35 قتيلا و78 جريحا حصيلة تفجيري ساحة الطيران ببغداد
جريمة ساحة الطيران رسالة سياسية في الزمان والمكان

من وجهة نظر أمنية لا يمكن لأجهزة الدولة العسكرية والأمنية تحقيق الإستقرار دون ربطه بالسياسة. فالاستقرار السياسي أحد أهم شروط الاستقرار الأمني، وربط الأمن بالسياسة والاقتصاد أيضا يعزز فرص فرض الاستقرار والسلامة في الدولة التي تعيش مرحلة انتقالية أو خارجة من عنف داخلي أو حرب أهلية، تفرض على أطراف التسوية توافقات أمنية لضمان سلامة العملية السياسية. لكن المحاذير من هذا التوافق أن يدار الأمن بالتوافق، فيصاب بداء الفشل الذي أصاب كافة الديموقراطيات التوافقية التي تحاصصت الدولة من الحاجب إلى الوزير.

مما لا شك فيه أن تدخل السياسة بعمل الأجهزة الأمنية يحولها إلى بوليسي سياسي تستخدمه الدولة المركزية الاستبدادية في قمع المعارضة وخنق الحريات، أما في الحكومات التعددية التوافقية المركبة على أسس إثنية أو طائفية، فإن الأجهزة تتحول إلى أدوات حزبية وطائفية أو عرقية ويفرض عليها التعامل مع القضايا الأمنية بمنطق المصالح والانتماء الخاص المرتبط بالمحاصصة وهذا ما جرى في العراق منذ 17 سنة.

من دفع بالمستهدِف واختار المستهدَف وحدد المكان، في جريمة ساحة الطيران، هدفه عودة العراق والعراقيين إلى التمترس الطائفي، وإعادة تعويم خطاب الكراهية والتحريض

من هنا فإن قرار رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي الإطاحة بعدد من المسؤولين الأمنيين بعد الهجوم الإرهابي الذي يحمل بصمات تنظيم داعش، ومطالبته القوى السياسية بعدم ممارسة الضغوط والتدخل في عملية اختيار البدائل، هي خطوة أولى نحو فصل الأمن عن السياسة والمحاصصة، ومحاولة لتحرير عمل الأجهزة الأمنية من القيود التي تفرضها القوى المتنفذة داخلها. فالقرار لا يعني عدم أهلية من تم استبدالهم، أو اتهامهم وحدهم بالتقصير، بل إن ما حدث هو مسؤولية جماعية تتحملها الطبقة السياسية كافة، والرئاسات الثلاثة والقضاء إذا لم يبادروا إلى المحاسبة وتحمل المسؤولية المباشرة.

جريمة ساحة الطيران رسالة سياسية في الزمان والمكان. فهي ضربت قلب العاصمة العراقية بغداد في الناحية الأكثر فقرا ومعاناة. فمن دفع بالمستهدِف واختار المستهدَف وحدد المكان هدفه عودة العراق والعراقيين إلى التمترس الطائفي، وإعادة تعويم خطاب الكراهية والتحريض، وهذا ما أشار إليه الصحفي العراقي زياد تركي في تغريدته بقوله "خطاب الكراهية والتأجيج الطائفي تشبه أي عملية إرهابية، فهي من جسد واحد ومن ذات الروح"، وهذا يشير إلى قلق في الفضاء العام العراقي من إعادة إنتاج الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة التي التف حولها العراقييون في حربهم ضد تنظيم داعش الإرهابي، وعمدتها انتفاضة تشرين في مواجهة طبقة سياسية فشلت منذ 2003 في إدارة الدولة والثروة.

الفاعل الإرهابي حدد زمانه بعناية، فهو يريد الإعلان عن بداية نهاية الاستقرار السياسي والأمني في العراق، وحدد هذا الإعلان في الليلة الأولى من دخول الرئيس الأميركي الجديد للبيت الأبيض، وهذا ما يمكن اعتباره تخادما مقصودا  منحته جهات تستخدم الإرهاب في التعبير عن موقفها السياسي لجهات تبرر حضورها وشرعيتها بأنها تحاربه. فالفاعل المحرك لأدواته الإرهابية الذي يريد إيقاع الجميع بفخه، قرر لفت نظر المقيم الجديد في البيت الأبيض مبكرا إلى المنطقة وشؤونها، والتلويح بورقة الإرهاب الذي سيعيد إشعال صراعات القوى المحلية والخارجية، لذلك اختار الزمان والمكان الأكثر تأثيرا على واشنطن.

مما لا شك فيه أن البعض يرى في جريمة ساحة الطيران في بغداد فرصة لإسكات شباب تشرين سياسيا وإخراجهم من المنافسة تحت ذريعة ألا صوت يعلو فوق صوت المعركة

بعيدا عن الفضاء الافتراضي الذي استغلته الأصوات الراديكالية التي وجدت في جريمة ساحة الطيران فرصة في العودة إلى تموضعات قديمة تعينها على استعادة مكانتها وتعويض خسارتها الشعبية بعد اللكمات التي سددتها انتفاضة تشرين ضد دعاة الخطاب الطائفي الذين سيستغلون هذا الحادث، وما قد يليه في معركتهم الإنتخابية المقبلة بوجه خطاب تشرين الجامع، فمما لا شك فيه أن البعض يرى في هذا الحادث فرصة لإسكات شباب تشرين سياسيا وإخراجهم من المنافسة تحت ذريعة ألا صوت يعلو فوق صوت المعركة. 

المساحات التي يستغلها الإرهاب في التجنيد والترهيب واسعة، من أبرزها  فشل الحكومات المتعاقبة في معالجة جدية لقضايا إعادة إعمار المناطق المدمرة وإعادة النازحين إلى مناطقهم وتسليم الملفات الأمنية في هذه المناطق إلى وزارتي الداخلية والدفاع، إضافة إلى السجون المليئة بعشرات آلاف الموقوفين على ذمة التحقيق دون محاكمات حتى الآن.

الحل في العراق ليس أمنيا فقط، والكاظمي ومعه الحكومي والأمني ليس أمامهم الا خوض معركة سياسية وقضائية إلى جانب الأمنية التي بدأت بتغييرات القيادة الأمنية من أجل انتزاع التنازلات من القوى السياسية التي تعطل الحلول، لكنها فعليا تعطل الدولة واستعادة هيبتها من البوعيثه إلى ساحة الطيران.
 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.