السلطة كما تقول أوساطها بحاجة لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي
السلطة كما تقول أوساطها بحاجة لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي

بعد "تعطيل" وطول انتظار، فاق العشر سنوات، أصدر الرئيس الفلسطيني محمد عباس مرسوماً رئاسياً يقضي بإجراء الانتخابات العامة على ثلاث مراحل: تشريعية أولاً (22 مايو)، رئاسية ثانياً (31 يوليو) ومجلس وطني ثالثاً (31 أغسطس)، مع أن "الحجة" التي طالما جرى التذرع بها لتأجيل الاستحقاقات الانتخابية، وهي الانقسام الفلسطيني الداخلي، ما تزال قائمة، فما الذي تغير حتى تصبح الانتخابات بنداً على جدول أعمال السلطة، وسط ترحيب من قبل معظم الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس؟

يربط المراقبون بين القرار بإجراء الانتخابات العامة بحلقاتها الثلاث المتعاقبة من جهة، ونتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية وفوز جو بايدن فيها من جهة ثانية... السلطة كما تقول أوساطها، بحاجة لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، قبل أن تدخل في تفاوض جدي مع واشنطن، من أجل رفع منظومة العقوبات والإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب بحقها، والشروع في تمهيد الطريق لاستئناف عملية سلام جدية، تنتهي بـ"حل الدولتين"... والسلطة تعرف، كما تعرف عواصم المنطقة برمتها، أن مسألة الديمقراطية وحقوق الانسان، ستكون بنداً على جدول أعمال علاقاتها الثنائية بإدارة بايدن الديمقراطية، بخلاف الإدارة السابقة، بصرف النظر عن ثقل هذا البند، وأولويته في تقرير شكل ومضمون هذه العلاقات.

المصادر الأوروبية والفلسطينية، سبق وأن تحدثت عن ضغوط تمارسها بروكسيل على السلطة، لتجديد شرعية مؤسساتها عبر "صناديق الاقتراع"، حتى أن بعض العواصم الأوروبية، أخذ يضيق ذرعاً باستمرار تدفق أموال دافعي الضرائب الأوروبيين لسلطة مضى على آخر انتخابات عامة أجرتها، أكثر من خمسة عشر عاماً... التقاء الضغط الأوروبي لإجراء الانتخابات، مع ضغوط أميركية متوقعة في نفس الاتجاه، لم يترك هامش مناورة واسع أمام السلطة ورئاستها في رام الله، فمضت إلى تقرير إجراء الانتخابات وتحديد مواقيتها بمرسوم رئاسي واسع.


ليس بالمرسوم وحده تجري الانتخابات


صدور المرسوم الرئاسي بإجراء الانتخابات في حلقاتها الثلاث، لا يعني بالضرورة، أن طريقها بات ممهداً، وأن إجراءها بات حتمياً ... فثمة جملة من العوائق الداخلية والخارجية، التي قد تنسف المرسوم ومواقيته، كلياً أو جزئياً، بمعنى ألا تجري أية انتخابات، أو يُكتفى بإجراء حلقتها الأولى: انتخابات المجلس التشريعي، طالما أن أحداً لم يأخذ على مجمل الجد، "حكاية" إجراء انتخابات لفلسطيني الخارج والشتات، ليس بفعل العقبات التي تحول دون ذلك، وهي كثيرة وحقيقية فحسب، بل لغياب أية جدية لدى القيادة الفلسطينية لإتمام هذا الاستحقاق، فلا "قاعدة البيانات" حول ناخبي الشتات والانتشار الفلسطيني، قد تم إنجازها، ولا معرفة حقيقية لدى أي طرف فلسطيني، بأعداد الفلسطينيين وأسمائهم وأعمارهم وأماكن اقامتهم في الدول التي يتوزعون عليها، ولا توجد أية هيئة فلسطينية، معنية بإدارة ملف انتخابات فلسطيني الخارج، طالما أن "تفويض" الهيئة الفلسطينية المستقلة للانتخابات، محصور فقط بالفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.

داخلياً؛ لا يبدو أن السلطة، ولا الأطراف العربية القريبة منها (بالذات مصر والأردن)، ترغب في انتخابات محمّلة بالمفاجآت، فطالما أن الهدف من تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية هو الاستعداد للانخراط في عملية سلمية تفاوضية، فكيف يمكن لانتخابات تنتهي بفوز حماس على سبيل المثال، أن تحقق غرضاً كهذا؟ ... ثم، ما الذي تعنيه "إعادة انتاج سيناريو انتخابات 2006"، بالنسبة لأمن الأردن ومصر والإمارات وحتى السعودية، التي تتميز علاقات حكوماتها، بجماعات الإخوان المسلمين، بالتوتر والعداء الشديدين؟

ما لم تجر "هندسة" الانتخابات الفلسطينية، لضمان عدم وقوع مفاجآت غير سارة من هذا النوع، فإن من المرجح تأجيلها حتى إشعار آخر، وربما إلغائها، ولن تعدم الأطراف ذات الصلة، الحجج والذرائع لتسويق وتسويغ قرارات من هذا النوع.

خارجياً؛ تحتاج الانتخابات الفلسطينية، لكي تكون "عامة" إلى "موافقات"، أو أقله "عدم عرقلة" إسرائيلية، لإجراء الانتخابات بمشاركة جميع الفصائل، وفي مختلف المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967، هنا يبرز تحدي موافقة إسرائيل على مشاركة حماس، وربما الجهاد الإسلامي في حال قررت المشاركة، تصويتاً وترشيحاً في الضفة الغربية، كما أن إسرائيل مطالبة بالسماح لسكان القدس الشرقية الفلسطينيين بالمشاركة في هذا الاستحقاق، وكذا الحال بالنسبة لسكان المنطقة (ج) التي منحت "صفقة القرن" أكثر من نصفها لـ"السيادة" الإسرائيلية ... مخاوف المراقبين من العرقلة الإسرائيلية، لن يبددها إلا تدخل "كثيف" من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لدى الجانب الإسرائيلي، أقله لاعتماد الآليات التي تمت بموجبها انتخابات 2005 الرئاسية و2006 التشريعية الفلسطينيتين.

 

هندسة الانتخابات لضمان نتائجها


مع أن استطلاعات الرأي العام الفلسطيني المتكررة في السنوات الخمس الفائتة، تعطي حركة فتح تفوقاً على حركة حماس بهامش من أربع إلى ست نقاط، إلا أن ثمة قلق حقيقي، من أن تأتي حصيلة "الصناديق" الفعلية، بخلاف ما تقترحه أرقام الاستطلاعات، تماماً مثلما حدث في العام 2006، وربما لهذا السبب بالذات عمدت السلطة والرئاسة، إلى "تحصين" الانتخابات المنتظرة، بجملة من الإجراءات: 

(1) إعادة النظر في قانون الانتخابات، واعتماد التمثيل النسبي الكامل، والأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة، وهو التعديل الذي استند "درس الانتخابات السابقة" وحقيقة أن فوز حماس بغالبية المقاعد في المجلس السابق، جاء بفضل نظام الدوائر الانتخابية "الأغلبي"، في حين كانت نتائج فتح وحماس متقاربة في المقاعد التي جرى انتخابها بالتمثيل النسبي (انتخابات 2006 تمت وفقاً لنظام انتخابي مختلط).

(2) إجراء تعديلات قضائية لضمان نتائج الطعن بنتائج الانتخابات في حال لم تكن مواتية أو "مفاجئة": المجلس القضائي الأعلى، المحكمة الدستورية، تعيين قضاة موالين وغير ذلك.

(3) الإصرار على تعاقب الانتخابات بدل تزامنها، كما كانت تطالب حماس، وقد استمر هذا الخلاف لعدة أشهر بين الفريقين، وكان واضحاً أن فتح تخشى التزامن، حتى لا تخسر دفعة واحدة، هيمنتها على السلطتين التنفيذية والتشريعية، في حين كانت حماس غير واثقة من أن السلطة ستمضي في إنجاز الحلقات الانتخابية الثلاث، في حال خسارتها للجولة الأولى، ولم تقبل حماس بتعاقب الانتخابات وتتخلى عن شرط التزامن، إلا بعد حصولها على ما قالت أنها "ضمانات" من خمس دول عربية وأجنبية لإتمام الاستحقاقات الانتخابية حتى نهايتها: روسيا، تركيا، قطر، الأردن ومصر، وهي ضمانات يشكك كثيرٌ من المراقبين بوجودها وجديتها على أية حال.

لم تكن حماس، سعيدة بكل هذه الإجراءات والتعديلات القانونية، بيد أنها لم تر إليها كسببٍ كافٍ لثني الحركة عن قرارها بالمشاركة في الاستحقاق الانتخابي.

وبرغم "صلابة التحصينات" التي اتخذتها فتح والسلطة لضمان الحصول على "انتخابات بلا مفاجآت"، إلا أنها لم تتوقف عند هذا الحد، فالحوار القائم بين الحركتين عبر القنوات الخلفية، وفي الاجتماعات المنتظرة في القاهرة، يستهدفان بناء مزيد من "التحصينات" في وجه أية "مفاجآت"، فثمة سيناريوهات يجري تداولها بين الحركتين لضمان النتائج قبل وقوع الاستحقاق، وتنطلق بعمومها، من فكرة "المحاصصة الفصائلية" التي سيجري تعبئتها هذه المرة، بصناديق الاقتراع: فثمة من يقترح دخول الحركتين الانتخابات في قائمة مشتركة (70 فتح و60 حماس من أصل 132 مقعد)، أو اكتفاء كل حركة بقائمة غير مكتملة تاركة بقية المقاعد للحركة الثانية، إلى غير ما هنالك من صيغ ومقترحات، ستجري بلورتها في الأسابيع القليلة القادمة.

 

الإقليم القلق


على أن ما تقوم به السلطة وما تتخذه من إجراءات لضمان "انتخابات بلا مفاجآت"، لا يبدو كافياً على ما يبدو، لإثارة الطمأنينة لدى بعض عواصم الإقليم ... وفي المعلومات التي يجري تداولها عن الحراك الكثيف الذي يجري بين عمان، القاهرة وأبو ظبي على وجه الخصوص، تكشف عن هذا "القلق"، وثمة اقتراحات (اقرأ ضغوط) تجري ممارستها على السلطة من أجل تعزيز "وحدة فتح" قبل الولوج إلى الاستحقاق، وفي هذا السياق تتعالى بعض الأصوات التي تحث على مصالحة العقيد المنشق، والمدعوم اماراتياً محمد الدحلان مع الرئيس عباس، والبعض تحدث عن وجوب إشراك القيادي الأسير مروان البرغوثي بشكل "لائق" في قوائم فتح، لأن ذلك وحده من شأنه أن يمكن الحركة من التغلب على حماس في أية انتخابات حرة ونزيهة، وثمة رسائل ومقترحات، جرى نقلها من العواصم الثلاث، إلى رام الله، ودائماً لضمان أن تكون نتائج الانتخابات، دفعة حقيقية لمسار السلام والتفاوض مع إدارة بايدن وإسرائيل من جهة، ولقطع الطريق على صعود "فرع إخواني" إلى السلطة: حماس، في وقت تعمل فيه هذه الأطراف، على تقليم أظافر جماعاتها الإخوانية في بلدانها من جهة ثانية.

واللافت في أمر الحراك الإقليمي النشط الذي انطلق في أعقاب فوز بايدن في الانتخابات الأميركية، غياب الرياض عنه، أقله في العلن، ولولا زيارة قام بها وزير الخارجية الأردني إليها، واجتماعات عقدها مع نظيره السعودي، لما استمع أحدٌ لمواقف المملكة مما يجري ويدور على هذا المسار، الأمر الذي حدا بمراقبين للتساؤل عن "سرّ" هذا الغياب والصمت السعوديين، وما إذا كانا مرتبطين بمراجعات تجريها الرياض، استعداداً للتعامل مع إدارة أميركية جديدة، يعتقد كثيرون، أن علاقاتها بولي العهد ورجل المملكة القوي محمد بن سلمان، لن تظل كما كانت عليه في "شهر عسلها" مع إدارة ترامب وفريقه الرئاسي؟

الاستعدادات الفلسطينية لاستقبال إدارة بايدن، قائمة على قدم وساق، والسلطة ومن خلفها بعض عواصم الإقليم، تعمل على "ترتيب البيت الفلسطيني" بطريقة مواتية، تسهل مهمة بادين ولا تعقدها، في حال قرر "الاستثمار" بملف سلام الشرق الأوسط... لكن ما يغيب عن أذهان كثير من المراقبين، أن ثمة عملية أخرى تجري بالتزامن، ولكن في إسرائيل التي تنتظرها في مارس القادم، انتخابات مبكرة رابعة في غضون أقل من عامين، وسط مؤشرات دالّة على أن المتنافسين فيها، يمثلون معسكر اليمين واليمين الأكثر تطرفاً، بعد اندثار معسكر اليسار وهزيمة تيار الوسط الذي مثله حزب أزرق – أبيض، ليبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يكفي ترتيب البيت الفلسطيني لاستقبال بايدن؟، ماذا عن "البيت الإسرائيلي"؟ سؤال برسم صناديق الاقتراع، على ضفتي المعادلة، والتي ستكشف عن محتوياتها في مارس ومايو القادمين.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.