الداخلية المصرية قالت إن المتهم "نصاب"
مرت السنين وتغيرت المعايير الأخلاقية في المجتمع المصري، وأصبح البحث عن الفضائح مهنة من لا مهنة له، لاسيما بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي.  | Source: Courtesy Image

أتذكر في طفولتي كيف استوقفني عنوان فيلم مصري لعادل إمام باسم "البحث عن فضيحة". 
لماذا البحث عن الفضائح؟ سألت أمي بكل برائه، فردت بابتسامه هادئه: هذا فيلم كوميدي ساخر، ولكن في الواقع يجب علينا ألا نبحث عن الفضائح فالله الحليم الستار لا يريدنا أن نفضح عباده حتي ولو أذنبوا.

مرت السنين وتغيرت المعايير الأخلاقية في المجتمع المصري، وأصبح البحث عن الفضائح مهنة من لا مهنة له، لاسيما بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي. 

لا يري البعض أي غضاضة في مشاركه صور الآخرين الخاصه بدون إذن أصحابها، بل والتحريض ضدهم وحتى المطالبه بملاحقتهم قانونيا.

آخر أمثله الفضائح المصريه كانت منذ أيام، حين انتشرت صور مجموعة من السيدات وهن يحتفلن بعيد ميلاد إحداهن ، بحلوى على شكل أعضاء تناسلية، في طاوله خاصه في نادي الجزيره الرياضي.

انتشرت صور الاحتفال كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. لم يتوقف الموضوع علي الاستنكار اللفظي، بل وصل إلى الملاحقة القضائية، حيث ألقت قوات الأمن علي السيده المتهمه التي صنعت الحلوي "في منزلها الخاص".

ثم قررت وزارة الشباب والرياضة اليوم، الاثنين، تشكيل لجنة قانونية للتحقيق. كما دخلت دار الإفتاء المصرية علي الخط و أكدت علي تحريم نشر الصور العارية والحلوى والمجسمات ذات التعابير الجنسية والإيحاءات "الساقطة" ووصفته بأنه اعتداء على منظومة القيم، وإساءة فجة للمجتمع بمكوناته.

لست بصدد الدفاع عن هذا التصرف، بل اعتبره منافيا للذوق والرقي المعهود به في مجتمعاتنا.
ولكن الأهم من الفعل هو رد الفعل عليه. 

الحلوي التي صنعت في منزل خاص، لحفله خاصة، في ناد خاص، مهما كانت فجة و منافية للذوق العام ، لا تبرر العاصفه التي اجتاحت المجتمع المصري بسببها.

الحادثه تطرح العديد من الأسئلة 

ألم يكن من الأفضل لمن قرر فضح هؤلاء السيدات أن يقدم شكواه لإدارة النادي للتحقيق في هدوء بعيد عن الفضائح؟

ماذا لو كان رواد الحفل رجال؟ هل سنسمع نفس درجه الجلد والنقد؟ أم ستكون هناك مفردات أخرى؟ مثل " معلش المسامح كريم" ؟ 

لماذا يستحل المجتمع المتدين اللصوصية، ونشر، أو إعاده نشر صور خاصة بدون موافقه أصحابها؟ 

أليس الأفضل لدار الافتاء أن تنأى بنفسها عن هذا الهراء؟ وإن كان لابد من فتوي فتكون متناغمة مع مقاصد الشريعة التي تحض على عدم اقتحام خصوصيات الناس والسعي وراء الفضائح؟ 

ماذا عن مفهوم الأولويات؟ كنت سأتفهم ردود الفعل الغاضبة علي "الحلوى الجنسية"، لو كان المجتمع المصري وصل لدرجة من الرفاهيه تخلص فيها من كل مشاكله وتحدياته.

هل "الحلوى الجنسية" أخطر علي مصر من وباء الكورونا، وعدم الالتزام بلبس الكمامات ، ونقص الأكسجين في المستشفيات ، ووفاة العديد من طاقم الأطباء والممرضات؟ لم أجد فيديوهات على وسائل الاجتماعي تفضح من لا يلبس الكمامات ومن يسرق أسطوانات الأكسجين؟ 

ليست هذه المرة الأولي التي ينشغل فيها المجتمع المصري رسميا وشعبيا بمثل هذه النوعية من الأخبار التافهة. 
فلقد سمعنا من قبل عن فستان "غير لائق " لفنانه، و زي فرعوني "غير لائق " لفتاة أخرى، بالإضافة لڤيديوهات علي تطبيق التوك توك اعتبرت منافية "لقيم المجتمع المصري" التي لم يحددها أحد لا في الدستور ولا في القانون.

المتهمات في معظم هذه القصص، إن لم يكن جميعهم، من النساء، غالبيتهم غير محجبات وينتمون الي الطبقات فوق المتوسطه والعليا في المجتمع المصري. 

كل قصه منهم خلقت زوبعة وغضبا، ثم اختفت لتتصدر فضيحة أخرى مواقع التواصل وهلم جرا، من قطار فضائح لا ينتهي.

المضحك المبكي أن الكثير من هذه الفضائح تنتهي بتبرئة قضائية، فمثلا قضية بنات التوك توك انتهت بإلغاء عقوبه السجن، ولكن بعد أن دمر مستقبل الفتيات المتهمات ولطخت سمعتهن.

كتب عالم الاجتماع هوارد بيكر أن مفهوم الانحراف يصنع من قبل المجتمع من خلال صياغه القواعد التي يشكل خرقها انحراف.

بمعنى أن ردود الأفعال على أي "انحراف" تعكس تفكير وشخصيه المتلقين ، والرغبة في إعادة تصوير مفهوم الانحراف ليتناسب مع قيم معينه يريد البعض فرضها علي بقيه أطراف المجتمع.

من المحزن أن نري البحث عن فضيحة يتحول من اسم لفيلم كوميدي إلي دراما واقعية غير فكاهية تدمر المجتمع وتعمق الهوة بين أطرافه.

سلسله الفضائح الأخيرة تعكس بزوغ لوبي جديد يتخفي وراء الدين ويريد ملء الفراغ الذي تركته جماعات الإسلام السياسي في المجتمع المصري. يتسلح هذا اللوبي بمثلث مسموم، ضلوعه التنمر، و التلصص، وخلط الأولويات، بهدف التغلغل والتأثير في المجتمع المصري وإعاده صياغة معني الانحراف فيه، وخلق مراكز قوي مجتمعيه ترهب من يختلف معه.

ولكن مصر تختلف عن مجتمعات أخري، معظم المصريين يفهمون أن هناك فرقا بين الإسلام الذي يستر العورات ويركز علي مقاصد الشريعه التي تستر ولا تفضح، وتنصح ولا تقمع و تتقبل الاخريين بضعفهم وذنوبهم.

والإسلاموية التي تحاول أن تفرض الفضيلة وتمتهن التهويل والنيل من سمعة الناس وتتلذذ بتكبير الذنوب والتحريض علي من لا يمتثل لفهمهم للدين. 

ولهذا فقد سعدت بتعليق رئيس نادي الجزيرة الذي لم يرضخ للضغط، بل استنكر بكل وضوح التلصص والتجسس، واستباحة الخصوصية، والتلذذ بالإساءة لسمعة الناس. وأتمني أن يحذوا الكثيريين حذوه. 

فالتربص بفئات معينة من المجتمع ليست أعمالا بطولية، بل ظواهر مرضيه لا تليق بمجتمع يهدف إلى التطور والنجاح. 

وعلي القيادة السياسية أن تدرك مخاطر حراس الفضيلة.

فدراما الفضائح لن تصلح حال المجتمع المصري ولن تحوله إلى المدينة الفاضلة، بل ستحوله إلى مجتمع ضعيف يسوده الخوف والقهر والاذلال،. مجتمع لا يستطيع مقاومه التحديات ولا يقوى علي النهوض بالمستقبل.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.