"فكرة "المسلمين" تصبح في خيال هؤلاء حالة وحدة متماسكة، وهناك هروب من فكرة التعددية حتى بين المسلمين"
"فكرة "المسلمين" تصبح في خيال هؤلاء حالة وحدة متماسكة، وهناك هروب من فكرة التعددية حتى بين المسلمين"

حسب وقائع نظرية المؤامرة على الإسلام والمسلمين، قد نتخيل المكالمة التالية صباح العاشر من سبتمبر 2001:
"صباح الخير سيد ديفيد برونستين، نحن الموساد الإسرائيلي. نطلب منك ألا تتوجه غدا إلى مبنى التجارة العالمي، ولا داعي لإبلاغ أحد بذلك. سيكون هناك تفجير إرهابي ولا نريد أن تصاب بأذى، نتمنى لك نهارا طيبا".

عليك أن تتخيل تلك المكالمة وقد تكررت مع 4000 شخص قبل أن ترتطم الطائرات "الإرهابية" بمباني البرجين والبنتاغون.

طبعا، هذا تصور ساذج جدا، ومن المؤكد أن من يؤمن بنظرية المؤامرة لن يتخيل المشهد بهذا السخف، فالمؤمنون بنظريات المؤامرة غالبا يحملون أفكارا معقدة تعكس عقدهم النفسية المركبة، وعليه فإن تحذير 4000 يهودي في نيويورك من عدم التوجه إلى مبنى البرجين نهار الحادي عشر من سبتمبر، لن يكون تحذيرا سهلا، بل عملية معقدة بالغة السرية قد تكون تكلفتها بذات تكلفة "مؤامرة" تفجير البرجين على يد الموساد والسي آي إيه.

هذا تفسير بالغ التعقيد يرضي حاجة هؤلاء إلى تصديق المؤامرة، وابتلاع وهضم فكرة "إخفاء" 4000 إنسان على كل ما بينهم من اختلافات ورؤى وعلاقات وشخصيات، لكن يجمعهم عامل واحد مشترك: أنهم يهود. وهذا يكفي لتوحيدهم في الخيال العربي الإسلامي المؤامراتي كشخصية واحدة شريرة لا تتجزأ.

لن تستطيع أن تقنع أصحاب فكرة المؤامرة بالحقائق، حتى لو حملت لهم الأرقام والوثائق، فالفكرة ليست بالمؤامرة وحدها، بل بالتصور الذي يقوم عليه العالم كله لدى هؤلاء، وعند أصحاب نظرية المؤامرة على الإسلام والمسلمين فإن العالم قائم على مسلمين في "حالة وردية في الماضي وضحية مضطهدة في الحاضر" وكفار يتآمرون على الإسلام ليلا ونهارا.

في هذا التصور، فكرة "المسلمين" تصبح في خيال هؤلاء حالة وحدة متماسكة، وهناك هروب من فكرة التعددية حتى بين المسلمين، فالمفروض أن يكون الجميع لونا واحدا، طائفة واحدة، مذهبا واحدا، رؤية "شرعية" واحدة، وكل من يخرج عن ذلك فهو من الكفار أو من "والاهم".

ودوما، على مدار الساعة وخلال كل أيام الأسبوع وطوال السنة، بلا توقف هنالك مؤامرة تجري على الإسلام والمسلمين، الغرب الكافر كله (وحدة واحدة لا تعددية فيها) مشغول خلف الأبواب المغلقة بالتخطيط لهزيمة الإسلام والمسلمين.

ويتم تدعيم ذلك كله بما صار يعرف بأدبيات تلك النظرية، مقولات مسندة إلى شخصيات غربية، قصص وحكايات عن معاهد علمية "غير محددة بالضبط" وقد تحمل اسم عالم ما وفي مدينة غربية ما فقط، ودوما هناك رؤية "للغرب الكافر" يسعى إلى تحقيقها بألا يتوحد المسلمون حتى يظلوا في القاع، وتلك رؤية "اسطوانية" للعالم الكروي.

مؤخرا، ومع جائحة الكورونا خرجت كل نظريات المؤامرة في مواجهة العلم، ومن كل الأديان والملل والقوميات والجغرافيا، وتم تداول فيديوهات من معاتيه نظرية المؤامرة على أنها حقائق دامغة على مؤامرة شريرة تسعى إلى تحكم "نخبة شريرة سرية" في البشر بعد إبادة نسبة من البشرية.

الفرع الإسلامي للمعاتيه في أكاديمية المؤامرة، وجدوا ضالتهم في تلك النسبة، وصار المسلمون هم المقصودين بالإبادة.

اللقاح "وهو خلاصة جهد معرفي هائل لعلماء ومختبرات وطواقم وتراكم معرفي طويل"، صار سلاحا سريا يخفي في داخله مواد غريبة تعمل على تحويل البشر أو تسميمهم، وهو ما يجعلني أتساءل عن كل هذا الجهد والتكلفة في ذلك، مع أنه يمكن زرع نفس المواد في حبوب "الأسبرين" والبندول أو تلقيمها في التحاميل "لفعالية أكثر".

لكن هذا لا يستقيم مع فكرة "المؤامرة" وتعقيداتها عند هؤلاء.

فالمقصود هو هدم الإسلام (تصور واهم بأن العقيدة او الفكرة بناء صلب وملموس)، وهزيمة المسلمين (تصور متعدد الأوهام أكثر بوحدة واحدة وفكرة سيادة العالم).

تلك النظرية تفترض أن العالم "من غير المسلمين" كله عبارة عن كفار ينامون ويصحون على مشاعر الحقد على الإسلام، وهذا يشمل رجل الأسكيمو في القطب الشمالي، الذي لن يبتهج كثيرا بمفهوم "الحرارة" كأداة تعذيب، والماء البارد كوسيلة إغراء للإيمان.

لكن الصورة النمطية للكافر، هي دوما، ذلك الذي يشرب الخمر ويأكل بشراهة وينام ليحلم كيف يخطط للقضاء على المسلمين جميعا.

وفي الدعاء الأسبوعي على المنابر كل يوم جمعة، على الأقل، هناك الأمنية الموحدة والعميقة التي تبتهل إلى الله بأن "ينصرنا على القوم الكافرين"، وهو ابتهال يضع العالم "الكافر بالإسلام" كله في قومية واحدة، قوم الكفار، وهو ما تؤكده القاعدة الرديفة أن "ملة الكفر ملة واحدة" بافتراض وهمي سريع بأن "ملة الإسلام ملة واحدة".

وفي تلك "الملة الواحدة " التي تغفل عن كل المذاهب والطوائف والرؤى الشرعية المختلفة والمتباينة، فإن من يخرج بخطاب منطقي واقعي يرفض تقسيم العالم بهذا الشكل، فهو من موالي الكفار، وهؤلاء لهم حكمهم الشرعي بالنبذ والإقصاء والإلغاء.

الأخطر في تلك المؤامرة "ضبابية الرؤية" بأن الالتباسات فيها تزداد تعقيدا حين تدمج رؤيتها الإسلامية بقوميتها العربية، فنصبح أمام حالة مضاعفة من الأوهام الغريبة والمولدة للنظريات الأكثر غرابة.

فمفهوم الأمة العربية نفسه مفهوم بحد ذاته إقصائي للمكونات الثقافية الموجودة في تلك الجغرافيا المشرقية المعقدة والشاسعة، والتعصب للعروبة كقومية، يعني ببساطة إلغاء ثقافات متعددة مثل السريانية والكردية والآشورية والآرامية والأمازيغية والنوبية والقبطية وغيرها من ثقافات وقوميات مسحها انفراد حرف أبجدي ( حرف الضاد) في لغة انطلقت من كل تلك الثقافات أساسا كلهجة محلية لقبائل محددة في وسط الجزيرة العربية.

بل أن أدبيات "القومية العربية"، في سعيها للتصالح مع عملية التهجين الإسلامي لها، قامت بتثبيت "إسلامية" الثقافة للمسيحيين العرب وتناقلت أقوال بعضهم كحالات بطولية في مواجهة المستعمر"الكافر"، مع أن تلك المواجهات مطلع القرن العشرين كانت وطنية ضد احتلال أجنبي، لا عقائدية ضد مؤامرة كونية.

وعودة إلى البداية، ولكل حديث تفرعاته وشجونه، فقد كنت أقرأ شيئا من فرضيات المؤامرة على المسلمين من خلال لقاح "الكورونا" الذي يحمل مواد إضافية في الشحنة المصدرة إلى العالم العربي، فيستوقفني أحد التعليقات الذي استطاع أن يخرج بالموضوع إلى مؤامرة أكثر تشويقا، يؤمن فيها آلاف، على ما يبدو، في العالم العربي، حيث يقول أحد المعلقين إن البابا فرنسيس أشرف بنفسه "وهو كيميائي أساسا" على تعبئة شحنات اللقاح للعالم الإسلامي بمواد تمنع الإنجاب.

هكذا "يؤمن" البعض، لكن الأكثر إثارة كان في تعليق آخر يرد على المعلق بطلب الرحمة للبابا السابق، يوحنا الثالث والعشرين، الذي مات عام 1963 بالسم على يد "الفاتيكان واليهود" لأنه أعلن إسلامه بعد اكتشافه لوثائق سرية.

لترد التعليقات بعد ذلك مؤيدة لادعاء صاحب نظرية "إسلام البابا وقتله على يد الفاتيكان واليهود" بل وقام أحدهم بدعم النظرية "علميا" من خلال فيديو للشيخ اليمني، عبدالمجيد الزنداني، (مؤسس الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة) يثبت فيها نظرية اغتيال البابا يوحنا الثالث والعشرين لأنه أعلن إسلامه!! (ذات هذا الشيخ الجاهل أعلن عن اكتشافه علاجا للإيدز بالأعشاب).

القصص في سياق نظرية المؤامرة على الإسلام والمسلمين كثيرة، لكن ما يجعل تلك القصص خطيرة هو من يؤمن بصحتها وصدقيتها، وهو ما يعكس إيمانا حد اليقين بوجود مؤامرة (24/7) تستهدف كل مسلم في العالم، وهدفها الوحيد "ألا ينهض المسلمون" وتعود سيادة العالم لهم من جديد، لأن العالم ببساطة وبحكم الشر الذي يحكمه، لا يعرف مصلحته ولا يريد الخروج من الظلمات إلى النور.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.