أي ثقة بالفضاء الوطني، المعارض منه بالذات، واستمرت حينما غدا الأكراد في أكثر من منطقة سورية يتعرضون لإبادة جماعية، وعلى أيادي القوى المسلحة الرديفة للمعارضة السورية نفسها. 

القضية الإقليمية، المتعلقة جوهراً بموقع سوريا وهويتها الجيوسياسية، بالذات من حيث دورها في الصراع العربي الإسرائيلي، ووشائج سوريا مع القوى الإقليمية القلقة، مثل لبنان والأردن والقوى الفلسطينية، كانت بدورها شيئاً هامشياً جداً في الوعي السياسي السوري المعارض طول هذه السنوات. 

ففي هذه المجال، لم تُطرح إلا النضالويات الشعبوية، التي لا تعي تماماً الأدوار الاستثنائية للديناميكيات الإقليمية في تثبيت نظام الأسد، ولا تملك أي شجاعة للتعامل الرصين والشفاف والموضوعي معها. 

المسائل الثلاث تلك، كان جميعها جزءا من فقدان النُخب السياسية السورية لأي تصورات عن شكل سوريا المستقبلي، عن نظامها السياسي وعقدها الاجتماعي وهوية الجغرافيات والحساسيات الأهلية السورية ببعضها.

فالمخيلة العامة لهذه النُخب كانت مرتبطة بالدولة المركزية ذات النزعة السياسية العربية قومياً والإسلامية السُنية هوياتياً، وإن بشكل مُقنع، تنادي بشعار خالٍ من أي مصداقية "الدولة الديمقراطية المدنية". 

ثمة رفض ذهني وروحي مطلق من قِبل هذه النُخب السورية لمناقشة أي أشكال أخرى قد تكون عليها الدولة السورية مستقبلاً. شكل قد يمس أدوار الهيمنة المركزية لأبناء الجماعة العربية السُنية على البلاد كاملة.       

لم ينتج كل ذلك الخواء من فراغ، بل كان نتيجة طبيعية لديناميكيات رهيبة أحاطت بالفضاء السوري طوال أكثر من ثلاثة أرباع قرن من الشمولية السياسية، التي حكمت سوريا منذ عهد دولة الوحدة عام 1958 وحتى الآن. 

فالعمل والفعل السياسي السوري المعارض صار مخولاً لبعض المثقفين "الشجعان"، إلى جانب أحزاب مؤدلجة صغيرة للغاية ومهشمة. إذ كان ثمة فراغ هائل، غابت فيه القوى السياسية الحزبية القادرة على اتخاذ قرارات ومواقف ورؤى شجاعة، تستطيع بها أن تقود جزء واسعاً من المجتمع السوري برؤية واضحة وثقة عميقة. 

كذلك فإن إرث المخيلة والكلام البعثي واضح في مضامين وأشكال تفكير الشخصيات والقوى السورية المعارضة. حيث ما كانت معارضة حزب البعث الذي حكم ثلاثة أرباع قرن تقريباً قد أفرزت بالضرورة ما هو عكس البعث، كلامياً على الأقل، وروحاً على الغالب.   

أخيراً، فإن السوريون لم تُتح لهم منصة للحياة السياسية الداخلية ذات قيمة. فحينما خرجوا من بين أسنان النظام السوري، صاروا مباشرة بين مخالب القوى الإقليمية، التي لا تقل فظاعة عن الأسدية بشيء قط. 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.