زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض في السودان حسن الترابي
القرضاوي حاول تجميل تصرفات الترابي

للإخوان المسلمين موقف مبدئي رافض للنظام الديمقراطي وحكم الأحزاب, فالديمقراطية بحسب وصف مؤسس الجماعة ومرشدها الأول حسن البنا هى مجرد "نظام تافه متداعي" و "الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم"، وهذا الأمر قد أكدته التجربة العملية للجماعة في دول عديدة من بينها السودان.
من ناحية أخرى, تغطي على ذلك الموقف المناهض للديمقراطية في كثير من الأحيان دعوات ذرائعية من قبل الإخوان لتبني الفكرة الديمقراطية كوسيلة مؤقتة للوصول للسلطة ومن ثم الكشف عن الوجه الحقيقي للجماعة, تماما كما فعل هتلر وحزبه النازي بعد السيطرة على الحكم عبر الانتخابات في ألمانيا.


كتب الشيخ يوسف القرضاوي كلمة في رثاء زعيم جماعة الإخوان في السودان، الدكتور حسن الترابي, جاء فيها: "أول ما لقيت الترابي في لبنان سنة 1985م  (هكذا وردت في النص الأصلي ويبدو أنه يقصد 1965)، وكان في قمة الشباب وكان يزور بيروت في ذلك الوقت وقد قاد الحركة الشعبية الجامعية التي انتهت بإسقاط الحكم العسكري برئاسة عبود وعودة الحكم المدني إلى السودان وأذكر مما جرى بيني وبينه من حديث أني قلت له: لعلكم تلتفتون إلى الجيش ونشر الدعوة فيه حتى لا يقوم بانقلاب آخر ضدكم فقال لي: نحن في الواقع لا نهتم بالجيش وإنما نهتم بالشعب وعندنا أن نكسب معلماً في مدرسة خير من أن نكسب ضابطًا في الجيش, قلت: ولكن الجيوش الآن كثيرًا ما تنقلب على الحكم المدني وتسيطر على مقدرات الشعوب. قال: لتنقلب، ونحن سنسقطها ! ). 
واصل القرضاوي في سرد العلاقة التي جمعته بالترابي خلال الحقب السياسية المختلفة في السودان حتى جاء لفترة الحكم الديمقراطي (1985-1989) والذي شهد تدبير الترابي للانقلاب العسكري ضد النظام الذي كان حزبه جزءا منه في يونيو 1989 فقال: "وبعد انسداد الأفق السياسي في السودان، كان لا بد أن يقوم أحد الأقوياء في البلد بالسيطرة على مقاليد الأمور وكان الدكتور الترابي أكثرهم تصورا وإدراكا للموقف وخطورته، وأكثر قدرة على التحرك بسرعة، فبادر إلى ذلك، واختار مجموعة من العسكريين على رأسهم عمر البشير لهذا الأمر".


وهكذا فإن القرضاوي الذي أراد أن يوضح في الفقرة الأولى من الرثاء إيمان الترابي الذي لا يتزحزح بالديمقراطية ورفضه العمل وسط الجيش وتعهده بإسقاط الحكومات العسكرية التي تنقلب على الحكم المدني، قد كشف الحقيقة الجلية المتمثلة في عدم مبدئية الأخوان تجاه النظام الديمقراطي واستعدادهم للانقلاب عليه في إطار سعيهم المحموم للسيطرة على الحكم.  
قد حاول  القرضاوي بمراوغة مفضوحة وتلاعب لفظي مكشوف أن يُصِّور الانقلاب العسكري الذي دبره  الترابي الذي كان قد ادعى في لقائه به في لبنان أن من الأفضل له أن "يكسب معلما في مدرسة خير من أن نكسب ضابطاً في الجيش"، بأنه تحرك من أحد الأقوياء الذين أدركوا خطورة الموقف في البلد !
الحقيقة المؤكدة هى أن الترابي بدأ في زرع خلايا جماعته داخل الجيش منذ سبعينيات القرن الفائت أي بعد لقائه الأول مع القرضاوي ببضع سنوات, وهو الأمر الذي اعترف به في سلسلة لقاءاته  مع عزام التميمي التي بثتها قناة "الحوار" تحت عنوان "مراجعات مع حسن الترابي", مما يؤكد أن موضوع الانقلاب العسكري كان أمرا حاضرا في فكر الرجل على الدوام.
قد اعتقد الترابي اعتقادا جازما أن "الدولة" تمثل الأداة الأكثر فاعلية في إحداث التغيير والإصلاح الاجتماعي ولذلك ظل الوصول للسلطة هو الهدف التي سعى إليه على الدوام وهو ما أدى في خاتمة المطاف للفشل الذريع الذي مُنى به مشروعه الفكري حيث عجز عن استيعاب سنة التاريخ التي حكمت علاقة "العسكري" صاحب الشوكة "بالسياسي" والتي ظلت نتيجتها النهائية دوما هى احتكار الأول للسلطة وإبعاد الثاني عنها.
ظن الترابي أن سيطرته المطلقة على الجماعة التي صنعها وانفرد فيها بلعب الدور الأكبر في إنتاج الأفكار وابتداع الأساليب التنظيمية المتقدمة ستمكنه من الانقلاب على الحكم الديمقراطي، ومن ثم إعادته متى ما شاء بعد أن يطبق مشروع "التمكين" الحزبي، وهنا كمنت أبرز نقاط الضعف في قدرات الرجل الفكرية وثقافته ومعرفته بتجارب الحكم في التاريخ.
فالسلطة بطبيعتها تخلق منظومات مختلفة من المصالح المتشابكة والطموحات المستحدثة وتؤدي لبروز مراكز قوى جديدة لم تكن معروفة في المرحلة السابقة, هذه المراكز لا تحركها الأفكار والمبادئ والحوافز التي ستُبذلُ في "الدار الآخرة"، بل هى تسير وفقا لحاجات البشر وغرائزهم النازعة دوما للسيطرة والتحكم وتحقيق الذات خصوصا بعد تجريبها لمذاق السلطة ولذلك كان أول من انقلب على الترابي هم أقرب تلاميذه الذين علمَّهم الرماية فلما إشتدت منهم السواعد صوَّبوا رماحهم وسهامهم نحوه دون أدنى تردد.


قال الترابي أن الخطة المتفق عليها كانت تقضي باستلام الحكم عن طريق الانقلاب العسكري ومن ثم إعادته مرة أخرى للشعب بعد أن يستتب الأمر للجماعة في الحكم، وهذا المنطق البائس فوق ما ينطوي عليه من إقصاء و استعلاء مكشوف فإنه أيضاً ينم عن سذاجة مثيرة للشفقة و جهل مطبق بسنن التاريخ وطبائع البشر ومحركات السلطة وهو ما يُشكك كثيرا في الهالة الضخمة التي أحاطت بالقدرات الفكرية المزعومة للرجل.
لم يكتف القرضاوي بالمراوغة وعدم تسمية الأشياء بأسمائها، بل مضى أبعد من ذلك ليوضح دور الترابي في الانقلاب ويقول: "وقد التف الشباب المسلم في السودان حول الترابي، واختاروه قائدا للحركة الإسلامية في عموم السودان وعندما قامت الثورة التي هيأ لها الأسباب وقادها بحكمة وانتصرت أبى إلا أن يدخل السجن ويجعل القائد عمر البشير ويأمره أن يدخله السجن، ويدير الأمر من داخل محبسه بالأوراق". 
لا يساورني أدنى شك في أن الترابي إذا قرأ الفقرة أعلاه كان سيصاب بالامتعاض والحسرة والندم, فهى من قبيل المدح بما يشبه الذم, ذلك لأنها مسَّت أكثر الأوتار حساسية في مسيرة الرجل السياسية، وهى الوصمة التي حاول طوال السنوات التي أعقبت مفاصلته مع تلاميذه أن يستغفر الله ويسأله العفو عنها, وحتى أتباعه سعوا أن يلتمسوا له العذر في الممارسات المشينة التي صاحبت تلك الفترة وقالوا أنه كان مُغيَّباً عنها أثناء وجوده في السجن بينما القرضاوي يتهمه دون أدنى وعي بإدارة الأمر من داخل محبسه, فتأمل!   


إذن، القرضاوي  يعمد مرة أخرى لتزييف الحقائق فيسمي الانقلاب العسكري بجرأة شديدة "ثورة", ويؤكد أن الترابي هو من هيأ الأسباب وقاد الانقلاب بحكمة, ومع ذلك يجزم بأن الرجل كان من دعاة الحرية حيث يقول في فقرة تالية من الرثاء إن مرتكزات منهج الترابي تقوم على أن "حرية الشعوب جزء من  الفرائض الإسلامية، التي نجاهد في سبيلها"، وأن "حرية التعبير والفكر والمقاومة للظلم فرائض أساسية".  
غير أن الواقع لا يكذب إدعاء القرضاوي بأن الترابي صاحب منهج يُعلي من قيمة الحرية فحسب بل كذلك يفضحه فيما يرتبط  بآراء الأخير واجتهاداته الدينية.
يعلم الجميع أن الترابي ظل لسنوات طويلة يقول أن الإسلام لا يفرض أية عقوبة على "المرتد" لأن الأصل في أمر العقيدة هو حرية الاختيار, ولكنه عندما أُتيحت له فرصة تطبيق أفكاره وإنزالها لأرض الواقع أبَّان فترة تحكمه المطلق في شؤون البلاد سمح بتمرير القانون الجنائي لسنة 1991 الذي تضمَّن المادة (126) التي تحاكم المرتد بالإعدام!
إذن، نحن هنا بإزاء رجل مضطرب الفكر، يقول الشيء ويفعل نقيضه، ويبرر لذلك بالقول أن "السياسة كلها تدابير" أي تحايل وخداع، وهذه ليست من صفات المفكرين الكبار الذين يستقيمون على نهجهم في كل الظروف ويفرقون بين المواقف السياسية التي تحتمل التغيير والتبديل والمبادئ التي تظل ثابتة في جميع الأحوال.
لا أحد يستطيع مصادرة حق القرضاوي في الحديث عن الترابي بالطريقة التي يراها, ولكن ليس من حقه أن يغالط في حقائق الواقع و يخلط الأمور ويسمي الأشياء بغير أسمائها, فهو بذلك يلج بابا محظورا في مقام الكلمة و الفكر والمبادئ.
 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.