العلاقات السياسية بين إيران والسعودية.. صراع أم مصالحة؟
. | Source: Courtesy Image

قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، لدى استقباله في موسكو نظيره السعودي، فيصل بن فرحان، إن روسيا "تتفهم" مخاوف السعودية بشأن إيران، وخصوصا حول "برنامج إيران الصاروخي وتصرفاتها في بعض دول المنطقة"، قبل أن يعرض عقد مؤتمر للتباحث في "مفهوم الأمن الجماعي في الخليج"، والموافقة على مشروع روسي "لتأمين الملاحة" فيه، بالإضافة إلى المخاوف الإيرانية. 

والتصريح الروسي يتشابه وتصاريح غربية تلقي بلائمة المواجهة الدائرة بين السعودية وإيران على الجانبين. لكن هذه مساواة مجحفة بحق السعودية، التي لا تبني أسلحة نووية، ولا تصنع صواريخ، ولا ترعى ميليشيات موالية لها في المنطقة.

ويصادف الاقتراح الروسي مع إصدار الصحافي الهندي الباكستاني البريطاني، ديليب هيرو، الأسبوع الماضي، نسخة محدثة من كتابه "الحرب الباردة في العالم الإسلامي: السعودية وإيران وصراع التفوق". ومع أن الكتاب منحاز للإيرانيين، شأنه شأن معظم المطبوعات والإعلام في الغرب، إلا أنه يستعرض العلاقات بين السعودية وإيران بشكل توثيقي، ثم يضيف إليها المؤلف تعليقاته التي تمر مرور الكرام على إحراق الإيرانيين سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد، مطلع 2016، ولكنها تغوص في تفاصيل إجازة يقضيها مسؤول سعودي في جزر المالديف. وبهذا الشكل، لا ينفك هيرو يسمي السعودية "مملكة الصحراء"، بينما يشير إلى اللبناني حسن نصرالله على أنه "زعيم حزب الله"، من دون الإشارة إلى أن الأخير وحزبه مدرجان على لوائح الإرهاب الأميركية والأوروبية والخليجية.

ولتفادي الغوص بالتاريخ الذي يقدمه الكتاب منذ قيام الدولتين، يمكن البدء منذ كانت السعودية صديقة شاه إيران، وهو ما دفع إيران الإسلامية لاعتبارها في مصاف العدو، فبادلت الرياض طهران بالمثل، ودعمت الرئيس العراقي صدام حسين في حربه ضد الإيرانيين. لكن صدام ثبت أنه عديم الحنكة وعدو الجميع، بما في ذلك نفسه، فاجتاح الكويت، التي كانت وقف في صفّه، وهدد السعودية، وشق الصف العربي. 

بعد تحرير الكويت في 1991، رأت السعودية وإيران مصلحة مشتركة في إبقاء صدام منكفئ، وهي سياسة فتحت باب التقارب، الذي بادرت إليه السعودية وولي عهدها وملكها فيما بعد الراحل عبدالله بن عبد العزيز، وقابله من الجهة الإيرانية الرئيس الإيراني الراحل وأحد أبرز أركان إيران وثورتها هاشمي رفسنجاني، الذي زار المملكة، واعتمر، وتلى ذلك زيارة ولي العهد عبدالله طهران للمشاركة في قمة منظمة الدول الإسلامية، وبعدها دعوة سعودية لبّاها الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلى الرياض. ومضت العلاقات بين السعودية وإيران في التحسن حتى اشترى ولي العهد عبدالله أرضا على ضفاف بحر قزوين كان ينوي تشييد منزل صيفي فيها له ولعائلته. ولتفادي تعكير العلاقات، تغاضت السعودية عن تفجير الخبر، الذي أثبتت التحقيقات السعودية والأميركية أن المسؤولين عنه كانوا من "حزب الله الحجاز"، المرتبط بـ "الحرس الثوري الايراني" و"حزب الله" اللبناني.

وبدأت الرياض تستخدم نفوذها لدى واشنطن إلى أن أقنعت إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون بإبداء الاستعداد للحوار مع إيران، وهي إيجابية قابلتها طهران بمواقف مماثلة، بلغت ذروتها في طلب خاتمي من الأمم المتحدة تخصيص عام لحوار الأمم والحضارات. 

على أن النقطة التي بقيت مستعصية ارتبطت بإصرار إيران على "صداقة عسكرية" مع السعودية تؤدي إلى طرد الولايات المتحدة من المنطقة، وتقويض التحالف السعودي الاستراتيجي معها، وهو طلب رفضته السعودية بدبلوماسية ولباقة. 

ثم كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 التي هزت العالم وفتحت الباب أمام إدارة الرئيس السابق جورج بوش ببدء مشروع نشر الديمقراطية في العالم. إيران، التي كانت بدأت عملية تصالحية مع صدام مع زيارة وزير خارجيتها كمال خرازي بغداد في خريف 2000، واتفاق الطرفين على تثبت اتفاقية الجزائر، سبب الحرب بينهما، احتارت فيما تفعله، فهي كانت ترغب في الإطاحة بغريمها، وهو ما كانت تطلبه الميليشيات العراقية المعارضة في منفاها الإيراني، وفي نفس الوقت خشيت إيران أن يتمدد نشر الديمقراطية الأميركية ليشملها بعد صدام، فعارضت الحرب الأميركية على لسان مسؤوليها ونصرالله، الذي دعا إلى "طائف عراقي"، أي مصالحة بين صدام ومعارضيه.

بعد انهيار نظام صدام، مضت إيران وميليشياتها — لا في تعزيز سيطرتهم على العراق فحسب — بل في الانتقام من كل ضباط الجيش العراقي ممن شاركوا في الحرب العراقية ضدها، خصوصا الطيارين، ومضت تنكّل بكل من عملوا في الحكومة العراقية ومؤسساتها، خصوصا من السنة، وهو فراغ قيادي استغله تنظيم القاعدة والتطرف في العراق، ونشبت حرب سنية شيعية.

لكن أميركا كانت تسعى لوقف الحرب الأهلية العراقية، فطلبت من الرياض مساعدتها، وقامت السعودية بنسج علاقات بين العشائر السنية والقوات الأميركية لتخليص العراق من القاعدة. هذا التعاون الذي أنقذ العراق لم يرق لإيران لأنه كان يتطلب مشاركة بين الشيعة والسنة بدلا من سطوة شيعة إيران العراقيين، فمضت طهران تستهدف، لا سنة العراق فحسب، بل سنة المنطقة عموما، وفي 2005، اغتيل السني رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري، حليف السعودية. طبعا لا يشير هيرو الى أن محكمة الأمم المتحدة أدانت خمسة من قياديي "حزب الله" بالجريمة، فقط يشير إلى أن السعودية أغدقت الأموال على التحالف المناهض لإيران في لبنان، ما سمح له بالفوز بالانتخابات النيابية في دورتين متتاليتين.

السعودية لم تتغير. انفتحت على إيران، وقابلها المعتدلون الإيرانيون، لكن هؤلاء ماتوا، مثل رفسنجاني، أو تم اقصائهم في انتخابات مزورة، مثل خاتمي ومير حسين موسوي، فحكم المتطرفون إيران، وهؤلاء يصرون اليوم على إخضاع الخليج لسطوة إيران، أو تسميته "الخليج الفارسي الأوسع"، على ما كتب وزير خارجية إيران جواد ظريف يوما في صحيفة نيويورك تايمز، وهو خليج يتضمن بحر العرب والبحر الأحمر، وساحل المتوسط. 

ثم أن إيران لا ترى في دعمها الإرهاب مشكلة، بل تسميه دعم أصدقائها لمقاومة الاستعمار، وهو ما حدا بالملك عبدالله يوما للقول لضيفه وزير خارجية إيران السابق منوشهر متكي إن إيران تتدخل في الشؤون العربية بدعمها حماس الفلسطينية، فرد متكي بالقول إن هذه ميليشيات إسلامية، ليرد العاهل السعودي الراحل "بل عربية". 

إيران لا تريد أصدقاء في المنطقة أندادا، بل تريدهم تابعين وأزلام، على شكل نصرالله والحوثيين والميليشيات في العراق وسوريا. أما السعودية، فتريد علاقات بين حكومات تسودها الندية، والاحترام المتبادل، والتبادل الثقافي والتجاري، واحترام القرارات السيادية للدول بدون إملاء النظريات حول المستكبرين والمستضعفين، إلى آخر الأسطوانة البالية.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.