ليدي غاغا - حفل تنصيب بايدن
"ما يتبادر إلى ذهن أغلب المتابعين العرب للحفل أن هؤلاء مجرد فنانات يباركن للرئيس الجديد فوزه كما يحدث في الدول العربية، ولكن الحقيقة مختلفة تماما، فهؤلاء ناشطات سياسيات رئيسيات في الحزب الديمقراطي"

كان يوم العشرين من يناير كانون ثاني 2021 استثنائيا في تاريخ الولايات المتحدة، فبعد أسبوعين من حادثة اقتحام لا سابقة لها لمبنى الكابيتول هيل أثبتت دولة المؤسسات الأمريكية أن ديموقراطيتها قوية ومتينة بما فيه الكفاية لمواجهة كافة التحديات.

وأكدت الولايات المتحدة على ذلك في النجاح الكبير للاحتفال بتنصيب بايدن الذي تابعه العالم كله دقيقة بدقيقة، ولكن الديمقراطية الأمريكية سجلت نجاحا إضافيا وقفزة كبيرة إلى الأمام من خلال الحضور الاستثنائي الذي لم يسبق له مثيل للمرأة في الحياة السياسية الأمريكية. 

فللمرة الأولى في التاريخ الأميركي كان منصب نائب الرئيس من نصيب امرأة، هي السياسية والمحامية من أصول آسيوية-أفريقية، كامالا هاريس، عضوة مجلس الشيوخ البارزة عن ولاية كاليفورنيا والتي صعد نجمها خلال السنوات الماضية نتيجة دورها المميز في جلسات استجواب مسؤولي إدارة ترامب.

وساهم في تقدم كامالا المناصب السياسية، خبرتها القانونية كمدعية عامة لولاية كاليفورنيا لسنوات طويلة، مما مهد لها الطريق لتكون مرشحة قوية للانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، وخلال هذه الحملة هاجمت المرشح، آنذاك، جو بايدن على مواقف قديمة له فيها شبهة عنصرية، ولكن ذلك لم يمنع بايدن فيما بعد من اختيارها نائبة له نتيجة اقتناعه بكفاءتها.

وانطباع القوة الذي تركته هاريس خلال حياتها السياسية يوحي بأنها لن تكون نائبة رئيس تقليدية وأن  دورها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية سيكون كبيرا. 

وحسب الدستور الأميركي، يأتي منصب رئيس مجلس النواب في المركز الثالث في هرم السلطة بعد الرئيس ونائبه، وتحتل هذا المنصب حاليا السياسية المخضرمة، نانسي بيلوسي، المرأة الحديدية التي قيل إنه لم يسبق أن انتصر من راهن على مواجهتها، والتي وقفت دائما بحزم مع قناعاتها حتى عندما كانت الشعبوية تتحكم بجزء كبير من الشارع الأميركي.

ولم تتميز بيلوسي بالقوة فقط، بل بالحكمة أيضا، فلم تكن تنصت مثلا لمطالب المندفعين من يسار حزبها الذين كانوا يدعون لمساءلة ترامب قبل اكتمال الأدلة ووجود أساس قانوني كافٍ لمحاكمته. 

وفي هذه الإدارة الجديدة تم تعيين إفريل هينز، المسؤولة السابقة في وكالة الاستخبارات الأميركية، مديرةً لأجهزة الاستخبارات الوطنية، وهي أول امرأة في التاريخ الأميركي تترأس كافة أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة، والتي يبلغ عددها 18 جهازا.

وبعد استجوابها في مجلس الشيوخ واتضاح قدرتها وكفاءتها على القيام بواجبها تمت الموافقة على تعيين هينز بأغلبية كبيرة حتى من قبل الجمهوريين لتكون أول عضو في إدارة بايدن يتم تثبيته في منصبه. 

كما تم اختيار، جانيت يلين، الاقتصادية والرئيسة السابقة للاحتياطي الفيدرالي، كأول امرأة في منصب وزيرة الخزانة الأمريكية، وهو منصب حساس جدا حاليا نتيجة الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي سببها وباء كورونا.

ويعلّق الديمقراطيون والجمهوريون آمالا كبيرة على يلين بسبب قدرتها على التفاوض مع الكونغرس الجديد على خطط لدعم الاقتصاد ومواجهة الركود وتعديل سلم الضرائب، بحيث ترتفع على الأكثر ثراءا مع فرض ضرائب إضافية على الانبعاثات الكربونية، والتفاوض مع الشركات متعددة الجنسيات والشركات الرقمية العملاقة، مثل أمازون وآبل وغوغل وفيسبوك التي حققت أرباحا طائلة خلال جائحة كورونا حتى تقوم بدفع ضرائب تتناسب مع أرباحها للخزينة الأمريكية.  

كذلك برز اختار بايدن، ديب هالاند، لمنصب وزيرة الداخلية، وهي أم عزباء وأول شخص من السكان الأصليين يستلم منصب وزاري، ومن مهمات حقيبة الداخلية حماية الأرياف والأنهار والثروات الطبيعية والإشراف على السكان الأصليين ومحمياتهم، وقالت تعليقا على ذلك إن "صوتا مثل صوتي لم يصل أبدا في الماضي، سأكون قوية نيابة عنكم وعن أرضنا وعن كل محمياتنا الطبيعية".

كما تتميز هالاند بأنها داعمة قوية للطاقة النظيفة ومكافحة التغيّر المناخي.

وتم اختيار، جينا ريموندو، لمنصب وزيرة التجارة، وستكون أولى مسؤولياتها إدارة العلاقات التجارية المعقدة مع الصين، التي قد تأخذ شكل حرب تجارية وتنظيم عمل شركات التكنولوجيا العملاقة. 

ورشح بايدن أيضا، فيكتوريا نولاند، نائبة لوزير الخارجية، وعلقت مجلة "ناشيونال إنترست" على ذلك، إن إدارة بايدن اختارت بتعيينها مسار مواجهة روسيا، لأن نولاند كانت المشرفة على شؤون الجمهوريات السوفييتية السابقة ودعت وقتها لتشكيل جبهة عالمية لمواجهة العدوان العسكري الروسي.

كما دعمت نولاند الثورة الأوكرانية، عام 2014، حتى أنها نزلت شخصيا لساحات كييف والتقت مع المتظاهرين، ومن الصعب ذكر جميع النساء اللاتي تم اختيارهن للمناصب الحساسة في هذه الإدارة، ولكن المؤكد أن عددهن أكبر مما هو معروف في الإدارات السابقة، وأن وجود هؤلاء النساء لن يكون مجرد ديكور او تجميل يحيط بالعملية السياسية لأنهن جميعا من الشخصيات القيادية التي ستساهم في رسم السياسة الأمريكية المقبلة. 

حتى إحياء حفل التنصيب كان من نصيب ثلاثة سيدات، أوّلهن الليدي غاغا التي أدّت النشيد الوطني الأميركي، ثم تبعتها جنيفير لوبيز في تقديم أغنية وطنية قديمة هي "أميركا الجميلة"، ثم خاطبت باللغة الإسبانية جمهورها قائلة إن "الأميركيين أمة واحدة في ظل الله ومع الحرية والعدالة"، كما ألقت شاعرة سمراء في الثانية والعشرين من عمرها قصيدة من تأليفها "التل الذي نتسلّقه" في إشارة إلى الكابيتول هيل دعت فيها إلى الوحدة الوطنية. 

وما يتبادر إلى ذهن أغلب المتابعين العرب للحفل أن هؤلاء مجرد فنانات يباركن للرئيس الجديد فوزه كما يحدث في الدول العربية، ولكن الحقيقة مختلفة تماما، فهؤلاء ناشطات سياسيات رئيسيات في الحزب الديمقراطي عملن بقوة على دعم بايدن وساهمن في فوزه.

واعترافا بجهودهن تم تكريمهن بإحياء حفل التنصيب، فجنيفير لوبيز واحدة من أكثر الشخصيات من أصول لاتينية تأثيرا في البلاد، كما وضعت مجلة "فوربس" ليدي غاغا في المرتبة الرابعة ضمن أكثر سيدة تأثيرا في العالم. 

وتفاوتت ردود الأفعال على حفل التنصيب في المنطقة العربية، وكان من الطبيعي أن يستغرب رجال الأزهر وأمثالهم من شيوخ السلاطين أن تحيي مناسبة وطنية كبيرة سيدات اعتدن على ارتداء ملابس "خادشة للحياء" في جميع استعراضاتهن وأفلامهن، مع ما تثيره أجسادهن ورقصاتهن من الشهوة عند هؤلاء الرجال المهووسين بالمرأة والجنس. 

أما نشطاء الأخوان المسلمين وبقية أحزاب الإسلام السياسي فلم يروا من حفل التنصيب سوى قيام بايدن بالصلاة في كنيسة قبل أدائه للقسم على إنجيل قديم لعائلته، وعبّر عن ذلك أحدهم في تعليق متذاكٍ: "ماذا سيكون رأي العالم لو صلّى رئيس مسلم ركعتين قبل تأدية القسم على القرآن"، في تجاهل متعمد لحقيقة أن الولايات المتحدة دولة علمانية تحكمها قوانين وضعية ومن حق الإنسان فيها أن يؤمن بأي دين يختاره أو ألا يمارس أي دين. 

في حين تؤمن تنظيمات الإسلام السياسي أن الحاكمية لله وتريد تطبيق الشريعة "السمحة" التي تقطع يد السارق وترجم الزاني وترى أن عقوبة تارك الصلاة أو الدين هي القتل وتريد دفن النساء في الحياة لأنها تعتبر وقوعهنّ في الحب جريمة، ولكن شيوخ السلاطين وأحزاب الإسلام السياسي اتفقوا على أن هذا الدور الكبير للمرأة في قيادة أميركا حاليا يؤشّر إلى أن هذا البلد يسير نحو الانهيار، لأنه "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"! 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.