الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة بعد
الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة بعد

في الموضوع المتعلق بالسلام بين إسرائيل والفلسطينيين، فإن التسريبات والترشيحات والتصريحات الواردة من إدارة بايدن "المستجدة" تتحدث بمجملها عن العودة إلى "حل الدولتين".

الكثير من المعنيين "خصوصا في الجانب الفلسطيني" تلقى ذلك بارتياح، وهو ارتياح وهمي سينتهي بصدمة "واقع حال" كبيرة تضع الجميع أمام حائط مسدود، ومن جديد في هذا النزاع الذي بدأ يأخذ طابع "الملاحم الإغريقية".

"حل الدولتين" يعني العودة إلى واقع ووقائع عام 1994 على الأقل، حين كان واقع ذلك الزمان يتماهى ويتطابق مع طروحات حل دولتين على تلك الجغرافيا المتنازع عليها بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

وإدارة بايدن "المستجدة" بكل ما تحمله معها من انسحابات جرفية هائلة عن سياسات إدارة ترامب السابقة لها لا تستطيع أن تعيد الواقع ولا الزمان إلى عام اتفاق أوسلو ومؤتمر مدريد قبله.

إعادة فتح مكاتب الفلسطينيين في واشنطن، واستئناف ضخ الدولارات الأميركية إلى وكالة غوث اللاجئين، أو حتى تقديم الهبات والمساعدات المالية للسلطة، وغير ذلك من سياسات أميركية جديدة ليست أكثر من اعتذار "قاصر عن تغيير الواقع" من واشنطن عن سياسات ترامب وإدارته، وتلك الإجراءات لا تخدم "حل الدولتين" بقدر ما هي تخدم استمرارية السلطة البائسة في رام الله لتطيل عمر إدارتها كوكالة أمنية "محدودة السيادة جدا" على ما تبقى من جغرافيا قليلة يتكثف فيها الفلسطينيون كسكان في محمية، لا مواطنين في دولة.

 

الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة بعد لكن الفلسطيني في تلك الجغرافيا هو الذي يستحق الحياة

 

ونظرا إلى انه صار واضحا من جدول أعمال إدارة بايدن بأن التعامل مع إيران سيكون على رأس الأولويات فيها فهذا يعني تراجع البحث عن حلول جدية لعملية السلام "المشلولة" بين الفلسطينيين وإسرائيل، أو بشكل براغماتي أكثر دقة وضع تلك الحلول رهنا لمستجدات العلاقة الأميركية - الإيرانية (مع الحفاظ على المصالح الأمنية الإسرائيلية بالضرورة).

فعليا، فإن "أوسلو" انتهت فعليا كاتفاق قابل للتحقيق، لكن أهم ما حققته أوسلو والفضل الحقيقي يعود إلى مؤتمر مدريد، هو تأسيس فكرة السلام كحل للصراع الطويل بين الإسرائيليين والعرب (والفلسطينيين خصوصا).

فكرة الحل السلمي هي المجال الحيوي الوحيد الذي يمكن الحديث عنه وفيه والانطلاق منه لأي حلول قادمة، حتى من بينها ما أقره الحزب الديمقراطي الأميركي في برنامجه لعام 2020 (الذي انقضى) كدعوة لإنشاء دولة فلسطينية "قابلة للحياة" وأن للفلسطينيين "حرية حكم أنفسهم".

ومع كل ما أورثته إدارة ترامب من إشكاليات ومفاجآت لم تغير الواقع بقدر ما خلقت تعقيدات ضخمة فيه، فإن الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة بعد، لكن الفلسطيني في تلك الجغرافيا هو الذي يستحق الحياة كإنسان له كرامته الإنسانية، والذي تتدنى مستويات حقوقه إلى حدود لا يمكن احتمالها مما يضعه في خانة القهر المفضية بالضرورة إلى التطرف والحلول "الخلاصية الغيبية"، وهي حلول ستجد حواضن لها تبررها وتخلق منها "حل نهائي" بديل عن السلام المنشود.

إن إدارة بايدن فعليا لا تحمل مبادرة سلام جدية، بل هي إجراءات "فك توتر" تساعد على إدارة الأزمة الراهنة لا حلها، لكنها في نفس الوقت تحمل "نوايا" البحث عن حلول بعيدة عبر مفاوضات مستمرة قد لا تحمل أهدافا بين المتفاوضين إلا إعادة الثقة في الحوار نفسه.

عند الإسرائيليين، فهذا متطلب صعب مع وجود حكومة يمينية صعبة مثل حكومة نتانياهو، ولكن الحل يكمن في انتخابات قريبة وقادمة يقرر فيها الإسرائيليون توجههم الحقيقي في الصراع.

عند الفلسطينيين، فالقضية أكثر تعقيدا لغياب "الديمقراطية" في ظل حكم سلطة فاسدة أصلا، وقمعية بالدرجة الأولى لا تمثل صوت الفلسطينيين، ولا تملك حتى استراتيجية متماسكة لصراعها السياسي مع إسرائيل، وكل أدواتها في الصراع لا تتجاوز خطاب إنشائي قابل للإجترار دوما وباستمرار، وهي في النهاية سلطة تخدم اليمين الإسرائيلي خصوصا، وعموما ستكون إسرائيل أول المدافعين عن أي خطر يقوض سلطة أبو مازن وفريقه الحاكم في رام الله.

إلى أين يقودنا ذلك في ظل التطورات السريعة والمكوكية في عواصم الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية؟

الرئيس المصري يقوم بزيارة إلى العاصمة الأردنية، وهي زيارة فيها عنصر مفاجأة في الخروج على رتابة السياق الشرق أوسطي، وكذلك هي زيارة أعقبت لقاءات جمعت مدراء المخابرات المصرية والأردنية مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

تنشيط الدورين الأردني والفلسطيني يعني تغيرا في منهجيات السياسات الأميركية، أو ربما عودة إلى منهجيات ما قبل إدارة ترامب التي انفردت بالحلول الصادمة والمنفردة.

الدور المخابراتي في حمل الرسائل يعني جدية لها صيغة أمنية في الحلول القادمة، وهو ما يعني أيضا رفع مستوى الجدية في الرسالة المرسلة إلى القيادة الفلسطينية في رام الله.

ومع الأخذ بعين الاعتبار أن "معالجة مشكلة إيران سياسيا" هي على رأس أولويات إدارة بايدن، فإن واشنطن ومع حلفائها في المنطقة قد يعملون على مقاربة جديدة تتعلق بإغلاق "الباب الفلسطيني" أمام مزاودي حل المقاومة ووقف عمليات المتاجرة بالقضية الفلسطينية من باب "الكفاح المسلح" الذي يعطي عند هؤلاء "المقاومين" شرعية التدخل بالعمل الإرهابي.

من هنا، يمكن تلمس الرسائل التي حملها مديري المخابرات من القاهرة وعمان إلى رام الله، والتي يمكن قراءتها "تحليلا" بأنها محاولة لإبلاغ السلطة بتلك التغييرات، ودفعها للتموضع من جديد حول المنهجية الجديدة، وهذا بالتوازي مع جهد مصري متزامن وحثيث يعمل على "تسييس" حماس ووضعها ضمن أطر اللعبة السياسية الجديدة التي لن تخرج عن مفهوم "الحوار والمفاوضات والسلام" مع إسرائيل.

هذا كله ترافق مع "معلومات" وصلتنا من مصادر في العاصمة الأردنية عمان وأكدتها مصادر رديفة في واشنطن أن الرسالة التي حملها مدير المخابرات الأردنية معه من عمان إلى رام الله، وهمس فيها بأذن أبو مازن تتعلق بمخاوف أردنية جدية ومبنية على حسابات بالأرقام أن الانتخابات "الفلسطينية" القادمة قد تحمل فيها الصناديق حماس والمقاومة الإسلامية إلى شرعية وجود جديدة، وأن عمان - حسب الرسالة في رام الله - لن تتحمل مخرجات فشل وإخفاقات السلطة من جديد.


تلك تحركات سياسية تدركها إسرائيل وحكومة نتانياهو، وهي غير راضية عنها بالضرورة لما تعكسه من تراجع هائل عن كل مكتسبات إسرائيل في ظل إدارة ترامب، لكن واشنطن "الحليفة لإسرائيل لا لنتانياهو" تراهن على انتخابات إسرائيلية قادمة، هي غير قادرة على التدخل فيها "بحكم متانة المؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية" لكنها متمكنة من تلمس وعي الشارع الإسرائيلي وتوجهاته التي ولت مراحل يأس غير مسبوقة، وللإنصاف فهو يأس يشمل الشرق الأوسط كله، والذي يحاول كل اللاعبين فيه إعادة "التموضع" ضمن المعطيات الجديدة، حتى أن زيارة الرئيس المصري إلى العاصمة الأردنية تدخل ضمن "حركة التموضع" على مقاييس واشنطن المستجدة فحسب ذات المصادر من عمان فإن الرئيس السيسي الذي سيلتقي العاهل الأردني " المرتاح جدا في علاقته مع شارع بنسلفانيا في واشنطن" سيطلب منه وساطة أردنية لتخفيف الضغط الذي بدأت واشنطن ممارسته على القاهرة في عدد من الملفات أبرزها ملف حقوق الإنسان والخشونة الأمنية في التعامل مع الأصوات المصرية المعارضة.
 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!