فصائل سورية مدعومة من تركيا شرقي عفرين - 6 فبراير 2018
"عفرين اليوم، هي الصورة العارية للكيان السوري وثورته، خالية من أثواب الخطابات الرنانة، وبرعاية إقليمية ودولية معلنة"

مرت الذكرى الثالثة لاحتلال الجيش التركي والفصائل السورية الرديفة لإقليم عفرين ذو الأغلبية السكانية الكردية شمال غرب البلاد، دون أن تحظى الأوضاع العسكرية والإنسانية المأساوية في مختلف في تلك المناطق بأي اهتمام مناسب من قِبل القوى والشخصيات السياسية السورية المعارضة، مثلما تفعل دورياً بشأن غيرها من المناسبات، كالمآسي الأخرى التي طالت باقي مكونات الشعب السوري، على يد النظام السوري وتنظيم داعش الإرهابي مثلاً.  

بهذا المعنى، فإن قوى المعارضة السورية، التي يمثل الائتلاف الوطني لقوى الثورة المعارضة السورية مركزاً سياسياً ورمزياً لخياراتها، إنما تتبنى كل ما يجري في عفرين، من عنف ونهب عام وقمع سياسي مُخطط له، إلى جانب التغيير الديموغرافي الذي يهدد القواعد الاجتماعي الكردية هناك. 

ليس في ذلك أي تُهمة، فتلك الشخصيات والقوى السياسية تُعلن ذلك جهاراً، وتُقدم أجهزتها الدعائية كل أشكال التسويف لتبرير وشرعنة تلك الأفعال الوحشية، التي قضت في أقل من ثلاث سنوات على كامل البنية الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، وحتى البيئية، ذات الهوية الكردية في تلك المنطقة، وهو أمر متجاوز لما اقترفه تنظيم داعش والنظام السوري بحق باقي السوريين. 

ضمن هذا السياق، فإن ما يجري في عفرين ليس مجرد حرب أهلية تقليدية، بل ينحط لمستويات أدنى، ليكون شكلاً واضحاً ومُبرماً من الإبادة الجماعية. فالمشروع السياسي الأعلى للمُحتلين لا يتقصد السيطرة العسكرية والهيمنة السياسية والإدارية على تلك المنطقة وسكانها فحسب، بل يتجاوز ذلك ليكون تخطيطاً لتغيير جوهر الأشياء، إخلاء منطقة شاسعة كعفرين من سُكانها الأكراد تماماً، وخلق وقائع و"حقائق" جديدة تماماً، بإسكان وتمليك غيرهم من المستقدمين.  

ببساطة، فإن هذا المشهد يسحب من الثورة السورية كل ادعاءاتها "الرومانسية". فالائتلاف السوري ليس مجرد جهة سياسية ما، بل هو الممثل السياسي الأكثر "شرعية" وتمثيلاً لهذه الثورة، يستحوذ على الولاء النسبي الأكبر من القواعد الاجتماعية المعارضة، وينال اعترافاً مميزاً من القوى الإقليمية والدولية، التي تمنحه تلك المكانة.

الثورة السورية في موقعها هذا، إنما تُكذب ما كانت تدعيه من سعي لتكوين نظام سياسي ديمقراطي مدني، قائم على احترام مكانة الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية، والالتزام بمنظومة حقوق الإنسان والقيم العالمية العُليا. فما يجري في عفرين يُسقط كل تلك الشعارات، يحولها لمجرد بضاعة خطابية رثة، مطابقة لما تتبناه وتنثره الأجهزة الدعائية الرديفة النظام السوري، في حديثها عن ممانعة وصمود ونضال. 

إلى جانب التسويف الخطابي، فإن مجريات عفرين تطابق بين النظام السوري وجسم المعارضة السورية الرئيسية في ديناميكيتين جوهريتين:

تتعلق الأولى بالادعاء المرضي بوجود مؤامرة ما وتحفيز الهمم لمواجهتها كأولوية مطلقة، مثلما قال القيادي في الجيش الوطني السوري، مصطفى سيجري، بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال عفرين: "شكلت ضربة عسكرية لأكبر التنظيمات الإرهابية الانفصالية، وقد كسرت مشروع إقليم كردستان-سوريا الانفصالي المدعوم من القوى المعادية للشعب السوري ودول المنطقة".

أما الثانية، تتعلق بخارجية الحالة السورية. فبالضبط كما حافظت الأسدية على نفسها طوال نصف قرن كاملٍ بناء على توازنات وعلاقات وتداخلات وتفاهمات إقليمية ودولية، دون أي التفات نحو الشرعية الداخلية، التي لم يستخدم معها إلا العنف المحض. فإن المعارضة المُحتلة لعفرين تفعل ذلك تماماً، تأخذ شرعيتها وسطوتها وإمكانية بقاءها من علاقة تداخلية وولائية لتركيا واستراتيجياتها في الداخل السوري، ولو على حساب حياة سكانها المحليين.   

محصّلة ذلك، في سوريا اليوم قوتان للحرب المطلقة، هُما القوتان الأكثر فاعلية وشعبية، وطبعاً شرعية، بالنسبة للقواعد الاجتماعية والقوى الإقليمية والدولية. وهو أمر ينتج مستويات خطيرة من الفاعليات السياسية.

يذهب الأول للقول إن الجماعات الأهلية السورية صارت مجرد جيوش للحروب المطلقة ضد ما يناظرها من جماعات، وأنها لا تملك أي ثقة سياسية ببعضها، براهن علاقاتها الحالية ومستقبل تعايشها المستقبلي.

فسوريا اليوم، ليس بها قوى سياسية لها مشاريع وطروحات متباينة، بل مجرد جماعة أهلية متصارعة، لا تملك أي واحدة منها سوى القسر لإخضاع الجماعات الأخرى، كأداة للحفاظ على نفسها. 

هذا التكوين والبنية التي كانت تأسيسية للكيان السوري، وحافظت على نفسها صلبة طوال عقود الكيان السوري، وإن تمكنت بعض القوى السياسية الدينية والقومية السورية من تغليف تلك الحقيقة ببهرجة لغوية خلال مرحلة أو أخرى من تاريخ سوريا. فالحرب الأهلية السورية لم تكن مرحلة من تاريخ سوريا، بل كانت تاريخها كاملاً، مثلما هي حاضرها راهناً.  

المستوى الآخر يقول إن مجموع الطروحات السياسية المعروضة، من انتخابات عمومية وحلول دستورية وتوافقات سياسية، لن تتمكن من وضع مخارج ما ذات قيمة للحرب السورية. فما يكنه السوريون تجاه بعضهم يفوق كل تلك الرغبات السياسية.

شكل العراق طوال السنوات الثمانية عشر الماضية نموذجاً عن ذلك، حيث جماعة أهلية ما تستغل مشروعاً سياسياً يبدو توافقياً، للتمكن من تكريس قوتها، وما تلبث أن تتابع حربها الماحقة، متجاوزة أي دستور وكل توافق كان.

القول الثالث يندرج في خانة استحالة تحول سوريا إلى كيان داخلي، له خواص وحياة عامة وديناميكية داخلية، مستقلة، ولو نسبياً، عما يحيط بها من قوى وديناميكيات إقليمية ودولية. لن يحدث ذلك على المدى المنظور على الأقل، لكنه يتجاوز ذلك الطموح ليكون طبعاً تأسيسياً في طبيعة الكيان السوري. 

عفرين اليوم، هي الصورة العارية للكيان السوري وثورته، خالية من أثواب الخطابات الرنانة، وبرعاية إقليمية ودولية معلنة. صورة يمكن لكل السوريين أن يتخيلوها كمستقبل لهم، فيما لو دانت أي منطقة سورية أخرى للقوى المُحتلة لذلك الإقليم، أو ما شابهها من قوى أخرى. 

إلى جانب ذلك، فعفرين دلالة واضحة على العطب المركزي الذي في بنية الكيان السوري وما تحمله وتكنّه المجتمعات والحساسيات الأهلية السورية تجاه بعضها، وأن الكيان السوري فيما لو حافظ على نفسه في المستقبل المنظور، إنما يحتاج إلى ما يتجاوز طروحات الحلول والتوافقات السياسية، نحو ما يمكن تسميته بإعادة تشكيل الكيان السوري. 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.