ما حدث في السنوات الأخيرة يبين أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار دون تغييرات جذرية سياسية واقتصادية
ما حدث في السنوات الأخيرة يبين أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار دون تغييرات جذرية سياسية واقتصادية

أطاحت الانتفاضة الشعبية المصرية في مثل هذا اليوم قبل 10 سنوات بالرئيس حسني مبارك الذي حكم مصر لثلاثين عاما اتسمت بالعسف والفساد والركود. المصريون الذين شاهدوا واستمعوا الى صرخة الشعب التونسي "الشعب يريد اسقاط النظام"، انتفضوا مطالبين بإسقاط نظام جردهم من كرامتهم وحقوقهم الأساسية وعاملهم كأتباع وليس كمواطنين أحرار. وخلال 18 يوما من التظاهرات العفوية والحماسية تجمع ألاف الشابات والشباب ولحقتهم مختلف مكونات الشعب المصري في ميدان التحرير في القاهرة وفي الساحات والشوارع الرئيسية في مختلف المدن المصرية، وحولوا هذه الأماكن العامة إلى جلسات مفتوحة ومتلفزة ليناقشوا فيها حاضرهم القاسي، ورغبتهم بتخطيه إلى مستقبل أفضل وبطرق سلمية. كانت لحظة تمكين واعدة ومتفائلة، اختلط فيها الإيقاع الاخاذّ لصرخة: الشعب يريد إسقاط النظام، مع هتاف "سليمة" الموجه للمتظاهرين وللعالم، وهتاف "ارحل" الموجه للفرعون المسّن ولنظامه الآسن.

الانتفاضة أرغمت المؤسسة العسكرية المهيمنة بثقلها الخانق على مصر منذ الانقلاب العسكري ضد النظام الملكي في 1952، على التخلص من مبارك وسجنه مع نجليه، وبعض مساعديه. ما حدث بعد ذلك، كان سلسلة من النكسات والضربات المتتالية لأمال ملايين المصريين بالتغيير والتمكين، من قبل العسكر والإسلاميين، الثنائي المسؤول بالدرجة الأولى عن تحويل مصر إلى مجتمع عسكري، أكثر تسلطا ومحافظة ورجعية، وأقل انفتاحا وتسامحا. هذا ما جلبه العسكر والإسلام السياسي إلى مصر، وكأن إرث القاهرة والاسكندرية الكوزموبوليتاني الغني الذي جعل القاهرة عاصمة العرب الثقافية والفنية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، لم يستمر لأكثر من لحظة.

العسكر في مصر شكّلوا المجلس الأعلى للقوات المسلحة "لإنقاذ" البلاد باسم الشعب ومصالحه، بعد التخلص من مبارك وواصلوا تقاليد الجيش المصري منذ 1952 باحتكار السلطة. حكمهم كان أسوأ من حكم مبارك. انتخاب الرئيس محمد مرسي، كان أول استثناء لحكم العسكر في مصر وأول انتخاب لممثل عن حركة الإخوان المسلمين كرئيس لمصر. حكم مرسي لم يكن ديموقراطيا أو خاليا من الفساد أو الفوضى. عودة العسكر إلى السلطة في مصر كانت مسألة وقت. وفي يوليو 2013 قام قائد الجيش عبد الفتاح السيسي بانقلاب وأطاح بحكم مرسي، وهو ما رفضه الإسلاميون الذين واصلوا تظاهراتهم واعتصموا في ساحة رابعة العدوية. في الرابع عشر من أغسطس شنت قوات الأمن المصرية هجوما ضد المعتصمين الذين كان بينهم نساء واطفال ما أدى الى قتل 900 شخص، في أبشع مجزرة في تاريخ مصر الحديث. نظام السيسي، هو الأكثر تسلطا منذ سقوط الملكية. في ظل السيسي خسرت مصر الكثير من مكانتها الإقليمية. ولا يزال نظام السيسي يواجه تمردا مسلحا من الجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية في سيناء، لم ينجح بإنهائه حتى الان، على الرغم من لجوئه لدعم سلاح الجو الإسرائيلي الذي يقوم بالإغارة على مواقع المتطرفين بين وقت وآخر. قمع الحريات المدنية في مصر وصل الى مستويات غير معهودة في ظل نظام السيسي.

 جميع الدول التي واجهت الانتفاضات السلمية، ردت عليها بالعنف. وحدها تونس تفادت الانزلاق إلى العنف الجماعي بعد الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي، وخرجت من الانتفاضة أفضل سياسيا مما كانت عليه قبل نزول المواطنين الى الشوارع، ولكن الأمل بإنعاش الاقتصاد وتوسيعه، لم يتحقق حتى الان. في ليبيا، حوّل معمر القذافي الانتفاضة السلمية إلى معارضة مسلحة، سرعان ما تحولت الى حرب أهلية، ومسرحا لحروب بالوكالة لصالح دول مثل تركيا وروسيا لا تزال مستمرة حتى الان.

الانتفاضة السورية بدأت سلمية، ولكن نظام بشار الاسد الذي قمع المتظاهرين بوحشية، ساهم في تحويلها إلى انتفاضة مسلحة حين أطلق سراح مئات الاسلاميين من سجونه آملا بأن ينضموا إلى الانتفاضة لعسكرتها ومحاولة خطفها. في السنوات التالية شهدت سوريا عنفا لم تشهده في تاريخها الحديث وقتل جماعي على يد نظام لم يتردد في استخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه. بعد عشرة سنوات من الانتفاضة، سوريا اليوم هي أرض يباب، يسيطر على أجوائها سلاح الجو الاسرائيلي، بينما تتنافس فوق أراضيها قوات إيرانية وتركية وروسية، بعد أن حوّل نظام الأسد ثلث سكانها الى لاجئين ومقتلعين.

في اليمن، أدت الانتفاضة إلى الإطاحة بالرئيس علي عبدالله صالح، ولكن البلاد سرعان ما انزلقت الى الاقتتال الداخلي ما أدى لاحقا إلى سيطرة حركة الحوثيين التي تمولها وتسلحها إيران على العاصمة صنعاء. الحرب التي قام ائتلاف عسكري عربي للتصدي للحوثيين، بقيادة السعودية التي شنت حملة جوية مدمرة قتلت الاف المدنيين، ولحقتها دولة الامارات التي أرسلت قواتها البرية للسيطرة على أماكن استراتيجية في البلاد. لا تزال مستمرة حتى الان، وتحولت الى أسوأ كارثة انسانية في القرن الحادي والعشرين.

الانتفاضة في البحرين، بدأت سلمية مثلها مثل الانتفاضات الاخرى، وطالب المتظاهرون بإصلاحات جدية وبحقوقهم السياسية والمدنية وتمكين الأكثرية الشيعية في البلاد. ولكن عائلة آل خليفة الحاكمة ردت بالنار والحديد ضد المتظاهرين وقمعت تجمعهم في دوار اللؤلؤة. وعندما لم ينجح قمعها في القضاء على الانتفاضة، قامت دول الخليج بقيادة السعودية بإرسال قوات عسكرية لإنهاء الانتفاضة.

بعد مرور عقد من الزمن على الانتفاضات العربية، من الواضح أن أي منها لم يتحول الى حركة سياسية منظمة وقادرة على مواجهة الأنظمة الحاكمة أو تحييد قواتها العسكرية. الأنظمة الحاكمة أثبتت أنها قادرة عبر استخدامها السافر للقوة العسكرية على الحفاظ على سيطرتها.

وباستثناء تونس فان جميع الدول التي انتفضت قبل 10 سنوات، هي الان في وضع أسوأ مما كانت فيه قبل موسم الانتفاضات. ولكن الأسباب التي أدت الى انتفاضات 2010 و2011 مثل الكساد الاقتصادي، وغياب الحريات السياسية والمدنية، وهدر الثروات العامة والفساد، لا تزال موجودة، لا بل تفاقمت أكثر بعد الانتفاضات. وفي السنوات الماضية انتفض السودانيون وتخلصوا من قمع وفساد رئيسهم عمر البشير، كما انتفض الجزائريون وأطاحوا بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أوصل الجزائر الى طريق مسدود. التغيير في البلدين بقي محصورا برأس السلطة ولم يؤد ألى تغييرات جذرية في المجالين السياسي والاقتصادي.

وفي السنتين الماضيتين نظّم العراقيون واللبنانيون تظاهرات شعبية عارمة ضد الفساد والتسلط وحكم أمراء الحرب والميليشيات الطائفية. التظاهرات أسقطت رئيس الحكومة، في كلا البلدين، ولكن التظاهرات الاحتجاجية لم تؤد الى أي تغيير إيجابي وثابت. وفي العراق كما في لبنان تدخلت الميليشيات التابعة لإيران لوقف وقمع الارادة الشعبية. ما حدث في السنوات الأخيرة يبين أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار دون تغييرات جذرية سياسية واقتصادية. وإذا لم تحدث هذه التغييرات، فان معظم الأنظمة السياسية في الدول العربية سوف تبقى معرضة لهزات وانتفاضات دورية، لن يستطيع الحكام كبتها وقهرها ألى ما لا نهاية.
 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.