في الوقت الذي يساق فيه إلى السجون مدافعون عن حقوق الإنسان يترك ناهبو المال العام والفاسدون أحرارا طلقاء
في الوقت الذي يساق فيه إلى السجون مدافعون عن حقوق الإنسان يترك ناهبو المال العام والفاسدون أحرارا طلقاء

لعل البيض أكثر المواد الغذائية ارتباطا بالسياسة بعد الخبز. غالبا ما حملت ثورات شعبية اسم "ثورة الخبز". أما البيض فسلاح للساخطين يرشقون به المسؤولين الفاسدين. لكن استخدامه، في المغرب مثلا، اقتصر على المحتفلين بذكرى عاشوراء، إذ أضافوا إلى تسليتهم برش الماء، التراشق بالبيض أيضا.

في خضم الجدل القائم في المغرب حول قضايا مختلفة، على رأسها تأخر حملة التطعيم ضد كوفيد 19، وبعد خفوت حدة الغضب الذي خلفه غرق الدار البيضاء بسبب الأمطار، وتسليط معظم الغضب صوب حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) المسير للمدينة. بعد كل هذه التداعيات والصخب، تحول الرأي العام المغربي إلى الانشغال بواقعة جديدة، تمثلت في قضية سرقة مثيرة، لا صلة لها بالسطو على البنوك أو نهب صناديق المال العام. كما لا تنتسب لسرقات العصر، التي تشمل سرقة الأفكار والمعلومات والسطو على الحقوق الأدبية وباقي السرقات اللامادية. لكنها سرقة تحمل أركان السرقة المتعارف عليها قانونيا. ربما كان على اللغويين والقانونيين إيجاد توصيف لغوي وتكييف قانوني خاص بالسرقة بسبب الجوع. رغم أن السرقة تظل فعلا مكروها وجريمة حرمتها الأديان السماوية وعقابها في القرآن أشد بقطع يد السارق والسارقة. 

لذلك فإن سرقة الخبز لسد الجوع، لم تبدأ مع "جان ڤالجان" في فرنسا القرن 19، فما دام هناك فقر يوجد "البؤساء"، وستتكرر هذه "الجريمة"، حيث تغيب أدنى شروط العيش.

 

سارقة البيض

 

السرقة التي نحن بصددها تتصل بالفقر أيضا، وقد انتشرت تفاصيلها على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب كالهشيم في النار، لتتصدر أخبار الأحداث تحت عنوان عريض، يليق بعناوين الأعمال الدرامية: "سارقة البيض".

تعود حكاية "سارقة البيض" إلى الأسبوع الأول من 2021، عندما اعتقلت الشرطة بمدينة ابن جرير (73 كلم شمال مراكش)، إحدى العاملات بوحدة إنتاج للبيض، لتتم متابعتها بتهمة السرقة. ثم بلغت الإثارة ذروتها لما عُلم أن المسروق لا يتجاوز 16 بيضة. ما أدى بمنظمات المجتمع المدني والحركة الحقوقية إلى الدعوة إلى وضع حد لـ"المهزلة" بإطلاق سراح المتهمة. ولم تحل الأمطار دون تنظيم مسيرة احتجاج باتجاه معمل إنتاج البيض تضامنا مع العاملة المعتقلة. وزيادة في تراجيدية المشهد حمل المتظاهرون معهم كميات هائلة من البيض، تعبيرا عن هزء بالغ وسخرية مُرَّة من الاتهام.

كان رد صاحب المعمل، وهو من أثرياء المنطقة، توعد المحتجين برفع دعوى ضدهم أمام القضاء. في مقابلة صحفية أوضح المعني أنه يتعرض لحملة تهدف تشويه صورته من طرف خصومه السياسيين، إذ أن المعني نائب في البرلمان عن حزب "حزب الأصالة والمعاصرة".

في معرض دفاعه عن نفسه، قال عبد اللطيف الزعيم (هذا اسمه)، أنه رجل كريم ومحسن، يلتزم بقوانين العمل وبحقوق العمال، بل إنه يمنحهم شهريا ستين بيضة. ولأن الرقم في ملف اتهام العاملة لا يزيد عن 16 بيضة، فقد استدرك الزعيم وأعلن أن العاملة "سرقت 10800 بيضة!"

لكن مرارة الغضب وسيل السخرية لم يتوقف، ما جعل الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة المحامي عبد اللطيف وهبي وآخرين يتدخلون لحث الزعيم على التنازل عن متابعة "السارقة"، كما سعى رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران بدوره من أجل إنهاء المشكل. هكذا جرى إخلاء سبيل المتهمة ومتابعتها في حالة سراح. لكن القاضي بالمحكمة الابتدائية بمدينة ابن جرير، أدان المتهمة، يوم 13 يناير 2021، بـ"خيانة الأمانة في حق المشغّل "شركة بيض حنان وأديبة"، بشهر موقوف التنفيذ مع غرامة مالية تقدر بحوالي 13 دولار.

 

برلماني يحرق نفسه

 

أعادت قصة "سارقة البيض" إلى الواجهة حادثة تعد سابقة في تاريخ البرلمانات بالعالم، وهي قصة البرلماني الذي لم يتردد في التشبه بالتونسي البسيط محمد البوعزيزي مطلق شرارة "الربيع العربي". ففي صيف 2017، أقدم الثري عبد اللطيف الزعيم على إضرام النار في جسده، احتجاجاً ضد إصدار "المكتب الشريف للفوسفاط"، لقرار نزع ملكية الأرض التي يقيم عليها مزرعته، بغاية ضمها إلى "مشروع المدينة الخضراء" الذي يرعاه ابن المنطقة فؤاد علي الهمة مستشار الملك.

تم إنقاذ الزعيم ليعالج من حروق على مستوى أطرافه وبطنه، ثم انتهى مشكل نزع الملكية، بفضل موقعه كبرلماني ولانتسابه لـ"حزب القصر".

يومها وصفت منصات رقمية عبد اللطيف الزعيم بـ"الثعلب"، ورسمت الصحيفة الإلكترونية "الرحامنة سكوب" بورتريه للزعيم، جاء فيه: "يصفه أبناء الرحامنة بأكبر منتج للبيض بالمنطقة، بعد أن ظهر بصفته كمستثمر قادم من فاس نحو الرحامنة، وأحد الداعمين لحزب "الأصالة والمعاصرة". لم يسلم من هجوم خصومه السياسيين ومن اتهامات له بـ"الفساد الانتخابي"، وباستغلال العمال، وبالاستيلاء على "أراضي الجموع"، التي تعود ملكيتها لبسطاء سلبت منهم بالقوة".

لا يعتقد أن اعتقال ومحاكمة "سارقة البيض"، من شأنه تشجيع المواطن على استهلاك البيض، واتباع نصائح الزعيم بـ"أهمية البيض في التغذية والصحة"، التي يروجها بصفته قياديا في "الجمعية الوطنية لمنتجي بيض الاستهلاك في المغرب"، وفق فريدة شقرون (موظفة متقاعدة). وقد استبقت "واقعة السرقة" الاحتفال باليوم الوطني للبيض، المصادف في 15 يناير من كل سنة، بهدف "التحسيس بالقيمة الغذائية للبيض في تحقيق التوازن الغذائي، وتسليط الضوء على قطاع الاستثمارات في إنتاج البيض بالمملكة"، وفق تصريح قديم للزعيم.

رغم كون المغرب يحقق اكتفاء ذاتيا في إنتاج البيض ويصدر الفائض منه. فإن معدل استهلاكه لا يتجاوز 190 بيضة للفرد سنويا. وراكمت ظروف كورونا خسارات إضافية لقطاع إنتاج البيض في المغرب، بتأثيراتها على محلات صناعة وبيع الحلويات وقطاع المطاعم والمقاهي.

كما تنتشر بين المستهلكين اتهامات بالغش ضد تجار البيض، "بتحويلهم للبيض كغذاء طبيعي "بيو" ومتكامل إلى بيض مليء بالهرمونات والمضادات الحيوية، يسبب تناوله الإصابة بالسرطان وأمراض مزمنة"، حسب تصريحات مواطنين. كما زادت دعوات مقاطعة استهلاك البيض ومعاقبة منتجيه "الذين همهم الوحيد الاغتناء على حساب المستهلك". واتبع آخرون نصائح إذاعية يطلقها دكتور أخصائي في التغذية (محمد الفايد)، ينصح فيها بالتوجه إلى استهلاك البيض "البلدي" المحلي غير المصنع.

لكن الحقيقة ليست في تراجع استهلاك البيض وحده - كما يقول عضو من جمعية الدفاع عن المستهلكين- "بل تتعلق بأكثر المواد الغذائية، من جراء تدهور القدرة الشرائية لدى المواطنين بسبب ارتفاع الأسعار"، "إنهم يبيعون البيض بسعر أغلى من ثمنه ببلدان أوروبا". كما يؤكد.

شكلت واقعة "سرقة البيض" فرصة للأكاديميين والقانونيين للدعوة إلى مراجعة مفهوم الجرائم القانونية، خلال ندوة شهدتها بمراكش، لإطلاق حملة ترافعية وطنية تحت شعار: "عدم تجريم الجنح البسيطة بالمغرب"، ومن أجل إقرار بدائل نحو عدالة تصالحية، مؤكدين على ضرورة اعتماد المقاربة التصالحية للتخفيف من أعباء العدالة.

ودعا المشاركون إلى إعادة النظر في مفهوم الجريمة بالمغرب، لتجاوز أسباب فشل السياسة الجنائية، "لأن المؤسسة السجينة عجزت عن تحقيق برامج الإصلاح لذوي العقوبات القصيرة"، وفق دراسة علمية، تم الاستدلال بها في هذه الندوة.

ولفت المصدر ذاته إلى أن عدد المعتقلين في المغرب، بلغ سنة 2019، 86.384 معتقلا، حسب المرصد المغربي للسجون. كما بلغ متوسط معدل القدرة الاستيعابية للمؤسسات السجنية 160٪.

ومنذ مارس 2020 شرع المغرب في مكافحة وباء كوفيد-19، وتم سن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية لمواجهة تفشي فيروس كورونا. وصدر قرار "يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و1300 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين".

في هذا السياق الصحي تم توقيف ومحاكمة حوالي 91.623 شخصًا. وأغلب الأفعال المسجلة هي "عدم حمل الوثيقة الرسمية للتنقل الاستثنائي، وعدم ارتداء الكمامة الواقية، والتجمهر والعصيان والتحريض عليهما، ورفض الامتثال لقرار السلطات".

ما أدى إلى تفاقم وضعية السجون بالمغرب بتنامي ظاهرة الاكتظاظ. كما أن تشديد الإجراءات زاد من تخوف الحقوقيين في المغرب من حدوث انتكاسة في المكاسب التي تحققت في مجال الحريات والحقوق".

 

إضراب عن الطعام


يروي بعض السجناء السابقين حكايات عن البيض وسهولة إعداده، خصوصا مسلوقا يمكن تخزينه، وأن استهلاك البيض يكثر داخل السجون.

مؤخرا، خاض المعتقلون السياسيون في المغرب إضرابا رمزيا عن الطعام لمدة 48 ساعة (21 و 22  يناير 2021). حسب بيان عائلات معتقلي الحراك الشعبي بالريف: ناصر الزفزافي ونبيل احمجيق ومحمد جلول ومحمد حاكي وسمير إغيد وزكرياء أضهشور. المتواجدين بسجون: طنجة 2، وعائلات كل من الصحفي سليمان الريسوني والصحفي عمر الراضي بسجن عكاشة في الدار البيضاء والأستاذ الجامعي المعطي منجب بسجن الولجة بمدينة سلا المتاخمة للعاصمة. وذلك "احتجاجا على استمرار سياسة القبضة الأمنية في التعاطي مع الحق في التظاهر السلمي، وحرية الصحافة والرأي والتعبير، والحق في التنظيم".

وشددت العائلات في ذات البيان أن "مسلسل خنق الحريات والحقوق قد استفاد من جهة من تراجع الاهتمام بحقوق الإنسان في سلم أولويات السياسات الدولية، وخصوصا مع وصول تيارات اليمين القومي المتطرف للحكم في أكثر من دولة، ومن جهة أخرى من ظروف جائحة كورونا التي استثمرتها السلطوية من أجل المزيد من الضبط والتحكم والاستبداد، والتضييق على عمل المدافعين عن حقوق الإنسان".

في الوقت الذي يساق فيه إلى السجون مدافعون عن حقوق الإنسان، يترك ناهبو المال العام والفاسدون أحرارا طلقاء، وتتم جرجرة عاملة بتهمة سرقة 16 بيضة. "ربما مادة "البيض" تعد ترفا مقارنة بالخبز. أو لأن المغاربة يساوون في مثلهم العامي بين سارق البيضة وسارق الثور. لكنه مثل يتحول اليوم إلى تعبير لاذع يستنكر مرددوه معاقبة "سارق البيضة" وعدم متابعة "سارق الثور"، كما يؤكد عبد العزيز حدادي (أستاذ بطنجة)، في تعليق له على الحدث. 

هو المعنى ذاته، الذي أفصح عنه محمد الغلوسي رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، مبديا استنكاره من استعمال القانون ضد البسطاء فقط، رافضا محاولات طي ملفات تبديد المال العام والاغتناء غير المشروع، ومنها ملفات اتهم فيها وزراء سابقون وبرلمانيون ومسؤولون كبار.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.