A Morocco supporter holds a sign reading in Arabic "Freedom for the ultras" as others cheer during the 2017 Africa Cup of…
مجموعات الإلتراس تحولت إلى فاعل اجتماعي وسياسي حقيقي

انتشرت صورهم عبر وسائل التواصل في المغرب: يتبرعون بالدم في العديد من المراكز المتخصصة؛ يجمعون الأغطية والملابس الدافئة ليعيدوا توزيعها في المناطق النائية لدعم الأسر والأطفال في مواجهة موجة البرد القارس والثلوج التي يعرفها المغرب منذ بضعة أسابيع؛ يشجعون التلاميذ والطلبة، عبر حملات موسمية خلال كل دخول مدرسي، على متابعة دراستهم وعدم التخلي عنها؛ وغيرها من الأنشطة.

من يكون هؤلاء؟ إنهم مجموعات "الألتراس" (Ultras) الخاصة بأهم الفرق المحلية لكرة القدم: الرجاء البيضاوي، الوداد البيضاوي، أولمبيك خريبكة، المغرب الفاسي، النادي القنيطري، اتحاد طنجة، وغيرهم. 

صور تترجم الوجه الثاني لمجموعات الألتراس. تبعث على الفرحة والتعاطف... والكثير من الأمل.

في المغرب، وربما في بلدان أخرى من المنطقة، حين نتحدث عن مجموعات "الألتراس"، فنحن نربطها عادة بأعمال الشغب والتخريب... أو في أحسن الأحوال، بدعم فريقهم المفضل بالشعارات والأغاني والملصقات. لكن الذي لا يدركه الكثيرون، أن هذه المجموعات تحولت اليوم لفاعل اجتماعي وسياسي حقيقي، يؤطر، يدعم، ينظم ويشجع على مبادرات إيجابية. 

على سبيل المثال، في الوقت الذي كانت فيه أغلب مراكز التبرع بالدم تعبر عن قلق حقيقي بسبب الخصاص في مخزونها، كانت المبادرات التي قامت بها مجموعات الألتراس للرجاء والوداد وأولمبيك خريبكة والنادي القنيطري والمغرب الفاسي جد إيجابية، بحيث مكن بعضها من تسجيل أرقام قياسية في التبرع بالدم، مما سيمكن حتما من إنقاذ حياة الآلاف من المرضى... بل أكثر من ذلك، مبادرات إيجابية كهذه تشكل حافزا لمختلف الشباب المشجعين للفريق المعني، حتى أولئك الذين لا ينتمون لمجموعات الألتراس.

هذا النَّفَس الإيجابي نجده أيضا في مبادرة دعم سكان الجبال والمناطق النائية بالأغطية والملابس الدافئة، حيث استطاعت المبادرة أن تحقق آثارا إيجابية على الساكنة المستفيدة، لكن أيضا لدى باقي مكونات المشجعين التي ينخرط بعضها في هذا الوعي المجتمعي.

هذه المبادرات يفترض أن تدفعنا لإعادة النظر في تصورنا لمشجعي كرة القدم... لكن أيضا لأشكال الوعي والانخراط السياسي التي تترجمها هذه المبادرات. 

لكي نعترف بوعيهم السياسي والاجتماعي، هل يجب بالضرورة أن ينخرط شباب اليوم في التنظيمات الحزبية والجمعوية التقليدية، التي ربما "لا تشبههم" ولا تشبه تطلعاتهم ولا رؤيتهم للأمور؟

هل ما نعيشه اليوم هو "نفور" للشباب من السياسة، أم أنه في الواقع عجز من التنظيمات التقليدية عن استيعاب احتياجات وتطلعات الشباب اليوم، والتي تعبر عنها مجموعات "الألتراس" بشكل أفضل؟

ألم تصبح بعض شعارات ألتراس فريقي الرجاء والوداد في المغرب مثلا، شعارات يتغنى بها الشباب على مواقع التواصل وفي احتجاجاتهم؟ ألم تتحول أغنية "في بلادي ظلموني" لألتراس الرجاء لنشيد شبابي احتجاجي ليس فقط في المغرب بل في عدد من دول المنطقة؟ 

ألم تعبر أغنية "ولد الشعب يغني" لألتراس اتحاد طنجة أو أغنية "Outro Irreversible" لألتراس النادي القنيطري وأغان أخرى لمجموعات ألتراس مختلفة، عن مواقف سياسية ملتزمة، واضحة وجريئة؟

بل أن الفرجة اليوم، خلال مباريات كرة القدم في المغرب، أصبحت تتجاوز الملاعب لتصل المدرجات عبر أشكال من "التيفو" التي تتجاوز الكرة بكثير لتترجم وعيا سياسيا كبيرا. 

منذ بضعة أشهر، على سبيل المثال، رفعت ألتراس الرجاء شعار Room101. في الغد، كان الجميع على منصات التواصل يتحدث عن رواية 1984 لكاتبها جورج أورويل وعن القمع السياسي.

فهل نستطيع، أمام هذه التعبيرات السياسية وأشكال التضامن المجتمعي، أن نستمر في اعتبار مجموعات الألتراس مجرد صدى للشغب والفوضى في الملاعب؟ أم أن علينا أن نقتنع أخيرا أن تعبيرات هذه المجموعات تجاوزت التشجيع الكروي الرياضي لفريقهم، لتصبح صوتا يعبر عن الشباب المغربي اليوم (ولعله نفس الواقع في بلدان أخرى من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، عن همومه وإحساسه بالظلم والتهميش.

لذلك، فلعل التنظيمات التقليدية اليوم هي من تحتاج لمساءلة نفسها وتنظيماتها، إن هي أرادت أن تستقطب اهتمام الشباب وانخراطه. الأخير ليس عازفا، بل أنه حاضر في مختلف التظاهرات الاجتماعية والسياسية... لكن بطريقته... وبأسلوبه!

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.