الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن

أن يجلس المرء في منزله في بيروت ويشاهد عبر التلفزيون طقس تنصيب رئيس جديد لأميركا، فهو لن يستطيع طرد أشباح الحكام في الشرق الأوسط ممن تم تنصيبهم وفق منطق مختلف عن منطق التنصيب الأميركي.

فأميركا لم تكن بالأمس تحتفل برئيس جديد بقدر ما كانت تحتفل بنفسها، هي التي دأبت كل أربع سنوات على انتخاب رئيس جديد. الديمقراطية تقدمت على هموم المحتفلين، على رغم الانتكاسة التي رافقت الانتخابات، لا بل أن المحتفلين أصروا على تقديمها على أي اعتبار آخر بسبب هذه الانتكاسة التي أحدثها الرعاع في مبنى الكابيتول.

والحال أن أشباح حكام الشرق الأوسط سينغصون على المرء الانتعاشة التي تنتابه في لحظة انتصار الديمقراطية هذه. نعم انصرف دونالد ترامب وما زال بشار الأسد في منصبه، انصرف وها هو حليفه محمد بن سلمان يستعد لأن يصير ملكاً، وانصرف رئيس أميركا، وعبد الفتاح السيسي افتتح زمناً مصرياً باسمه لن ينافسه فيه أحد لعقود طويلة. كيف يمكن للمرء من بيروت أن يطرد هذه الأشباح في لحظة احتفال أميركا بالديمقراطية. كيف له أن لا يشعر بالخيبة والعجز، وأن يخلص إلى أن عقوداً طويلة تفصلنا عن مشهد من هذا النوع، وليس بحراً أو محيطاً أو قارة.

لكن هذا الشعور يتكثف ويأخذك إلى مناطق أخرى في وعينا البائس. ففي الأيام التي سبقت التنصيب شهدت بلادنا احتفالاً بالانتكاسة الأميركية، وتوقعات بنهاية الديمقراطية كنموذج لتداول السلطة. والحال أن الوعي الشقي الذي صدرت عنه هذه الغبطة بالرعاع الذين اقتحموا الكابيتول، إنما هو نفسه الذي أسس للاستبداد ولمنطق أن الرئيس يورث ابنه والملك له البلد بمن فيه، وأن تداول السلطة هو فعل من عمل الشيطان.

أميركا التي كانت بالأمس تحتفل بديمقراطيتها بغصة وألم كانا باديان على وجوه الحضور كانت بالأمس ضعيفة وخائفة، ليس لأن "جبروتها" اهتز على ما يطنب قومجيونا، بل لأن الديمقراطية هشة أصلاً وتحتاج إلى مواصلة تصويبها، ولأن أهلها غير منشغلين ببناء عضلات بل ببناء حياة أفضل.

هذا ما يتبادر إليك حين تشرع من بيروت بالتفكير بالمشهد في واشنطن. بيروت هي المكان الذي يتكثف فيه المشرق، بيروت حيث يبسط بشار الأسد نفوذاً، وحيث يقرر بن سلمان وقف تمويل الطائفة السنية، وحيث للولي الفقيه الإيراني نفوذ لا يفوقه نفوذ.

هؤلاء هم الأشباح التي تهوم فوق رأسك أثناء غبطتك الأميركيين على ضعفهم في لحظة نجاحهم في تجاوز الانتكاسة. المحتفلون كانت وجوههم تفيض حباً لأميركا واعتزازاً بقدرتها على التعامل مع العثرة. لم يكونوا في لحظة انتصارٍ على خصم، ولا في لحظة تشفٍ بمشهد مغادرته البيت الأبيض، على رغم أن الاحتقان الذي سبق التنصيب أسس لأمزجة انتقامية.

السلطة هنا تنصهر بوجدان لا يشبهها لجهة أنها صاحبة الحق بممارسة العنف. السلطة تصير الليدي غاغا وجنيفر لوبيز، ويختفي وجه الرئيس المنتخب والرئيس المنصرف. كم يبدو هذا المشهد بعيداً وغير واقعي إذا ما التقطه المرء من الشرق الأوسط. البكاء هنا تستدعيه أسباب أخرى غير تلك دفعت الأميركيين إلى البكاء في ذلك اليوم.

البكاء على عجزنا عن المباشرة بتجربتنا وعلى فشلنا في أن نحتفل بإنجاز صلب وعلى نجاح الأشرار في مواصلة حكمنا. بشار الأسد حكم حتى الآن فترة زمنية تساوي الفترة التي حكم فيها ستة رؤساء أميركيين، وقبله والده حكم سبعة فترات. بن سلمان مرشح لأن يحكم عشرة فترات، والأفق أمام السيسي مفتوح. والغريب والمفجع أن هؤلاء سارعوا لتهنئة أميركا على تجاوزها عثرتها وعلى نجاحها في تداول السلطة. لكن ماذا عنكم يا سادة ويا ملوك؟ متى سنهنىء أنفسنا على تجاوزكم؟

والحال أن أميركا التي لا نحبها، والتي لا تعيش أحسن أيامها، لا نملك تحفظاً واحداً على علاقتها بنفسها وعلى حبها لتجربتها، ونحن إذ نختلف على علاقتنا بها، لم نشعر يوماً بوجوب التفكير بعلاقتنا بأنفسنا انطلاقاً من انسجام أميركا مع نفسها. لا بل أننا آلينا على أنفسنا أن نحتفل بالانتكاسة الأميركية عساها تكون مقدمة لتشريع السوء الذي نحن فيه. "انظروا إلى الفشل هناك"، هذا ما تبادر لقومجيونا أن يقولوه في لحظة اقتحام الكابيتول، ثم عادوا وأشاحوا بوجوههم عن الشاشة بالأمس، فمشهد الأمس عينة عن فشلهم، لكنه للأسف عينة عن فشلنا أيضاً. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.