قوات من الجيش اللبناني
مقربون من حزب الله يهاجمون الجيش اللبناني.

تزامن تسريب معلومات تكشف عن هوية التجار الثلاثة، السوريين- الروس، لأطنان نيترات الأمونيوم الى مرفأ بيروت، التي تسببت بأكبر انفجار غير نووي في التاريخ، مع تسريب أخبار عن اجتماع أمني في حميميم بين بشار الأسد ووفد إسرائيلي بحضور الروس طبعاً.

وفي خطاب سابق في ذكرى اغتيال قاسم سليماني، حرص أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، على إعلامنا أن سليماني، وفي أوج حرب 2006، لم ينس قلبه الرحوم تذكر المقاومة في غزة. 

ومن موقعه المشرف على جميع أعمال المقاومة وحرصه على تقويتها في الأراضي الفلسطينية خصوصاً، طلب منه إرسال صواريخ كورنيت إلى الأراضي الفلسطينية، يعني غزة ويعني حماس والجهاد. فأجاب نصرالله أنها صواريخ من بشار الأسد (وهي روسية الصنع) وعلينا أن نستشيره. فوافق الأسد بأريحية على إرسالها. 

في حينه، بدا لي هذا التعريج لإعطاء هذه المعلومة غير مفهوم ومعلومات يفترض أنها سرية في غير محلها. لكن يتبين مع الوقت أنها كانت للإشارة إلى روسيا بأن الأسد لا يتورع عن إرسال أسلحة روسية إلى حماس لمواجهة حليفتها إسرائيل.

وأخيرا جاءت تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بعد أعنف قصف قامت به اسرائيل ضد ميليشيات ومواقع إيران في سوريا، وقال فيها إن روسيا لا تريد سوريا ساحة للمواجهات الإسرائيلية والإيرانية. كما أكد أن روسيا لا تريد أن يستخدم أحداً سوريا لتهديد أمن إسرائيل أو ساحة للمواجهة الإيرانية–الإسرائيلية. 

فروسيا مستعدة لمعالجة المخاوف الإسرائيلية وترفض استخدام الأراضي السورية ضد إسرائيل. وأضاف لافروف أن بلاده لن تشتبك مع الولايات المتحدة في روسيا لكنها تطالب واشنطن بعدم استخدام القوة ضد المنشآت التابعة للسلطات السورية. ضمنا يمكنها استخدام القوة ضد المنشآت الأخرى، تركية أو إيرانية أو غيرها. غياب إيران عن اجتماع حميميم، يعني أن ما يهم روسيا قبل كل شيء، أمن إسرائيل وعلاقتها معها. وتحاول ترتيب شيء ما بين السوريين والإسرائيليين. 

وبمعزل عن نجاح هذه المساعي أو فشلها، المؤسف أنه بعد 10 سنوات على تضحيات "المقاومة" في سوريا من أجل الحفاظ على النظام السوري "المقاوم الأول" ضد إسرائيل، تنتهي بأن سوريا ممنوع عليها أن تستخدم منصة "للمقاومة". هذا إذا كان في سوريا الأسد حقا مقاومة من أي نوع كان.

على كل ذلك أتى الرد الإيراني بالإمعان في توريط الدول الأربع التي تفخر باحتلالها في خطة الدمار الشامل. 

فلقد ورد في الأخبار أن إيران تعمل على خطة دفاعية للمقاومة تشمل حزب الله، لصياغة مشروع قرار إيراني يقوم على إنشاء معاهدة دفاعية أمنية تشمل الدول القائمة تحت محور المقاومة. تنص بنودها على أن تقدم الدول المشمولة بالمعاهدة الدعم الشامل بوجه أي خطر إسرائيلي يقع على أي دولة من الدول المذكورة. على أساس أن لها باع طويل في "مقاومة" الاعتداءات الإسرائيلية في طهران نفسها وسائر إيران!!

هذا يعني أن إيران تمعن بجعل الشعب اللبناني المحتل، الذي تحول إلى أشلاء، مجرد ورقة تفاوض بيدها. تماماً كالحوثيين والحشد الشعبي والنظام السوري وحماس. وتزداد تدخلاً بشؤوننا وتفرض سياساتها التي ستجعلنا تحت احتلالها رسمياً. فحتى عندما كنا تحت الانتداب لم تُوَقّع مثل هذه المعاهدة مع فرنسا.

حقيقة يبدو أن لا حدود للغطرسة الإيرانية، فهي تسمي المجموعات المسلحة في هذه الدول "حركات التحرر" وتشمل حزب الله. هذا في الوقت الذي يقوم فيه لبنان بترسيم الحدود مع الدولة الإسرائيلية كبلد سيد مستقل يملك قراره مع دولة يعترف بحدوده معها. فما معنى أن يكون حزب الله "حركة تحرر وطني"؟ تحرر من ماذا؟ من الدولة اللبنانية وجيشها على ما يبدو!

فالاستراتيجية الدفاعية، لا تزال تنتظر حتى الآن، مع أنها كانت على رأس أولويات ما كان على العهد أن ينجزه. هذا في الوقت الذي تتبارى فيه الأقلام على توصيف الشلل التام الذي أصاب ويصيب المؤسسات تباعا كما ولو أن هناك رئيس أوركسترا يشرف على دقة تنفيذ سيناريو مرسوم مسبقاً. فيهيئ لمثل هذا الإعلان الإيراني الموضوع برسم الإدارة الأميركية الجديدة للتفاوض مع أوراق قوة.

فجمهورية الموز الموضوعة في الفريزر، لماذا؟ لأن المسألة مسألة "أعصاب"، أو من يصرخ أولاً ويتنازل. على ما ذكر سامي الجميل في مقابلته مع الحرة عن لسان أحدهم. فمحور "الصابرين" له باع طويل في ما يسمى "الصبر الاستراتيجي". الصبر على الضربات الإسرائيلية التي قيل إنها بلغت الألف في سوريا قبل الضربات الأخيرة التي وصفت بالشديدة الموجعة، والصبر على مقتل قاسم سليماني في العراق، وفخري زاده في قلب طهران. صبر هذا المحور لا حدود له، على عكس ما تزعم أم كلثوم.

ومن ضمن آليات الصبر هذه، الخطة التي اتبعت مع الاستراتيجية الدفاعية المؤجلة تحت راية المعادلة الذهبية الشهيرة "جيش، شعب، مقاومة". تحت هذه الثلاثية تم خوض معارك وتأخر تشكيل حكومات من أجل إدراجها في كل بيان حكومي. يبدو أنها استنفدت وظيفتها بعد وضع اليد على لبنان وتعطيل جميع مؤسسات الدولة.

من هنا نعود إلى خطاب نصرالله الأخير والذي أشار لأول مرة إلى ضرورة الكشف عن السبب الحقيقي للانفجار، محملاً الجيش مسؤولية "إعلان نتيجة التحقيق التي توصلت الأجهزة إليها"، ومتسائلاً: "هل المسبب هو: طيران إسرائيلي أم عبوة ناسفة أم إهمال؟ لماذا لا تقولون الحقيقة؟". ولفت الى أن حزبه معني بشكل أساسي بكشف الحقيقة بسبب الحديث عن علاقته بكميات النيترات التي انفجرت. مبدياً التعاطف لأول مرة مع أهالي ضحايا الانفجار. لن نناقش هنا موضوع إذا كان مستورديها من السوريين، فما هوية من أدخلوها وأشرفوا على تخزينها وإرسالها على دفعات عبر الحدود المفتوحة برعايته.

كانت هذه إشارة البدء بالهجوم على الجيش ومؤسساته في الإعلام "المقاوم" والتي افتتحها الصحافي رضوان مرتضى باتهام وقح غير مسبوق واصفاً الجيش "بالحمرنة" من محطة الجديد. 

لكن ردة فعل مخابرات الجيش المبالغ فيها بطريقة هوليوودية، في إرسال دورية طوقت مبنى الجديد بعدد من الآليات، وكأنها تداهم إرهابي عتيق. ما أثار الرأي العام، واضطر مبادرة "إعلاميون من اجل الحرية" لإصدار بيان دفاعاً عن مرتضى من أجل حماية الحريات الصحافية، عوضاً عن إدانة تصريحات الصحافي المشبوهة. وذلك احتراماً لحرية الرأي وللقانون الذي يفترض مثول الصحافي أمام محكمة المطبوعات.

فماذا نفهم من كل ذلك؟ أن المعادلة الثلاثية "جيش وشعب ومقاومة"، والتي اعتبرها أكثر من نصف الشعب اللبناني خشبية، يراد التخلي عنها ما دام الجيش لا يخضع للحزب كجميع المؤسسات الرسمية والحكومية الأخرى.

فإلى كل من يراهن على أن حزب الله سيتمكن من استعادة وجهه اللبناني، أن يتعظ من الهجمة الشعواء من الجيوش الإلكترونية، على قاسم قصير، أحد صحافيي المنظومة الإيرانية الإعلامية "الناعمة"، لأنه نقل إلى الرأي العام وجهة نظره التي تعبر عن استياء بدأ يغزو دوائر الحزب يعبر عن نفسه بمطالبته بالعودة إلى لبنان. 
حرص قصير على التأكيد أنه لا يريد إعادته الى لبنان بشروط فارس سعيد، أي بوضع سلاحه بإمرة الدولة اللبنانية، بل بشروطه هو. أي بإخضاع الدولة اللبنانية بقضها وقضيضها لأمرة سلاحه.

وهنا تكتمل الدائرة، فنحل اللغز على طريقة أغاثا كريستي. المؤسسة الوحيدة المتماسكة بوجه الحزب ولم ينفرط عقدها بعد، هي مؤسسة الجيش. "فلنقض عليها" ونسير في معاهدة إيران "الدفاعية". 

لكن السؤال دفاع عمن وبوجه من؟ إذا كانت سوريا أيضا قد تتحول إلى القافلة العربية التي بدأت تقيم علاقاتها مع إسرائيل؟
وبماذا تعدنا إيران، في حال سعت حقاً إلى تحقيق مرادها وماشاها حزب الله ولبنان؟

كل هذا تحت شعار الكرامة، استعادة الكرامة وحفظ الكرامة. 

بالطبع، فكلما جاع طفل أو مرض شيخ أو ماتت امرأة أو أقفل معمل ودكان وصيدلية ومحل ومستشفى ومدرسة ومصرف، وكلما تصاعد عدد المتوفين يومياً في المستشفيات حيث أصبح العداد اليومي أكثر من 50 متوفياً؛ كلما ازدننا كرامة وشبعنا كرامة لنتهجر ونموت بكرامة.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.