مرت في الرابع عشر من يناير الجاري الذكرى السابعة لرحيل الباحث والمفكر الأردني شاكر النابلسي الذي أثرى الساحة الفكرية بعشرات المؤلفات والمئات من المقالات التي تتناول قضايا الإصلاح الفكري والسياسي والاجتماعي في العالمين العربي والإسلامي.
تعرف كاتب هذه السطور على النابلسي عام 2005 بمدينة دينفر، ولاية كلورادو الأميركية، ودارت بينهما نقاشات معمقة كان طابعها الاتفاق والاختلاف حول قضايا الفكر الإسلامي والحداثة والليبرالية والتنظيمات الراديكالية. وقد تميز المفكر الراحل بالأفق الواسع والإحاطة الكبيرة بالمواضيع التي يتناولها في الكتابة أو الحوارات.
ولا زلت أحتفظ بوقائع جلسة حوارية ضمتنا، إلى جانب عدد من الأخوة بمدينة دينفر في أغسطس 2005، حيث تم طرح العديد من الموضوعات الفكرية المتعلقة بالواقع العربي، وأفاض النابلسي في الإجابة على الأسئلة التي طرحتها عليه قبل أن يتداخل الحضور لإثراء النقاش، وقد اخترت أن أعرض في ذكرى رحيله إجابته على سؤالين طرحتهما عليه في تلك الجلسة.
سؤال: مسيرة التنوير التي بدأت في القرن التاسع عشر مع الطهطاوى وقاسم أمين واستمرت مع علي عبد الرازق وطه حسين حتى وصلت إلي محمود محمد طه ونصر أبوزيد ومحمود إسماعيل والعفيف الأخضر وشاكر النابلسى وخليل عبد الكريم وغيرهم من المفكرين.. ما هى ملامحها وإلى أين وصلت؟
وجاءت إجابته على النحو الآتي: "يبدو لي أن هذا هو أهم سؤال في هذه الجلسة، وهو في رأيي سؤال يلخص إشكاليتنا الأساسية في العالم العربي، وهي لماذا لم تتم المصالحة بين الحداثة والأصالة؟
وهو سؤال يدور الآن في الوطن العربي وكان يدور منذ أيام طه حسين وكتابه القنبلة "في الشعر الجاهلي".
هناك أسباب كثيرة لعدم إتمام المصالحة بين الحداثة والأصالة. السبب الأول هو غياب فاعل الحداثة التأريخي وأعني به البرجوازية الحديثة، الطبقة الوسطى في العالم العربي غير موجودة إلى الآن حقيقة، وإذا كانت موجودة في بعض البلدان العربية فهي ضعيفة وغير فاعلة.
ثانيا، عدم وجود أرضية للحداثة في العالم العربي بمعنى أن الملكية الخاصة للأرض لم تدخل إلي دار الإسلام إلا بعد دخول الاستعمار إليها؛ فقد كان الخليفة هو المالك الوحيد للأرض ولم يك ملاكها الفعليون إلا مجرد متصرفين ينتفعون بها مؤقتا، في ظل خوف دائم من مصادرتها.
ثالثا، هناك عامل نفسي، وهو في واقع الأمر عائق نفسي، يتمثل في التشبث العصابي بالماضي التليد، فنحن شعب الماضي ولا يوجد شعب علي وجه الأرض الآن يتغني بالماضي التليد كالشعب العربي، وربما يكون ذلك بسبب ماضينا العظيم وهذا شيء حقيقي لأننا جئنا بحضارة ودين ورسالة هامة للبشرية غيرت وجه الأرض والتاريخ، لكن يجب ألا نرتهن كلية لهذا الماضي، ويجب كذلك أن نستفيد من تجارب الأمم الأخرى فيما يتعلق بالحياة المدنية المعاصرة ولا ننغلق علي أنفسنا.
نحن نمجد الماضي لأن حاضرنا بائس إذ نعاني من الانهزام النفسي والحضاري ومن التدهور الاقتصادي والاجتماعي
رابعا، لجوء الوعي الإسلامي التقليدي إلي التعزي بالماضي التليد عن الحاضر التعيس. نحن نمجد الماضي لأن حاضرنا بائس إذ نعاني من الانهزام النفسي والحضاري ومن التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ولهذا نلجأ إلى هذه العملية الإسقاطية أو التعويضية لنعزي أنفسنا.
خامسا، الأصولية الشعبوية التي تقيم مناحة يومية علي الهوية الدينية، فنحن مشغولون بالهوية القومية والدينية للدرجة التي قادتنا إلى التعصب ضد الآخر. هذه هي الأسباب التي أدت إلى عدم المصالحة بين الحداثة والأصالة، وهي الأسباب التي أدركتها اليابان وعالجتها لتتم المصالحة المنشودة، فاليابان لم تستطع أن تطبق الحداثة السياسية والاجتماعية إلا عندما فصلت بين الماضي والحاضر ولليابانيين تاريخ مجيد أيضا، لكنهم استطاعوا أن يتخطوا هذه العقدة التي ما زلنا نعاني منها حتي الآن، وهي عقدة الهوية الدينية والقومية".
سؤال: تبدو الظاهرة الإسلامية السلفية التى ترجع جذورها إلى الإمام أحمد بن حنبل ثم ابن تيمية من بعده مرورا بمحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا ووصولا إلى أبو الأعلى المودودى وسيد قطب وحسن الترابى هى المسيطرة علي المشهد الفكري الإسلامى في حين تم قمع تيارات فكرية أخري علي رأسها تيار الاعتزال حيث أضحي هذا التيار وفكره ورموزه في العالم الإسلامي مرادفا للزندقة والكفر. ما هو دور السلطة في تغييب هذا التيار العقلاني الأهم في الفكر الإسلامي؟
وقد جاءت الإجابة كالتالي: "دور السلطة كان دورا كبيرا في تغييب العقلانية الإسلامية والقومية، لأن مصلحة السلطة كانت على الدوام مع الفكر التبعي غير العقلاني، وكما هو معلوم فإن المؤسسات الدينية التي كانت وما زالت تقود الفكر الديني دائما أو في أغلب الأحيان إلى جانب الحكام.
المؤسسات الدينية التي كانت وما زالت تقود الفكر الديني دائما أو في أغلب الأحيان إلى جانب الحكام
تصوروا معي المشهد العربي الآن وفي التاريخ القريب، من هي الجهة التي تقف إلى جانب الحكام وتسندهم بالفتاوى والمبررات الدينية؟ في مصر نجد الأزهر يلعب هذا الدور، في الأردن جبهة العمل الإسلامي، في السعودية والمغرب نجد أن المؤسسة الدينية هي التي تحمي النظام وهي المظلة الكبيرة للحكام، في السودان أيام النميري لعب الإخوان المسلمون بقيادة الترابي نفس الدور. من الذي حمى الملكية الدكتاتورية في مصر؟ الإخوان المسلمين هم الذين حاولوا بشتى الطرق بعد أن أسقط كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية عام 1924 أن يعيدوا الخلافة الإسلامية، وأقنعوا بها فؤاد الأول الذي جمع شيوخ الأزهرالذين نادوا بطريقة غير مباشرة بخلافة فؤاد الأول، مما اضطر الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الشهير "الإسلام وأصول الحكم" الذي صدرفي العام 1925 إلى أن يقول إنه لا توجد دولة في الإسلام، وهو شيخ أزهري أبا عن جد، وقد طُرد من الأزهر ومن سلك القضاء وصودر كتابه وحوكم. إذا فهى حقيقة أن المؤسسة الدينية لعبت الدور الأهم والأكبر في تغييب العقلانية".

