"هل تعلم أن وزير الخارجية في الإدارة القادمة، وكذلك وزيرة المالية ونائبة وزير الخارجية ووزير العدل ووزير الأمن الداخلي ومديرة المخابرات الوطنية ومدير وكالة المخابرات المركزية ورئيس أركان البيت الأبيض، هم من اليهود؟ هل تعلم أن زوج نائبة الرئيس كامالا هاريس هو أيضاً يهودي، وأن أولاد الرئيس جو بايدن الثلاثة متزوجون من يهود؟".
هي "معلومات" يجري تناقلها على منصات التواصل الاجتماعي في المحيط العربي كما في الولايات المتحدة، جهاراً هنالك وبما هو أقرب إلى السر هنا. ولكنها ليست معلومات بريئة. أي أن الغرض منها ليس التحقيق بظاهرة تثير الفضول العلمي أو الاستغراب. كأن يكون السؤال مثلاً "هل تعلم أن غالبية قضاة المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة هم من الكاثوليك؟" (هم كذلك). بل الهدف من "السؤال" عن "اليهود" هو إثبات تهمة، وإن من خلال مجرد التلويح بما يراد به أن يكون شبهة. أما التهمة، فهي أن "اليهود يتحكمون بالعالم".
أولاً، لا بد من القول إن أمر هؤلاء "اليهود الذين يتحكمون بالعالم" غريب بالفعل. إذ هم، على ما يبدو، قد نجحوا بإحكام القبضة على كل شيء وفي كل مكان وزمان، وسيطروا على القاصي والداني، غير أنه قد فاتهم إخفاء أثرهم في استيلائهم على السلطة في الولايات المتحدة. أما كان بوسعهم مثلاً وضع بعض الدمى في مراكز القرار والبقاء خلف الستار؟ بل ثمة من يرى أنهم يفعلون ذلك أحياناً، ويمسكون عنه حيناً. فإذا كان المسؤول غير يهودي، فهم يسيّرونه في الخفاء لجبنهم وخبثهم، أما إذا كان المسؤول يهودياً، فذاك دليل واضح على جسارتهم وغطرستهم. أي إن "تحكم اليهود بالعالم" ليس تهمة تحتاج إلى الدليل لإثباتها، بل إدانة مستمرة يثار الدليل المزعوم، أو القرينة أو الشبهة أو الوهم، بين الحين والآخر، ليطمئن قلب المؤمن بها.
ولكن، فيما يتعدى المنغمسين بقناعة تحكّم "اليهود" بالعالم، أليس ثمة أسئلة تستحق النظر والتمحيص حول هذه المعطيات؟ أليس غريباً أن تكون نسبة اليهود في مراكز القرار على هذا القدر من الارتفاع؟ وألا تنسجم هذه الوقائع مع الحقائق التاريخية بأن العالم بأسره، على مدى ألفيتين وأكثر، قد عانى ولا يزال من "المسألة اليهودية"؟ ألم يطرد اليهود من كافة البلدان لخياناتهم المتواصلة، وأليسوا هم من يقف خلف الثورات على مدى التاريخ. وما جلبته من بلاء للإنسانية؟
الإشكالية في السؤال الأساسي هي أنه مبني على مغالطات مركبّة، تتجلى بالأسئلة الملحقة، الناطقة والمضمرة، والتي لا تفارقه. بل تكاد هذه أن تكون مسلّمات بشكل أسئلة، تدفع بالإجابة على السؤال باتجاه واحد، أي الإقرار بأن "اليهود يتحكمون بالعالم".
هي مغالطات لأنها تعمّم تجربة الجاليات اليهودية في أوروبا على العالم، بل تصوّر التاريخ على أنه سجال بين أقلية فاسدة ظالمة، اليهود، وأكثرية مظلومة ربما ساذجة إلى حين قبل أن تضطر إلى اتخاذ الإجراءات الدفاعية. الواقع هو أن الطرد من أوروبا المسيحية لم يقتصر على اليهود بل طال المسلمين كذلك، والاضطهاد والقتل فتك بسائر الأقليات الدينية، مثل الكاثار والبوغوميل وأتباع الديانات الأولى. أي أن العامل الأول ليس الأقلية وخبثها بل الأكثرية في قلقها وذلك خلافاً للقراءة التي تريد استقصاء الأزمة في العلاقة بين الأقلية اليهودية والأكثرية المسيحية إلى الممارسات والقناعات اليهودية، متجاهلة سياق التهميش الممنهج والاضطهاد المتواصل والاستغلال المبرمج للجاليات اليهودية. فمثلاً حيث الكنيسة قيّدت الربا، أتاحت السلطات الملكية للمرابين اليهود الشروع به لفائدتها وتحت سطوتها ووفق إرادتها، ويوم اقتضت مصلحتها فضّ الترتيب، كان الترحيل، عند الحد الأدنى، والتنكيل والقتل والإبادة، وفق مقتضى الحال.
كيف أن اليهود الأوروبيين قد تمكنوا من بعض النجاة ليس تهمة تلقى عليهم، بل إنجاز يحسب لهم. وكيف أن كثيرهم تمسك بالحداثة ورأى في ما صلبها من دعوة مساواة مخرجاً من القمع والظلم لا يعني أنهم هم من اجترح "الأنوار"، وإن كانت لهم، كما لغيرهم، فيها مساهمات. ولا يمكن فصل اندفاعهم إلى الثورة في روسيا عن العزل والمجازر، والتي عانوا منها بتصاعد في المرحلة السابقة للثورة. ولا يمكن النظر بميلهم إلى الصهيونية خارج إطار دعوات الاختزال القومية، في عموم المحيط الأوروبي، والتي جعلت منهم "شعباً بلا أرض" في أوطانهم، على النقيض من مقتضى الحداثة، والتي كان من شأنها فتح باب المواطنة المتساوية لهم.
فيما الغرب يعيد النظر بهذه التجربة، يجتهد بعض الفكر العربي في مسعى استيعاب المقومات الغربية للعداء لليهود، ويعمل على تأصيلها في الوجدان العام، سياسياً ثم تاريخياً ثم دينياً. بعض حلّ "المسألة اليهودية" الأوروبية كان دون شك على حساب السكان الفلسطينيين، أصحاب الحاضر والجذور في بلادهم، والتي انتقلت بها السردية الكبرى من المجاز المعنوي كـ"أرض الميعاد" إلى المخرج من قضية أربكت الارتقاء الغربي نحو الحداثة.
غير أن الارتباك في حساب الحقوق والمظالم كان كذلك ولا يزال سيد الموقف، في مواجهة أساء فيها الطرف المؤيد للحق الفلسطيني الأداء، وبدلاً من تقييم صادق للتقصير والقصور، كان الميل ولا يزال نحو زعم الجبروت للخصم، بما يضمن العذر ويعفي من إعادة الاعتبار.
ولكن كل هذا لا ينفي "المعلومات" المذكورة.
واقع الأمر هو أن هذه "المعلومات" ناقصة. إذ لو جرى التمحيص بكامل طاقم عمل هذا الرئيس، والرئيس الذي سبقه، ومن سبق من سبقه، لتبين أن "البصمات" اليهودية، وفق المعيار الذي تريد هذه "المعلومات" اعتماده، هي أكثر بكثير من المذكور.
المجتمع الأميركي، بالإجمال وبعض التسطيح، قسمان. أحدهما محافظ، متديّن وفق أشكال تتماهى مع السائد في الشرق الأوسط. أما الآخر فمنفتح، لا يغيب عنه التدين ولكنه متقبل للتعددية في الدين والهوية والصورة الذاتية. لا يصطف هذان القسمان بالكامل مع الحزبين، الواحد في مواجهة الآخر، رغم الميل هنا وهنالك.
الأميركيون اليهود، عددياً، وفق التقديرات الإحصائية، وهي القائمة على مفهوم الهوية الأحادية، قد لا يتجاوزون الإثنين بالمئة من تعداد السكان. ولكن حضورهم، الاجتماعي أولاً، يفوق هذه النسبة الضئيلة بأضعاف. إذ لا تكاد تخلو أسرة، ولا يكاد يمتنع أي فرد، ضمن القسم المنفتح من المجتمع في الولايات المتحدة، من بعض الخلفية اليهودية، نسباً أو صهراً. وهذا التواجد الاجتماعي العميق، لا العقيدة الدينية، هو ما يجعل الولايات المتحدة بالفعل ذات خلفية "يهودية - مسيحية".
غير أن المسألة لا تقتصر على الانتشار الاجتماعي. بل إن الجاليات اليهودية المختلفة التي جاءت إلى الولايات المتحدة من أوروبا، حطت رحالها في هذه البلاد وهي محمّلة بمشاعر القلق إزاء وجودها، نتيجة تجربتها ومعاناتها، وبالقيم التي مكنتها من النجاة عبر تاريخ متخم بالقمع. هذه القيم، ولا سيما منها الإنجاز والنجاح والتعاضد، حين وضعت موضع التطبيق في سياق أقل تقييداً، أنتجت تقدماً غير مسبوق هنا. ليس هذا كل التفسير لظاهرة التفوق في صفوف الأميركيين اليهود، ولكنه جزء رئيسي منه. فالحضور اليهودي في كافة القطاعات الطليعية، العلمية والجامعية والمهنية، كما في الاقتصاد والمال والفن والترفيه، وصولاً إلى النشاط الحقوقي والسياسي، بارز وجلي، ويفوق بأشواط النسبة العددية الضئيلة. ولكنه حضور على صورة الولايات المتحدة، فيها ومنها ولها، طبيعي نابع من ذاته باحتضان تلقائي من عموم المجتمع له، وطافح بالتماسك والتجاذب والاختلاف. مطمئن بمعظمه، مرتاب عند أطرافه، يجمع الكثير من التأييد لإسرائيل، على أنها بعض الخاتمة لتاريخ مرير من التيه والتشرد، والكثير من التأييد للقضايا الإنسانية جمعاء، بعد ارتقاء داخل الإطار الديني وخارجه، بمعظم الفكر اليهودي من المستوى الذاتي القبلي إلى المستوى الإنساني العالمي. القضايا المحقة كلها، بما في ذلك القضية الفلسطينية، دون أن ينتفي عن هذا الفكر حضور النزعات الاستعلائية أو الانعزالية، وإن عند الهامش.
النتيجة هي أنه بين الأميركيين اليهود من هم من أمتن المناصرين لإسرائيل، بقائها وأمنها وازدهارها، ومنهم من هو من أشد الناقدين لها والمعترضين على سلوكها، فيما معظمهم يوازن بين هذا التوجه وذاك. ومن الأميركيين اليهود أكثرية في طليعة الداعمين للقضايا التقدمية، ومنهم بعض أسخى من موّل حملة دونالد ترامب. هم مختلفون بقناعاتهم وسياساتهم، كما سائر الأميركيين مختلفون.
ما ليسوا عليه هو ما يريده لهم المنشغلون بكائن آخر. هذا الكائن هو "اليهود" ككم أحادي مشخصن، خرافي إذا ما جوبه بالواقع، ولكنه حقيقة منتجة (بل مستنزفة) لدى من "يؤمن" به. يجتمع ويقرّر وينفّذ، بالسر طبعاً، ويعتمد توزيع الأدوار للتمويه، ويعمل على إخفاء مكائده وأفعاله بالكذب والتدليس (هذا المقال هو جزء من هذا المسعى)، ويحكم العالم ويتحكم به.
هو لا يتحكم بكل العالم. يتحكم وحسب ببعض أذهان من يزعم له العداء، فيمنع عنهم المواقف المبنية على القراءات الوقائعية ويبعدهم عن التوجهات التوفيقية الجلية النتائج حيث الخلاف، ويدفعهم باتجاه خطوات تحاكي ما ينسب إليه من تقصّد الأذى.
نجاح الأميركيين اليهود على قدر كبير من الأهمية. ولكنه ليس خروجاً عن سوابق التاريخ، ولا يستوجب استدعاء المنطق السحري. الأميركيون اليهود وسائر المواطنين من ذوي الخلفيات اليهودية في معظم الدول، لا يختلفون عن غيرهم. بعضهم المؤثّر وبعضهم عديم التأثير. بعضهم متسع الآفاق، وبعضهم ضيّق التفكير. ما ليسوا بالتأكيد هو كمّ أحادي وكيان متجانس عابر للدول والمجتمعات، وإن أراد لهم ذلك بعض عقائدييهم. ثمة من يريد إيقاظ المارد العربي، وثمة من يريد إيقاظ المارد اليهودي. أما "اليهود"، في مخيلة من يكّن لهم العداء، فمارد بل عفريت متحقق. هو عفريت قاتل بالفعل، ضحاياه من اليهود، إذ يستهدفهم خصومهم مباشرة، ولكن كذلك من الفلسطينيين، إذ تمتنع عنهم الحلول الموضوعية.
شكوى تتكرر في صفوف من يعادي اليهود، هي أن العالم، من فلسطين إلى الولايات المتحدة. يشهد "تهويداً" متواصلاً. هي شكوى تنضوي على الصدق، وإن من حيث لا يريد أصحابها. "التهويد" الحاصل هو هذا الانشغال المفرط بكائن مستقل عن الواقع، هو "اليهود" كتجسيد للشر والأذى. ربما أن الرقية من هذا الكائن العلوي تتحقق بإعادة الاعتبار لليهود الحقيقيين، كأفراد وكجماعات، في الولايات المتحدة وإسرائيل وسائر العالم.

