"تشير أحكام البراءة الأخيرة إلى أن المؤسسة العسكرية تشعر بأنها قد نجحت في احتواء حالة الاستياء الشعبي، ولكن هذا الاستنتاج يبدو متسرّعا وسابقا لأوانه"
"تشير أحكام البراءة الأخيرة إلى أن المؤسسة العسكرية تشعر بأنها قد نجحت في احتواء حالة الاستياء الشعبي، ولكن هذا الاستنتاج يبدو متسرّعا وسابقا لأوانه"

حدثان مرّا مرور الكرام على الإعلام العربي خلال الأيام الماضية، الأول: عودة الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، إلى ألمانيا لاستكمال العلاج من مضاعفات كورونا بعد أيام قليلة من قدومه من هناك "سالما معافى" كما قال وقتها الإعلام الجزائري، أي أن الشهرين الكاملين الذين قضاهما في مشافي ألمانيا لم يكونا كافيين لعلاجه من هذا المرض الذي أصاب كثيرين من قادة العالم بما فيهم ترامب وجونسون وماكرون دون أن يمكث أي منهم في المشفى كل هذه المدة.

وهذا يوضّح أن عودة الرئيس تبون من ألمانيا، قبل يومين فقط من نهاية العام الماضي، لم تكن سوى إجازة طارئة أخذها من المشفى بسبب ارتفاع أصوات داخل الجزائر تطالب بتطبيق المادة 102 من الدستور، والتي تعني إعلان شغور منصب الرئاسة، خصوصا لأن تبون على المستوى الرسمي ليس فقط رئيس الدولة بل القائد الأعلى للجيش ووزير الدفاع.

وكذلك ترتبط عودة تبون بالتوقيع على مرسوم تعديل الدستور الذي أعطى صلاحيات واسعة للرئيس والتي قالت الحكومة نفسها أن نسبة المشاركة في الاستفتاء حوله كانت 23 في المائة فقط وأن ثلث الذين شاركوا في الاستفتاء اعترضوا عليه.

 

وكان من الممكن أن يتعاطف الشعب الجزائري بشكل أفضل مع الحالة الصحية للرئيس تبون لولا أن الجزائر قد عاشت، منذ عام 2005 حتى عام 2019، سيناريو مشابها مع الرئيس بوتفليقة، عندما كان عجْزُ الرئيس وعدم قدرته على القيام بواجباته يزداد يوما بعد يوم، ومعه يزداد إصرار المؤسسة العسكرية على التمسك به وتقوم في سبيل ذلك بحملات إعلامية منظمة تثني على قدراته وتؤكد على أنه بصحة جيدة وقادر تماما على القيام بكافة مهامه، في مكابرة مكشوفة تدل على استهتار بعقول الشعب الجزائري إلى أن أدّى ذلك إلى اندلاع الاحتجاجات الشعبية، في فبراير 2019. 

 

كما أن التقليد الجزائري في معالجة الرؤساء في مستشفيات خارج البلد أصبح محرجا، لأن الجزائر دولة نفطية وأكبر بلد أفريقي ومتوسطي من حيث المساحة، ومن المستغرب عدم وجود مشفى فيها قادرة على معالجة الرؤساء.

فقد تمت معالجة بومدين في سبعينيات القرن الماضي في يوغوسلافيا وروسيا، بينما اختار، الشاذلي بن جديد، بلجيكا لمعالجته، وبوتفليقة، كان يتنقل لسنوات طويلة بين مستشفيات فرنسا وسويسرا، واليوم، اختار تبون ألمانيا لمعالجته، فبالإضافة إلى ما يدل عليه ذلك من نقص الثقة في القطاع الصحي الجزائري فإنها عملية مكلفة ماليا.



والحدث الثاني: كان تبرئة الجنرال، محمد مدين، المشهور باسم توفيق "صانع الرؤساء"، الذي شغل منصب رئيس المخابرات لمدة ربع قرن من عام 1990 حتى 2015 من التهم التي وجهت له، والتي حكم عليه على أساسها، في سبتمبر من عام 2019، بالسجن خمسة عشر عاما.

وترافقت تبرئة مدين مع عودة، خالد نزار، وزير الدفاع الأسبق من إسبانيا والذي تم الحكم عليه غيابيا أيضا، عام 2019، بعشرين سنة سجن، ولكن محكمة بليدة العسكرية أسقطت مؤخرا التهم الموجهة ضده.



وهذه السرعة في التبرئة وإسقاط التهم بحق القادة العسكريين، بعد بضعة أشهر فقط من إصدار أحكام سجن طويلة بحقهم، تشير إلى أن القضاء الجزائري ليس أفضل حالا من بقية مؤسسات الدولة من ناحية خضوعه للمؤسسة العسكرية، لأنه لا يمكن عزل أحكام البراءة هذه عن الوفاة المفاجئة للجنرال، أحمد قايد، صالح رئيس الأركان الجزائري السابق الذي قاد عملية تلبية بعض مطالب المحتجين ومحاكمة بعض رموز النظام.

ولكن، خالد نزار، اعتبر في مقال على موقع "ألجيري باتريوتيك" الاحتجاجات الشعبية "مؤامرة تستهدف سلطة الجيش الجزائري تحت شعار دولة مدنية لا عسكرية".



وما قاله الجنرال نزار، هو اعتراف بتحكّم المؤسسة العسكرية بأمور الجزائر، مستعينة بواجهات مختلفة مع ما يتطلبه ذلك من إجراء مسرحيات انتخابات واستفتاءات دورية وإصدار دساتير لن يلتزم بها أحد.

وهذه حقيقة يعرفها غالبية الشعب الجزائري، ولذلك فقد تم اعتبار تبون مرشح المؤسسة العسكرية في الانتخابات الأخيرة، ولم يتوقع أحد أن تختلف صلاحياته عن صلاحيات سلفه بوتفليقة، ولذلك لم تشهد هذه الانتخابات حماسا أو مشاركة شعبية.

كما أوضح خالد نزار، في نفس المقال، المبررات التي تقدمها المؤسسة العسكرية للشعب الجزائري والعالم الخارجي لاستمرار تحكّمها بالجزائر "أن الأطراف التي تدعو إلى دولة مدنية هي جزء من خطة واسعة لزعزعة الاستقرار تهدف إلى استكمال ما تم القيام به في التسعينيات"، في إشارة إلى أن الديمقراطية ستأتي بالإسلاميين.



ولكن المؤسسة العسكرية نفسها تسترضي، بل تعمل على تقوية التيار الإسلامي، فالكلمات التي يلقيها قادة الجزائر العسكريون والمدنيون من ناحية صياغتها ومفرداتها الدينية، أشبه ما تكون بخطب الجمعة، وفي الوقت الذي لا توجد فيه مشفى في الجزائر تلبي متطلبات علاج الرؤساء، تم، قبل أسابيع، افتتاح ثالث أكبر مسجد في العالم بعد المسجد النبوي والحرم المكي في الجزائر العاصمة.

ويتسع المسجد لمائة وعشرين ألف مصلي وبلغت كلفة إنشائه 900 مليون دولار، رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها الجزائر، وكأن القادة العسكريين يقومون بتقوية التيار الإسلامي، لأنه مبرر استمرارهم في الحكم.



وتشير أحكام البراءة الأخيرة إلى أن المؤسسة العسكرية تشعر بأنها قد نجحت في احتواء حالة الاستياء الشعبي، ولكن هذا الاستنتاج يبدو متسرّعا وسابقا لأوانه، لأن ظروف العزل التي فرضها وباء كورونا هي التي كان لها الدور الرئيسي في إيقاف الاحتجاجات، ومن المبكر على قادة الجيش الشعور بالراحة والنصر وإطلاق سراح القادة العسكريين واعتقال الناشطين المدنيين والعودة إلى الاستهتار بالرأي العام، فالشعب الجزائري اكتسب خبرة من حراك العام الماضي ومن المستبعد قبوله بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل 2019.



كما أنه من مصلحة المؤسسة العسكرية إشراك الشعب في إتخاذ القرارات المصيرية الصعبة، التي ستضطر لاتخاذها في المرحلة المقبلة نتيجة الأزمات العميقة التي تعاني منها الجزائر حاليا، خاصة على مستوى الاقتصاد، الذي يمر بأسوأ أزمة في تاريخه نتيجة تراكم الفساد وهبوط أسعار النفط والغاز الذي تعتمد عليه ميزانية الجزائر بنسبة 97 في المائة، والذي دفع الحكومة لسياسة تقشفية وخفض الإنفاق العام وتجميد المشاريع الكبرى.

ولكن كل ذلك لن يكون كافيا، وأول الحلول المطروحة أمام الجزائر لتجنب الانهيار والإفلاس هو تشجيع الاستثمارات الأجنبية، ورغم أن ذلك يتطلب وجود استقرار سياسي، لكنه يتطلب أيضا وجود مؤسسات دولة حقيقية وشفافة وإعلام حر وقضاء مستقل يستطيع مكافحة الفساد وهذه الشروط ليس بإمكان أنظمة الحكم العسكري تأمينها.



ثم إذا كانت المؤسسة العسكرية مصرّة على الاستمرار في حكم الجزائر، أليس المفروض أن تكون لديها الشجاعة للإعلان صراحة عمن يدير أمور هذا البلد؟ وبالتالي يتحمل مسؤولية القرارات التي يتم اتخاذها، هل هو رئيس الأركان بمفرده؟ أم أن هناك مجلسا عسكريا مصغّرا؟ أم أن قضايا هذا البلد المحوري الكبير تدار خلال مآدب عشاء أسبوعية يشترك فيها قادة الأسلحة ورؤساء المخابرات الحاليون والمتقاعدون، فمن حق الجزائريين أن يعرفوا؟.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.