53 بالمئة أيدو عدم عودة ترامب إلى البيت الأبيض
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب

تجربة السنوات الأربع التي قضاها ترامب في البيت الأبيض بينت لنا كيف يمكن أن تتحول بعض الشعارات أحيانا إلى عكسها تماما، حين يكون الهدف من إطلاقها هو فقط التوظيف السياسي. 

الشعار الذي رفعه ترامب طوال فترة رئاسته هو "لنجعل أميركا عظيمة مجددا"، كما لو أن أميركا كفت عن أن تكون عظيمة قبل مجيئه، أو أنها لن تكون عظيمة إذا غادر منصبه، أو أنه هو الوحيد دون سواه القادر على أن يجعلها عظيمة، في حال افترضنا أنها لم تكن كذلك! 

لكن النتائج التي حصدناها هي أبعد ما تكون عن العظمة، فلم يتمكن ترامب من أن يظهر للأميركيين أو العالم أي جانب من عظمة أميركا، بل هو ساهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في أن نشاهد جميعا فصولا لا تمت للعظمة بصلة.   

على المستوى الداخلي، أشاع ترامب الانقسامات المجتمعية على نحو لم يسبق لأحد من قبل أن فعله. هو لم يخلق هذه الانقسامات بالطبع، فالاستقطاب السياسي الحاد في البلاد كان موجودا قبل ترامب، لكنه نقل هذه الانقسامات إلى مستوى متقدم وغير مسبوق، عبر إعطائها طابعا أيديولوجيا وأحيانا تغليفها بالسخرية والتهكم على هذه الفئة المجتمعية أو تلك. وهو استثمر كثيرا في نظريات المؤامرة وتقسيم الأميركيين إلى مؤيدين وموالين ومن هم ليسوا كذلك. 

وهو أساء التقدير في التعامل مع أزمة كورونا، تحت نفس تلك النظريات، ما تسبب في فقدان عشرات الآلاف من الأرواح، التي كان يمكن إنقاذها.  

كما سعى إلى الاستحواذ على الحزب الجمهوري، وربطه به هو شخصيا وليس بالقضايا والسياسات المحافظة التي ميزت الجمهوريين. 

وكان اعتراضه على نتائج الانتخابات الرئاسية وإصراره على أنها سرقت منه، رغم تأكيد وإجماع المسؤولين الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات على نزاهة وسلامة هذه الانتخابات، خاليا من أية عظمة!

أما العمل الذي جعل الآباء المؤسسين للبلاد يتقلبون في قبورهم، فكان الهجوم الذي قاده أنصار ترامب على مبنى الكونغرس بهدف احتلاله وقتل أو خطف أعضاء في المؤسسة التشريعية، بهدف وقف عملية التصديق على نتائج الانتخابات. 

هذا الهجوم الذي يشكل نقطة سوداء في التاريخ الأميركي الحديث، سوف يترك أثارا بعضها سلبي وبعضها إيجابي. السلبي منها معروف، أما الإيجابي فهو أن الولايات المتحدة لأول مرة تأخذ مسألة الإرهاب الداخلي على محمل الجد، ولأول مرة تدرك المخاطر التي يشكلها العنصريون وأصحاب نظريات التفوق العرقي على الدولة الأميركية.   

وأخيرا وليس آخرا كسر ترامب تقليدا أميركيا عظيما بقراره عدم حضور حفل تنصيب الرئيس الجديد جو بايدن، وهو التقليد المتبع منذ 150 عاما في البلاد، وفيه يحرص الرؤساء السابقون على حضور هذا الحفل بهدف إظهار وقوفهم ومساندتهم للرئيس الجديد للبلاد وهو يتولى أرفع المهام وأكثرها جسامة.   

هذا على المستوى الداخلي، أما خارجيا، فقد أصبحت الولايات المتحدة مادة للسخرية وباتت الدول تتندر على النظام الديمقراطي والتجربة الأميركية في الحكم. بل أن بعض الأنظمة الديكتاتورية وجدت فرصة لتبرير ما تقوم به من أعمال قمع واضطهاد انطلاقا مما يجري في الولايات المتحدة. وهناك من تبرع بإعطاء أميركا دروسا في كيفية إجراء عملية الانتقال السلمي للسلطة. فهل هذا جعل أميركا عظيمة من جديد؟

بالطبع هذه الانتقادات لن تحل مشاكل تلك الأنظمة الديكتاتورية أو تجعلها أفضل، فهي مجرد فسحة من الزمن سمح لها خلالها ترامب بأن تأخذ نفسا عميقا، لكن الديمقراطية الأميركية سرعان ما ردت على هؤلاء أولا بإصرار الأميركيين على إزاحة ترامب من الرئاسة رغم كل محاولاته التشبث بها، وثانيا بالتصديق الرسمي على فوز جو بايدن وثالثا بأداء بايدن للقسم رئيسا جديدا للبلاد. 

والدرس من ذلك هو أن الرد على المشاكل التي تقع فيها الديمقراطية سواء في أميركا أو غيرها يجب أن يكون بالمزيد من الديمقراطية وليس التخلي عنها، وقد رأينا كيف أن انتهاك أحد مبادئها وهو رفض المرشح الخاسر الإقرار بهزيمته، كما في حالة ترامب، قد قاد إلى مشاكل لا تحمد عقباها.    

يبقى القول بأنه يصعب على أي إنسان أن يعدد الضربات التي تلقتها الولايات المتحدة طوال السنوات الأربع من عمر إدارة ترامب، ويصعب معها حساب حجم الأضرار التي لحقت بها على الصعيد العالمي، وخاصة حملة الانسحابات من اتفاقيات باريس للمناخ ومن المنظمات الدولية ومن الالتزام الأخلاقي بشؤون العالم.     

كل هذا لا ينفى أيضا أنه كانت لعهد ترامب بعض الإيجابيات سواء في الداخل الأميركي مثل الاقتصاد، وفي الخارج الأميركي مثل اتفاقيات السلام بين بعض الدول العربية وإسرائيل، لكن بالتأكيد ليس بين هذه ما يمكن أن يصنف على أنه قد جعل أميركا عظيمة من جديد. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!