داعشيون أعلنوا بيعتهم لخليفة التنظيم المتطرف في المغرب . أرشيفية
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل الانتظار حتى حدوث العمليات الإرهابية، هو وسيلة فعالة لمواجهت الإرهاب؟

قد لا يختلف كثيرون على تعريف الإرهاب، وهو كما يراه عديد من الناس، قتل وتفجير وذبح المسالمين والأبرياء باسم الدين أو اسم أي أيدولوجية متطرفة أخرى.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل الانتظار حتى حدوث العمليات الإرهابية، هو وسيلة فعالة لمواجهت الإرهاب أم أن التصدي للإرهاب وهو في مرحلة التطرف الفكري التي تسبقه في أغلب الأحوال هو أفضل الطرق لمواجهته قبل حدوثه؟  

إن إدراك وجود تطرف فكري وديني قد يساعدنا على تفادي وضع شخص متطرف في موقع حساس وخطير داخل بلادنا أوالدول التي نعيش فيها

وأضعها بلغة طبية بسيطة، حيث أنني في الأساس طبيب بشري- هل الوقاية من المرض أفضل أم انتظار حدوثه ثم محاولة معالجته!
 
وأظن أن الإجابة واضحة في ذهن كثيرين وبلا أي تردد!

وإدراك وجود تطرف فكري عند بعض الأطراف هو أمر في غاية الأهمية من عدة نواح. فإدراك وجود تطرف فكري وديني يوجه مواردنا بصورة أفضل لدعم "المعتدلين" بدلا من دعم متطرفين ظنا منا أنهم معتدلون!

وأيضا لنا أن نتصور لو أن شخصا متطرفا كان يعمل في مركز أبحاث فيروسات مثل فيروس كورونا. ألا يستطيع هذا المتطرف أن ينشر مرضا كارثيا في المجتمع الذي يعيش فيه؟

وبالإضافة إلى ذلك، فإن إدراك وجود تطرف فكري وديني قد يساعدنا على تفادي وضع شخص متطرف في موقع حساس وخطير داخل بلادنا أوالدول التي نعيش فيها.

ولنا أن نتصور مثلا أن شخصا متطرفا وصل إلى موقع حساس يمكنه من الوصول إلى معلومات عن أمور سرية في الدولة؛ فإن هذا المتطرف قد لا يتردد لحظة واحدة في إعطاء هذه المعلومات لإرهابيين أومنظمات إرهابية فيتم استخدام هذه المعلومات في احداث ضرر بالغ بالدولة.

وأيضا لنا أن نتصور لو أن شخصا متطرفا كان يعمل في مركز أبحاث فيروسات مثل فيروس كورونا. ألا يستطيع هذا المتطرف أن ينشر مرضا كارثيا في المجتمع الذي يعيش فيه لأنه يراه مجتمعا غير إسلامي يستحق الدمار والهلاك.

هل إباحة خطف النساء في الحروب واسترقاقهن واغتصابهن تحت دعوى أنهن "سبايا حرب" هو اعتدال أم تطرف بشع؟

فهل ننتظر أن يحدث شيئ مثل هذا أم نحاول أن نقتلع جذور التطرف قبل أن تخرج لنا إرهابا يقضي علينا؟

وهنا لنا وقفة للحظات لنسأل أي إنسان لديه عقل وضمير:

هل قبول قتل إنسان مسلم لأنه أراد أن يؤمن بدين آخر اعتدال أم تطرف؟
هل إباحة ضرب الزوجة هو درجة من درجات الاعتدال أم هو تطرف؟
هل رجم إنسانة حتى الموت وتكسير عظامها بالحجارة لأنها قامت بعلاقة عاطفية خارج إطار الزواج الشرعي هو اعتدال أم تطرف؟
هل إباحة خطف النساء في الحروب واسترقاقهن واغتصابهن تحت دعوى أنهن "سبايا حرب" هو اعتدال أم تطرف بشع؟
هل اعتبار اليهود قردة وخنازير اعتدال أم تطرف؟
هل إعلان الحرب على الآخرين، وتخييرهم بين الإسلام أو الجزية أو القتل هو اعتدال أم تطرف؟
هل اعتبار أن نفس المسلم أعلى قيمة من نفس المسيحي أو اليهودي أو الهندوسي هو اعتدال أم تطرف؟
هل قتل إنسان لأنه يرفض الصلاة أو الصيام أو الحج هو اعتدال أم تطرف؟
هل تكفير المجتمع والمخالفين في الفكر وإباحة قتل الكافر واستحلال دمه هو اعتدال أم تطرف؟
هل إرغام وإكراه الناس على أداء شعائر الدين – كما يراها البعض- هو اعتدال أم تطرف؟

هل منع بناء كنائس أودور عبادة لغير المسلمين في نفس الوقت الذي يسمح فيه الغرب لنا ببناء مساجد في دولهم هو اعتدال أم تطرف؟

وهل ياترى المطالبة بسجن فنانة لأنها لبست فستانا قصيرا أو مثيرا في وقت تبيح فيه كتبنا الدينية وفقه الأئمة ببيع النساء شبه عاريات في الأسواق كسبايا حرب باسم "الشريعة الغراء" هو اعتدال أم تطرف؟

وهل...وهل...وهل....ولا أدري أين أوقف ما أكتب عن هذا الأمر!
وأترك هنا للقارئ الرد على كل هذه التساؤلات!

فهل آن لنا أن نضع تعريفا لكلمة "التطرف"؟

وللحديث بقية!

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.