الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن سيصدر فور دخوله إلى البيت الأبيض 17 أمرا رئاسيا
بايدن بدأ مهامه الرئاسية في البيت الأبيض في 20 يناير.

"هل تعلم أن وزير الخارجية في الإدارة القادمة، وكذلك وزيرة المالية ونائبة وزير الخارجية ووزير العدل ووزير الأمن الداخلي ومديرة المخابرات الوطنية ومدير وكالة المخابرات المركزية ورئيس أركان البيت الأبيض، هم من اليهود؟ هل تعلم أن زوج نائبة الرئيس كامالا هاريس هو أيضاً يهودي، وأن أولاد الرئيس جو بايدن الثلاثة متزوجون من يهود؟".

هي "معلومات" يجري تناقلها على منصات التواصل الاجتماعي في المحيط العربي كما في الولايات المتحدة، جهاراً هنالك وبما هو أقرب إلى السر هنا. ولكنها ليست معلومات بريئة. أي أن الغرض منها ليس التحقيق بظاهرة تثير الفضول العلمي أو الاستغراب. كأن يكون السؤال مثلاً "هل تعلم أن غالبية قضاة المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة هم من الكاثوليك؟" (هم كذلك). بل الهدف من "السؤال" عن "اليهود" هو إثبات تهمة، وإن من خلال مجرد التلويح بما يراد به أن يكون شبهة. أما التهمة، فهي أن "اليهود يتحكمون بالعالم".

أولاً، لا بد من القول إن أمر هؤلاء "اليهود الذين يتحكمون بالعالم" غريب بالفعل. إذ هم، على ما يبدو، قد نجحوا بإحكام القبضة على كل شيء وفي كل مكان وزمان، وسيطروا على القاصي والداني، غير أنه قد فاتهم إخفاء أثرهم في استيلائهم على السلطة في الولايات المتحدة. أما كان بوسعهم مثلاً وضع بعض الدمى في مراكز القرار والبقاء خلف الستار؟ بل ثمة من يرى أنهم يفعلون ذلك أحياناً، ويمسكون عنه حيناً. فإذا كان المسؤول غير يهودي، فهم يسيّرونه في الخفاء لجبنهم وخبثهم، أما إذا كان المسؤول يهودياً، فذاك دليل واضح على جسارتهم وغطرستهم. أي إن "تحكم اليهود بالعالم" ليس تهمة تحتاج إلى الدليل لإثباتها، بل إدانة مستمرة يثار الدليل المزعوم، أو القرينة أو الشبهة أو الوهم، بين الحين والآخر، ليطمئن قلب المؤمن بها.

ولكن، فيما يتعدى المنغمسين بقناعة تحكّم "اليهود" بالعالم، أليس ثمة أسئلة تستحق النظر والتمحيص حول هذه المعطيات؟ أليس غريباً أن تكون نسبة اليهود في مراكز القرار على هذا القدر من الارتفاع؟ وألا تنسجم هذه الوقائع مع الحقائق التاريخية بأن العالم بأسره، على مدى ألفيتين وأكثر، قد عانى ولا يزال من "المسألة اليهودية"؟ ألم يطرد اليهود من كافة البلدان لخياناتهم المتواصلة، وأليسوا هم من يقف خلف الثورات على مدى التاريخ. وما جلبته من بلاء للإنسانية؟

الإشكالية في السؤال الأساسي هي أنه مبني على مغالطات مركبّة، تتجلى بالأسئلة الملحقة، الناطقة والمضمرة، والتي لا تفارقه. بل تكاد هذه أن تكون مسلّمات بشكل أسئلة، تدفع بالإجابة على السؤال باتجاه واحد، أي الإقرار بأن "اليهود يتحكمون بالعالم".

هي مغالطات لأنها تعمّم تجربة الجاليات اليهودية في أوروبا على العالم، بل تصوّر التاريخ على أنه سجال بين أقلية فاسدة ظالمة، اليهود، وأكثرية مظلومة ربما ساذجة إلى حين قبل أن تضطر إلى اتخاذ الإجراءات الدفاعية. الواقع هو أن الطرد من أوروبا المسيحية لم يقتصر على اليهود بل طال المسلمين كذلك، والاضطهاد والقتل فتك بسائر الأقليات الدينية، مثل الكاثار والبوغوميل وأتباع الديانات الأولى. أي أن العامل الأول ليس الأقلية وخبثها بل الأكثرية في قلقها وذلك خلافاً للقراءة التي تريد استقصاء الأزمة في العلاقة بين الأقلية اليهودية والأكثرية المسيحية إلى الممارسات والقناعات اليهودية، متجاهلة سياق التهميش الممنهج والاضطهاد المتواصل والاستغلال المبرمج للجاليات اليهودية. فمثلاً حيث الكنيسة قيّدت الربا، أتاحت السلطات الملكية للمرابين اليهود الشروع به لفائدتها وتحت سطوتها ووفق إرادتها، ويوم اقتضت مصلحتها فضّ الترتيب، كان الترحيل، عند الحد الأدنى، والتنكيل والقتل والإبادة، وفق مقتضى الحال.

كيف أن اليهود الأوروبيين قد تمكنوا من بعض النجاة ليس تهمة تلقى عليهم، بل إنجاز يحسب لهم. وكيف أن كثيرهم تمسك بالحداثة ورأى في ما صلبها من دعوة مساواة مخرجاً من القمع والظلم لا يعني أنهم هم من اجترح "الأنوار"، وإن كانت لهم، كما لغيرهم، فيها مساهمات. ولا يمكن فصل اندفاعهم إلى الثورة في روسيا عن العزل والمجازر، والتي عانوا منها بتصاعد في المرحلة السابقة للثورة. ولا يمكن النظر بميلهم إلى الصهيونية خارج إطار دعوات الاختزال القومية، في عموم المحيط الأوروبي، والتي جعلت منهم "شعباً بلا أرض" في أوطانهم، على النقيض من مقتضى الحداثة، والتي كان من شأنها فتح باب المواطنة المتساوية لهم.

فيما الغرب يعيد النظر بهذه التجربة، يجتهد بعض الفكر العربي في مسعى استيعاب المقومات الغربية للعداء لليهود، ويعمل على تأصيلها في الوجدان العام، سياسياً ثم تاريخياً ثم دينياً. بعض حلّ "المسألة اليهودية" الأوروبية كان دون شك على حساب السكان الفلسطينيين، أصحاب الحاضر والجذور في بلادهم، والتي انتقلت بها السردية الكبرى من المجاز المعنوي كـ"أرض الميعاد" إلى المخرج من قضية أربكت الارتقاء الغربي نحو الحداثة.

غير أن الارتباك في حساب الحقوق والمظالم كان كذلك ولا يزال سيد الموقف، في مواجهة أساء فيها الطرف المؤيد للحق الفلسطيني الأداء، وبدلاً من تقييم صادق للتقصير والقصور، كان الميل ولا يزال نحو زعم الجبروت للخصم، بما يضمن العذر ويعفي من إعادة الاعتبار.

ولكن كل هذا لا ينفي "المعلومات" المذكورة.

واقع الأمر هو أن هذه "المعلومات" ناقصة. إذ لو جرى التمحيص بكامل طاقم عمل هذا الرئيس، والرئيس الذي سبقه، ومن سبق من سبقه، لتبين أن "البصمات" اليهودية، وفق المعيار الذي تريد هذه "المعلومات" اعتماده، هي أكثر بكثير من المذكور.

المجتمع الأميركي، بالإجمال وبعض التسطيح، قسمان. أحدهما محافظ، متديّن وفق أشكال تتماهى مع السائد في الشرق الأوسط. أما الآخر فمنفتح، لا يغيب عنه التدين ولكنه متقبل للتعددية في الدين والهوية والصورة الذاتية. لا يصطف هذان القسمان بالكامل مع الحزبين، الواحد في مواجهة الآخر، رغم الميل هنا وهنالك. 

الأميركيون اليهود، عددياً، وفق التقديرات الإحصائية، وهي القائمة على مفهوم الهوية الأحادية، قد لا يتجاوزون الإثنين بالمئة من تعداد السكان. ولكن حضورهم، الاجتماعي أولاً، يفوق هذه النسبة الضئيلة بأضعاف. إذ لا تكاد تخلو أسرة، ولا يكاد يمتنع أي فرد، ضمن القسم المنفتح من المجتمع في الولايات المتحدة، من بعض الخلفية اليهودية، نسباً أو صهراً. وهذا التواجد الاجتماعي العميق، لا العقيدة الدينية، هو ما يجعل الولايات المتحدة بالفعل ذات خلفية "يهودية - مسيحية".

غير أن المسألة لا تقتصر على الانتشار الاجتماعي. بل إن الجاليات اليهودية المختلفة التي جاءت إلى الولايات المتحدة من أوروبا، حطت رحالها في هذه البلاد وهي محمّلة بمشاعر القلق إزاء وجودها، نتيجة تجربتها ومعاناتها، وبالقيم التي مكنتها من النجاة عبر تاريخ متخم بالقمع. هذه القيم، ولا سيما منها الإنجاز والنجاح والتعاضد، حين وضعت موضع التطبيق في سياق أقل تقييداً، أنتجت تقدماً غير مسبوق هنا. ليس هذا كل التفسير لظاهرة التفوق في صفوف الأميركيين اليهود، ولكنه جزء رئيسي منه. فالحضور اليهودي في كافة القطاعات الطليعية، العلمية والجامعية والمهنية، كما في الاقتصاد والمال والفن والترفيه، وصولاً إلى النشاط الحقوقي والسياسي، بارز وجلي، ويفوق بأشواط النسبة العددية الضئيلة. ولكنه حضور على صورة الولايات المتحدة، فيها ومنها ولها، طبيعي نابع من ذاته باحتضان تلقائي من عموم المجتمع له، وطافح بالتماسك والتجاذب والاختلاف. مطمئن بمعظمه، مرتاب عند أطرافه، يجمع الكثير من التأييد لإسرائيل، على أنها بعض الخاتمة لتاريخ مرير من التيه والتشرد، والكثير من التأييد للقضايا الإنسانية جمعاء، بعد ارتقاء داخل الإطار الديني وخارجه، بمعظم الفكر اليهودي من المستوى الذاتي القبلي إلى المستوى الإنساني العالمي. القضايا المحقة كلها، بما في ذلك القضية الفلسطينية، دون أن ينتفي عن هذا الفكر حضور النزعات الاستعلائية أو الانعزالية، وإن عند الهامش.

النتيجة هي أنه بين الأميركيين اليهود من هم من أمتن المناصرين لإسرائيل، بقائها وأمنها وازدهارها، ومنهم من هو من أشد الناقدين لها والمعترضين على سلوكها، فيما معظمهم يوازن بين هذا التوجه وذاك. ومن الأميركيين اليهود أكثرية في طليعة الداعمين للقضايا التقدمية، ومنهم بعض أسخى من موّل حملة دونالد ترامب. هم مختلفون بقناعاتهم وسياساتهم، كما سائر الأميركيين مختلفون.

ما ليسوا عليه هو ما يريده لهم المنشغلون بكائن آخر. هذا الكائن هو "اليهود" ككم أحادي مشخصن، خرافي إذا ما جوبه بالواقع، ولكنه حقيقة منتجة (بل مستنزفة) لدى من "يؤمن" به. يجتمع ويقرّر وينفّذ، بالسر طبعاً، ويعتمد توزيع الأدوار للتمويه، ويعمل على إخفاء مكائده وأفعاله بالكذب والتدليس (هذا المقال هو جزء من هذا المسعى)، ويحكم العالم ويتحكم به.

هو لا يتحكم بكل العالم. يتحكم وحسب ببعض أذهان من يزعم له العداء، فيمنع عنهم المواقف المبنية على القراءات الوقائعية ويبعدهم عن التوجهات التوفيقية الجلية النتائج حيث الخلاف، ويدفعهم باتجاه خطوات تحاكي ما ينسب إليه من تقصّد الأذى.

نجاح الأميركيين اليهود على قدر كبير من الأهمية. ولكنه ليس خروجاً عن سوابق التاريخ، ولا يستوجب استدعاء المنطق السحري. الأميركيون اليهود وسائر المواطنين من ذوي الخلفيات اليهودية في معظم الدول، لا يختلفون عن غيرهم. بعضهم المؤثّر وبعضهم عديم التأثير. بعضهم متسع الآفاق، وبعضهم ضيّق التفكير. ما ليسوا بالتأكيد هو كمّ أحادي وكيان متجانس عابر للدول والمجتمعات، وإن أراد لهم ذلك بعض عقائدييهم. ثمة من يريد إيقاظ المارد العربي، وثمة من يريد إيقاظ المارد اليهودي. أما "اليهود"، في مخيلة من يكّن لهم العداء، فمارد بل عفريت متحقق. هو عفريت قاتل بالفعل، ضحاياه من اليهود، إذ يستهدفهم خصومهم مباشرة، ولكن كذلك من الفلسطينيين، إذ تمتنع عنهم الحلول الموضوعية.

شكوى تتكرر في صفوف من يعادي اليهود، هي أن العالم، من فلسطين إلى الولايات المتحدة. يشهد "تهويداً" متواصلاً. هي شكوى تنضوي على الصدق، وإن من حيث لا يريد أصحابها. "التهويد" الحاصل هو هذا الانشغال المفرط بكائن مستقل عن الواقع، هو "اليهود" كتجسيد للشر والأذى. ربما أن الرقية من هذا الكائن العلوي تتحقق بإعادة الاعتبار لليهود الحقيقيين، كأفراد وكجماعات، في الولايات المتحدة وإسرائيل وسائر العالم.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!