التشيك تاسع دولة في 2020 تصنف حزب الله كمنظمة إرهابية
الميلشيات الإرهابية نموذج للهويات الجماعية التي تعادي الفردية

يقول عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي أن في السنوات الأولى للدعوة الإسلامية، لم يدخل الإسلام إلا نفر قليل من المكيين، فالإسلام كان ثورة على التقاليد والعادات. ويتابع الوردي: لكنك إن سألت أي من ملايين المسلمين اليوم عمّا كان سيفعله لو كان في مكة في أول أيام الإسلام، لجزم بأنه كان سيكون أول الملتحقين بالرسول. يستخدم الوردي هذا المثال ليشير إلى الانفصال بين كيف يخال المرء نفسه منصفا، عادلا، وصاحب عقل مستقل يقرر بموجبه مواقفه ومبادئه — حتى لو افترقت عن الجماعة — والواقع، وهو أن المسلمين الأوائل لم يقبلوا الإسلام فرادى، بل دخلوه أفواجا، غالبا بمبايعة رؤساء العشائر، كل عن عشيرته، التي أدخلها معه في الدين الجديد.

الهوية الجماعية مشكلة لأنها تستبدل العقل الفردي برأي الجماعة، والأخيرة هي تنظيم مجتمعي بدائي حاربته الأديان، فتعاليم المسيحية تعد بدينونة فردية، ومثلها يوم الدين في الإسلام، ”يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه“. ثم كانت الثورة الصناعية في أوروبا، وراح رأس المال يبحث عن المهارات الفردية لتوظيفها في مصانعه، وراح يكافئ كل عامل على مهاراته، فأعطت القوة المالية الأفراد استقلالية عن عشائرهم وقبائلهم، التي كان يتزعمها لوردات يقسمون الولاء للملك. ولأنه صار لكل فرد استقلالية، صار له صوت، ولم يعد ولاء زعماء العشائر للملك ينفع، فقامت الديموقراطية، المبنية على اختيار الفرد دولته بشكل يتناسب ومصالحه المادية ويصون حريته في العيش والعمل والتعبير عن الرأي.

لكن الرأسمالية خلقت عكسها، فالعمّال رأوا مصلحة مشتركة في تنظيم أنفسهم في جماعات لمواجهة تسلط رأس المال عليهم، فصار اسمها اتحادات عمالية. ثم أوغل بعض علماء الاقتصاد والاجتماع في الانحياز للاتحادات العمالية، فكانت الاشتراكية، ثم كان صنف الاشتراكية الأكثر تطرفا، أي الشيوعية.

على أن الاستقلالية التي منحها الراتب للموظف رافقتها وحدانية اجتماعية، وهو ما أجبر الموظفين على الموازنة بين فرديتهم وبين انخراطهم في شبكات مجتمعية تتألف من أفراد يشبهونهم، وصارت هذه الشبكات فرق ومذاهب وأحزاب، وهو ما قوّض العقل الفردي مجددا. وسهّلت تقنية التواصل الاجتماعي تشكيل رأي جماعي، وتسويقه، وغلبته على الرأي الفردي المستقل.

مشكلة الرأي الجماعي هي في إمكانية انحرافه، فمعايير الصح والخطأ هي اصطلاحات جماعية، واذا ما اصطلحت الجماعة على باطل، يصبح الباطل حقا، ويصبح الفرد الداعي إلى الحق نبيا ملعونا في عشيرته، وهذه سيرة كل الأنبياء التي تقصها الأديان على أتباعها. 

ويحدث أحيانا أن تتصدى لجماعة ضالة جماعة راشدة، لكن الضالين يصوّرون الراشدين على أنهم متآمرون أعداء. هكذا صورت النازية محاولة العالم إعادة ملايين الألمان الى رشدهم وثنيهم عن أفكارهم العنصرية الإجرامية، على أنها مؤامرة دولية ضد ”الأمة الألمانية“، لا صراع حول المبادئ والأفكار. وهكذا الإسلام السياسي، الذي يقوم حكامه بتشتيت انتباه محكوميهم بإلقاء اللائمة في فساد الحكم وفشله على الشعوب الأخرى، فتصبح إيران الفاشلة المفلسة هي الفئة الناجية، ويصبح باقي العالم المتقدم والمزدهر الفئة الضالة.

أما عقل الفرد وضميره، فأكثر قدرة على التمييز بين الخير والشر، والبحث عن المصلحة حسبما تمليها غريزة البقاء. وعلى مدى القرن الماضي، انتشرت ثقافة الثناء على سعي الفرد للعلم وللنجاح في العمل. هكذا، حاول الأفراد إبقاء هويتهم الجماعية في منازلهم أو أماكن عبادتهم، حتى لا تعيق طموحاتهم ونجاحاتهم الفردية في الحياة والعمل. 

في العقدين الأخيرين، تراجعت ثقافة تمجيد الفردية أمام الهويات الجماعية لأسباب لا نعرفها بعد، وهو ما دفع فرانسيس فوكوياما الى نشر كتابه ”هوية“، الذي قال فيه أنه على عكس الاعتقاد السائد بأن الفرد يبحث عن مصلحته، صارت الناس اليوم تتمسك بتقاليدها وهويتها الجماعية، حتى لو على حساب تقدمها مهنيا، وصار يبدو أن ”احترام“ الآخرين للهوية الجماعية أهم بكثير من المصلحة والنجاح فرديا. بكلام آخر، صارت ”الكرامة“، وهي فكرة غير مادية، أكثر أهمية من المصالح المادية، كالمدخول المالي ومستوى المعيشة. 

وهكذا في لبنان، حيث يؤذي وجود ميليشيا ”حزب الله“ وحروبه اللامنتهية اقتصاد لبنان، ما يؤدي الى تدهور المداخيل الفردية ومستوى المعيشة لكل لبناني. لكن مؤيدي ”حزب الله“، وغالبيتهم من المسلمين الشيعة، يتمسكون بالميليشيا على اعتبارها ”شرفهم“ و“كرامتهم“، وكأن العيش بشظف لا يدخل في حسابات ”الشرف“ أو ”الكرامة“. هكذا، بعد حرب 2006 التي حولت أحياء شيعة لبنان الى ركام، قام ”حزب الله“ بتحريض شيعته ضد رئيس الحكومة وجماعته من السنة، وهو ما أدى إلى تعزيز الهوية الجماعية عند الشيعة، وتشتيت انتباههم عن المشكلة، وامتصاص غضبهم ضد الحرب والحزب.

وهكذا في أميركا أيضا، حيث نشر عالم الاجتماع جوناثان ميتزل كتابه ”الموت من البياض: كيف تقتل سياسة الكراهية العنصرية قلب أميركا“، وتضمن مقابلات مع أميركيين بيض يحتاجون لعلاجات طبية لكنهم يرفضون قانون الرعاية الصحية الحكومية لأنهم ”يفضلون الموت على أن يفيد غير البيض ومثليي الجنس من الرعاية الحكومية“. 

هذه هي الهوية الجماعية التي امتطى موجتها الرئيس السابق دونالد ترامب، فحرّض بعض البيض من المسيحيين المحافظين ضد غير البيض والعولمة، مع أن ترامب لا يعيش وفق التعاليم المسيحية، ومصالحه التجارية في قلب العولمة. مع ذلك، نجح ترامب في تحويل مناصريه الى عشيرة تبنت مبادئ عكس ثقافتها، حتى أدى انحرافها إلى غزوها مبنى الكونغرس، وإنزال العلم الأميركي عنه، وهو العلم الذي تضعه عشيرة ترامب في مرتبة قداسة لا يعلو عليها إلا الإنجيل نفسه.

الهوية الجماعية مشكلة أممية، بل وباء عالمي، تقوّض الدول بقضائها على الرأي المستقل للأفراد الساعين الى مصالحهم، وتستبدلهم بجماعات تتحول الى غوغاء في أيدي العقائد المتطرفة والسياسيين الشعبويين. أميركا نجت في هذه الجولة، لكن هوياتها الجماعية، عند الديموقراطيين الحاكمين اليوم كما الجمهوريين المعارضين، ما تزال تشكل خطرا على مستقبل الجمهورية، وهو خطر لا يقلصه الا العلم، والثقافة، والمطالعة، والحوار الهادئ بعيدا عن الصراخ.
 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.