أول إثنين من شهر يناير يشهد ارتفاعا كبيرا في طلبات الطلاق
.

سأله صديقه: هل طلقتها طلاقا بائنا أم طلاقا رجعيا؟ فسأل الزوج عن الفرق، ليكتشف أن الطلاق الرجعي يعطيه الحق في "استعادة" زوجته متى شاء، دون عقد جديد ولا مهر ولا شهود، وذلك خلال كل فترة العدة (ثلاث حيضات). كما اختلفت آراء الفقهاء حول حق الزوج في الاستمتاع "بها" خلال هذه الفترة أم لا!!!

أما الطلاق البائن، فهو الذي لا يمكنه بعد نطقه (حيث يقع الطلاق في عدد من البلدان ذات الأغلبية الإسلامية بمجرد نطق الزوج للطلاق) أن يتزوجها إلا إذا تزوجت رجلا آخر، وبشرط أن "يدخل بها" الزوج الجديد (لنتأمل أيضا أننا نتحدث هنا عن دخوله "بها" وليس عن علاقة جنسية مشتركة بين طرفين).

في حالات كهذه، أحمد الله أنني أنتمي لبلد مثل المغرب. هنا على الأقل، ورغم أشكال الحيف التي ننتقدها، فإن البلد قطعت قوانينه مع هذه الممارسات منذ حوالي العقدين من الزمن، إذ لم يعد بإمكان الرجل تطليق زوجته دون علمها ولا العودة إليها دون عقد زواج جديد يتضمن موافقة الطرفين. لكن للأسف، في العديد من البلدان التي تستلهم قوانينها الشخصية من الدين، فإن أعدادا هائلة من النساء يتعرضن للتطليق ثم "الإرجاع" دون أن يكون لديهن حق القرار. 

أي منطق إنساني يجعل الرجل يقرر من تلقاء نفسه أن يعود لزوجته متى شاء خلال فترة العدة، دون إذنها ولا علمها حتى، ويكون ذلك من حقه "شرعا"؟ ماذا لو كانت لها آفاق أخرى؟ ماذا لو كان قلبها وجسدها قد نفرا منه؟ لا بل واختلف الفقهاء في حقه في معاشرتها حتى خلال فترة العدة... لعل حجتهم في ذلك أنه ينفق عليها. فمادام ينفق عليها خلال العدة، فلم لا يعاشرها؟.

أما في حالة الطلاق البائن، فالشرع قرر أنه، عقابا للرجل على غضبه وانفعاله وتطليقه لزوجته ثلاث مرات، سيكون عليه أن "يتعذب" حتى يشعر بالندم؛ وذلك بزواجها من رجل آخر ودخول الزوج الجديد بها. 

بمعنى أن الشرع، حتى حين يقرر أن يعاقب الرجل على غضبه السريع، فالمرأة هي التي تدفع الثمن. قد يكون اختيارها ألا تتزوج نهائيا مثلا، بعد زواجها الأول. قد يكون اختيارها ألا تعود للزوج الأول، وأن تعيش حياتها مع زوج جديد تختاره هي وفي الوقت الذي تريده هي. لكن، من يهتم بمعرفة رأيها؟ فالشرع غضب من تسرع الرجل وسيعاقب الرجلَ، بأن ينكح المرأةَ، رجلٌ آخر! وكل هذا في إطار شرعي سليم حلال مائة بالمائة.

بل حتى في العدة، والتي خصصنا لها مقالا سابقا على هذا المنبر، وبغض النظر عن لا جدواها في زمننا الحالي حيث معرفة حمل المرأة من عدمه متاحة علميا خلال الأيام الأولى للحمل... لكن، بغض النظر عن هذا المعطى الذي يلغي جدوى العدة، سنجد أنه، مرة أخرى، لا أحد يستشير المرأة في ما تريده وما تشعر به. ولنأخذ مثالا واحدا: إذا توفي الرجل وزوجته حامل، فعدتها حتى تضع. بمعنى أنها إن كانت حبلى في شهرها الثاني مثلا، سيكون عليها أن تنظر سبعة أشهر حتى يحق لها الزواج مجددا. ماذا مثلا إن رغبت في الزواج قبل ذلك؟ علما أن عدة غير الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام. لكنها إن كانت حبلى وأنجبت غداة وفاة زوجها، فعدتها تنتهي عند الوضع. لكن، هل سأل أحد امرأة توفي زوجها منذ يوم واحد فقط وأنجبت في اليوم الموالي، هل لديها رغبة في الزواج؟ لا... لأن الشرع لا يتخيل أن للمرأة مشاعر ورغبات ومشاريع تخطط لها وتقرر بمحض إرادتها متى يحق لها الزواج أو الطلاق أو حتى العزوف عن الارتباط! 

المهم هو رغبة الزوج السابق والزوج الجديد وتحديد نسب الأطفال المحتملين. وهناك طبعا من مازال مصرا على أن لا قانون ولا ثقافة ولا دين ولا إيديولوجية، كرمت المرأة كالإسلام!
 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.