الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن سيصدر فور دخوله إلى البيت الأبيض 17 أمرا رئاسيا
بايدن بدأ مهامه الرئاسية في البيت الأبيض في 20 يناير.

"هل تعلم أن وزير الخارجية في الإدارة القادمة، وكذلك وزيرة المالية ونائبة وزير الخارجية ووزير العدل ووزير الأمن الداخلي ومديرة المخابرات الوطنية ومدير وكالة المخابرات المركزية ورئيس أركان البيت الأبيض، هم من اليهود؟ هل تعلم أن زوج نائبة الرئيس كامالا هاريس هو أيضاً يهودي، وأن أولاد الرئيس جو بايدن الثلاثة متزوجون من يهود؟".

هي "معلومات" يجري تناقلها على منصات التواصل الاجتماعي في المحيط العربي كما في الولايات المتحدة، جهاراً هنالك وبما هو أقرب إلى السر هنا. ولكنها ليست معلومات بريئة. أي أن الغرض منها ليس التحقيق بظاهرة تثير الفضول العلمي أو الاستغراب. كأن يكون السؤال مثلاً "هل تعلم أن غالبية قضاة المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة هم من الكاثوليك؟" (هم كذلك). بل الهدف من "السؤال" عن "اليهود" هو إثبات تهمة، وإن من خلال مجرد التلويح بما يراد به أن يكون شبهة. أما التهمة، فهي أن "اليهود يتحكمون بالعالم".

أولاً، لا بد من القول إن أمر هؤلاء "اليهود الذين يتحكمون بالعالم" غريب بالفعل. إذ هم، على ما يبدو، قد نجحوا بإحكام القبضة على كل شيء وفي كل مكان وزمان، وسيطروا على القاصي والداني، غير أنه قد فاتهم إخفاء أثرهم في استيلائهم على السلطة في الولايات المتحدة. أما كان بوسعهم مثلاً وضع بعض الدمى في مراكز القرار والبقاء خلف الستار؟ بل ثمة من يرى أنهم يفعلون ذلك أحياناً، ويمسكون عنه حيناً. فإذا كان المسؤول غير يهودي، فهم يسيّرونه في الخفاء لجبنهم وخبثهم، أما إذا كان المسؤول يهودياً، فذاك دليل واضح على جسارتهم وغطرستهم. أي إن "تحكم اليهود بالعالم" ليس تهمة تحتاج إلى الدليل لإثباتها، بل إدانة مستمرة يثار الدليل المزعوم، أو القرينة أو الشبهة أو الوهم، بين الحين والآخر، ليطمئن قلب المؤمن بها.

ولكن، فيما يتعدى المنغمسين بقناعة تحكّم "اليهود" بالعالم، أليس ثمة أسئلة تستحق النظر والتمحيص حول هذه المعطيات؟ أليس غريباً أن تكون نسبة اليهود في مراكز القرار على هذا القدر من الارتفاع؟ وألا تنسجم هذه الوقائع مع الحقائق التاريخية بأن العالم بأسره، على مدى ألفيتين وأكثر، قد عانى ولا يزال من "المسألة اليهودية"؟ ألم يطرد اليهود من كافة البلدان لخياناتهم المتواصلة، وأليسوا هم من يقف خلف الثورات على مدى التاريخ. وما جلبته من بلاء للإنسانية؟

الإشكالية في السؤال الأساسي هي أنه مبني على مغالطات مركبّة، تتجلى بالأسئلة الملحقة، الناطقة والمضمرة، والتي لا تفارقه. بل تكاد هذه أن تكون مسلّمات بشكل أسئلة، تدفع بالإجابة على السؤال باتجاه واحد، أي الإقرار بأن "اليهود يتحكمون بالعالم".

هي مغالطات لأنها تعمّم تجربة الجاليات اليهودية في أوروبا على العالم، بل تصوّر التاريخ على أنه سجال بين أقلية فاسدة ظالمة، اليهود، وأكثرية مظلومة ربما ساذجة إلى حين قبل أن تضطر إلى اتخاذ الإجراءات الدفاعية. الواقع هو أن الطرد من أوروبا المسيحية لم يقتصر على اليهود بل طال المسلمين كذلك، والاضطهاد والقتل فتك بسائر الأقليات الدينية، مثل الكاثار والبوغوميل وأتباع الديانات الأولى. أي أن العامل الأول ليس الأقلية وخبثها بل الأكثرية في قلقها وذلك خلافاً للقراءة التي تريد استقصاء الأزمة في العلاقة بين الأقلية اليهودية والأكثرية المسيحية إلى الممارسات والقناعات اليهودية، متجاهلة سياق التهميش الممنهج والاضطهاد المتواصل والاستغلال المبرمج للجاليات اليهودية. فمثلاً حيث الكنيسة قيّدت الربا، أتاحت السلطات الملكية للمرابين اليهود الشروع به لفائدتها وتحت سطوتها ووفق إرادتها، ويوم اقتضت مصلحتها فضّ الترتيب، كان الترحيل، عند الحد الأدنى، والتنكيل والقتل والإبادة، وفق مقتضى الحال.

كيف أن اليهود الأوروبيين قد تمكنوا من بعض النجاة ليس تهمة تلقى عليهم، بل إنجاز يحسب لهم. وكيف أن كثيرهم تمسك بالحداثة ورأى في ما صلبها من دعوة مساواة مخرجاً من القمع والظلم لا يعني أنهم هم من اجترح "الأنوار"، وإن كانت لهم، كما لغيرهم، فيها مساهمات. ولا يمكن فصل اندفاعهم إلى الثورة في روسيا عن العزل والمجازر، والتي عانوا منها بتصاعد في المرحلة السابقة للثورة. ولا يمكن النظر بميلهم إلى الصهيونية خارج إطار دعوات الاختزال القومية، في عموم المحيط الأوروبي، والتي جعلت منهم "شعباً بلا أرض" في أوطانهم، على النقيض من مقتضى الحداثة، والتي كان من شأنها فتح باب المواطنة المتساوية لهم.

فيما الغرب يعيد النظر بهذه التجربة، يجتهد بعض الفكر العربي في مسعى استيعاب المقومات الغربية للعداء لليهود، ويعمل على تأصيلها في الوجدان العام، سياسياً ثم تاريخياً ثم دينياً. بعض حلّ "المسألة اليهودية" الأوروبية كان دون شك على حساب السكان الفلسطينيين، أصحاب الحاضر والجذور في بلادهم، والتي انتقلت بها السردية الكبرى من المجاز المعنوي كـ"أرض الميعاد" إلى المخرج من قضية أربكت الارتقاء الغربي نحو الحداثة.

غير أن الارتباك في حساب الحقوق والمظالم كان كذلك ولا يزال سيد الموقف، في مواجهة أساء فيها الطرف المؤيد للحق الفلسطيني الأداء، وبدلاً من تقييم صادق للتقصير والقصور، كان الميل ولا يزال نحو زعم الجبروت للخصم، بما يضمن العذر ويعفي من إعادة الاعتبار.

ولكن كل هذا لا ينفي "المعلومات" المذكورة.

واقع الأمر هو أن هذه "المعلومات" ناقصة. إذ لو جرى التمحيص بكامل طاقم عمل هذا الرئيس، والرئيس الذي سبقه، ومن سبق من سبقه، لتبين أن "البصمات" اليهودية، وفق المعيار الذي تريد هذه "المعلومات" اعتماده، هي أكثر بكثير من المذكور.

المجتمع الأميركي، بالإجمال وبعض التسطيح، قسمان. أحدهما محافظ، متديّن وفق أشكال تتماهى مع السائد في الشرق الأوسط. أما الآخر فمنفتح، لا يغيب عنه التدين ولكنه متقبل للتعددية في الدين والهوية والصورة الذاتية. لا يصطف هذان القسمان بالكامل مع الحزبين، الواحد في مواجهة الآخر، رغم الميل هنا وهنالك. 

الأميركيون اليهود، عددياً، وفق التقديرات الإحصائية، وهي القائمة على مفهوم الهوية الأحادية، قد لا يتجاوزون الإثنين بالمئة من تعداد السكان. ولكن حضورهم، الاجتماعي أولاً، يفوق هذه النسبة الضئيلة بأضعاف. إذ لا تكاد تخلو أسرة، ولا يكاد يمتنع أي فرد، ضمن القسم المنفتح من المجتمع في الولايات المتحدة، من بعض الخلفية اليهودية، نسباً أو صهراً. وهذا التواجد الاجتماعي العميق، لا العقيدة الدينية، هو ما يجعل الولايات المتحدة بالفعل ذات خلفية "يهودية - مسيحية".

غير أن المسألة لا تقتصر على الانتشار الاجتماعي. بل إن الجاليات اليهودية المختلفة التي جاءت إلى الولايات المتحدة من أوروبا، حطت رحالها في هذه البلاد وهي محمّلة بمشاعر القلق إزاء وجودها، نتيجة تجربتها ومعاناتها، وبالقيم التي مكنتها من النجاة عبر تاريخ متخم بالقمع. هذه القيم، ولا سيما منها الإنجاز والنجاح والتعاضد، حين وضعت موضع التطبيق في سياق أقل تقييداً، أنتجت تقدماً غير مسبوق هنا. ليس هذا كل التفسير لظاهرة التفوق في صفوف الأميركيين اليهود، ولكنه جزء رئيسي منه. فالحضور اليهودي في كافة القطاعات الطليعية، العلمية والجامعية والمهنية، كما في الاقتصاد والمال والفن والترفيه، وصولاً إلى النشاط الحقوقي والسياسي، بارز وجلي، ويفوق بأشواط النسبة العددية الضئيلة. ولكنه حضور على صورة الولايات المتحدة، فيها ومنها ولها، طبيعي نابع من ذاته باحتضان تلقائي من عموم المجتمع له، وطافح بالتماسك والتجاذب والاختلاف. مطمئن بمعظمه، مرتاب عند أطرافه، يجمع الكثير من التأييد لإسرائيل، على أنها بعض الخاتمة لتاريخ مرير من التيه والتشرد، والكثير من التأييد للقضايا الإنسانية جمعاء، بعد ارتقاء داخل الإطار الديني وخارجه، بمعظم الفكر اليهودي من المستوى الذاتي القبلي إلى المستوى الإنساني العالمي. القضايا المحقة كلها، بما في ذلك القضية الفلسطينية، دون أن ينتفي عن هذا الفكر حضور النزعات الاستعلائية أو الانعزالية، وإن عند الهامش.

النتيجة هي أنه بين الأميركيين اليهود من هم من أمتن المناصرين لإسرائيل، بقائها وأمنها وازدهارها، ومنهم من هو من أشد الناقدين لها والمعترضين على سلوكها، فيما معظمهم يوازن بين هذا التوجه وذاك. ومن الأميركيين اليهود أكثرية في طليعة الداعمين للقضايا التقدمية، ومنهم بعض أسخى من موّل حملة دونالد ترامب. هم مختلفون بقناعاتهم وسياساتهم، كما سائر الأميركيين مختلفون.

ما ليسوا عليه هو ما يريده لهم المنشغلون بكائن آخر. هذا الكائن هو "اليهود" ككم أحادي مشخصن، خرافي إذا ما جوبه بالواقع، ولكنه حقيقة منتجة (بل مستنزفة) لدى من "يؤمن" به. يجتمع ويقرّر وينفّذ، بالسر طبعاً، ويعتمد توزيع الأدوار للتمويه، ويعمل على إخفاء مكائده وأفعاله بالكذب والتدليس (هذا المقال هو جزء من هذا المسعى)، ويحكم العالم ويتحكم به.

هو لا يتحكم بكل العالم. يتحكم وحسب ببعض أذهان من يزعم له العداء، فيمنع عنهم المواقف المبنية على القراءات الوقائعية ويبعدهم عن التوجهات التوفيقية الجلية النتائج حيث الخلاف، ويدفعهم باتجاه خطوات تحاكي ما ينسب إليه من تقصّد الأذى.

نجاح الأميركيين اليهود على قدر كبير من الأهمية. ولكنه ليس خروجاً عن سوابق التاريخ، ولا يستوجب استدعاء المنطق السحري. الأميركيون اليهود وسائر المواطنين من ذوي الخلفيات اليهودية في معظم الدول، لا يختلفون عن غيرهم. بعضهم المؤثّر وبعضهم عديم التأثير. بعضهم متسع الآفاق، وبعضهم ضيّق التفكير. ما ليسوا بالتأكيد هو كمّ أحادي وكيان متجانس عابر للدول والمجتمعات، وإن أراد لهم ذلك بعض عقائدييهم. ثمة من يريد إيقاظ المارد العربي، وثمة من يريد إيقاظ المارد اليهودي. أما "اليهود"، في مخيلة من يكّن لهم العداء، فمارد بل عفريت متحقق. هو عفريت قاتل بالفعل، ضحاياه من اليهود، إذ يستهدفهم خصومهم مباشرة، ولكن كذلك من الفلسطينيين، إذ تمتنع عنهم الحلول الموضوعية.

شكوى تتكرر في صفوف من يعادي اليهود، هي أن العالم، من فلسطين إلى الولايات المتحدة. يشهد "تهويداً" متواصلاً. هي شكوى تنضوي على الصدق، وإن من حيث لا يريد أصحابها. "التهويد" الحاصل هو هذا الانشغال المفرط بكائن مستقل عن الواقع، هو "اليهود" كتجسيد للشر والأذى. ربما أن الرقية من هذا الكائن العلوي تتحقق بإعادة الاعتبار لليهود الحقيقيين، كأفراد وكجماعات، في الولايات المتحدة وإسرائيل وسائر العالم.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.