كان على القضاء السويسري أن يستدعي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة للتحقيق لكي ندرك فداحة تلكؤ القضاء اللبناني في إنصاف أكثر من نصف اللبنانيين، ممن سطت المصارف التجارية التي يشرف سلامة عليها، على مدخراتهم.
نحن نتحدث عن أكثر من مليون ونصف المليون لبناني أقدم رياض سلامة على إهداء مدخراتهم للطبقة السياسية الفاسدة وتقاضى عليها عمولة يبدو أنها هي نفسها الـ400 مليون دولار، التي قال المدعي العام السويسري إن ثمة شبهة "تبييض أموال مشدد" حولها، أقدم سلامة على تحويلها عبر مصرف لبنان إلى مصارف سويسرية!
والحال أن المبالغ المشار إليها ليست إلا عينة عما جرى في لبنان، فحجم الفضيحة اللبنانية يتعدى المئة مليار دولار، هي قيمة ودائع اللبنانيين في المصارف، وهي تبخرت كلها في ليلة ليلاء.
رياض سلامة هو القناة التي تنعقد عندها ظاهرة الفساد، إلا أنه مجرد وسيط بين الطبقة السياسية الفاسدة والمرتهنة وبين المصارف. وهو تمكن بفعل موقعه هذا من تأمين نظام حماية لنفسه يمتد من حزب الله إلى تيار المستقبل الذي يرأسه سعد الحريري. هذه مهمة لا تتحقق في لبنان إلا بتوفر الفساد، فحزب الله والمستقبل "يرعى الغزال بينهما"، على ما يصف العرب حال الخصام بين رجلين، ويبدو أن سلامة كان هذا الغزال!
الاستجواب هو حول شبهة "تبييض أموال مشدد". العبارة بعيدة عن القاموس القانوني اللبناني، ذاك أن الأخير فقير لجهة مصطلحات العدالة التي يسوقها العالم لضبط جنوح الأوليغارشية. لكن مشكلتنا مع القضاء في بلدنا لا تقتصر على هذا الفقر، ذاك أن سلامة، ومن ورائه القطاع المصرفي اللبناني، ظاهرة عالمية في مجال مخالفة القوانين، والأرجح أن دولاً أخرى غير سويسرا سيتحرك القضاء فيها للتحقيق بشبهات فساد حوله، ووحده القضاء اللبناني سيبقى صامتاً.
فرياض سلامة مسؤول عن أكثر من مليون ونصف المليون مخالفة للقانون اللبناني، عبر امتناع المصارف عن دفع طلب هذا العدد من المودعين سحب ودائعهم. في كل مرة يتوجه لبناني إلى مصرف ليطلب وديعته ويمتنع المصرف عن تلبيته ثمة مخالفة للقانون يتلكأ القضاء عن محاسبة مرتكبها.
أكثر من ذلك، فقد تولينا نحن مجموعة من الصحفيين اللبنانيين وبالتعاون مع مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد (occrp) الكشف عن أعمال تجارية ومالية في أوروبا خالف فيها رياض سلامة القانون اللبناني، عبر إقامته شراكات شخصية مع مصرف تجاري لبناني، وتأسيسهما شركة مساهمة، في مخالفة صارخة للقانون، وقد وثقت هذه الحقائق واعتمد عليها المدعي العام السويسري، وعلى رغم ذلك لم يشعر القضاء اللبناني بأنه معني بمساءلة سلامة عن ارتكاباته!
لكن يبقى أن أفقاً للمحاسبة بدأ يلوح. إنهما القضاء والعدالة خارج لبنان، فالفساد اللبناني معولم، والقضاء السويسري حين تحرك، لم يفعل ذلك لأسباب لبنانية، انما لأسباب سويسرية. الفساد حين يستعين بالقنوات المصرفية السويسرية فهذا يعني أن سويسرا مسها شيء منه، وأن الفساد يجري فيها أيضاً. الأمر نفسه جرى في موضوع باخرة الأمونيون التي انفجرت في المرفأ في 4 أغسطس من العام الماضي. فالقضاء البريطاني بصدد التحرك، لأن الشركة التي تملك الباخرة مسجلة في لندن. هذا في وقت ما زال القضاء اللبناني منقسم على هوية القاضي الذي يتولى التحقيق في الملف ولم ينجز خطوة واحدة نحو الحقيقة والعدالة.
ليست العدالة اللبنانية وحدها من أصابها الطلب السويسري بالتحقيق مع رياض سلامة بمقتلٍ، إنما أيضاً الإعلام اللبناني، اذ أن سلامة أنشأ منظومة حماية إعلامية في لبنان وصل أداؤها إلى حد دفع نقيب الصحافة في لبنان عوني الكعكي إلى السخرية من القضاء السويسري ومن "فساده"!
ولنظام الفساد في لبنان آليات دفاعية بدأت تتكشف، لكنها لم يسبق أن اختبرت فعاليتها حيال البعد غير اللبناني للفساد، فأن يتولى رجل النظام السوري القريب من حزب الله جميل السيد الهجوم على سلامة، فهذا دفاع ضمني عن حاكم مصرف لبنان، ذاك أنه أمن له حماية من المحور الآخر، أي من خصوم إيران اللبنانيين، أي من المدعومين من السعودية والخليج، أو من بقاياهم. وهذا فعل استدراج لطالما اعتمده نظام الفساد في اشتغاله. لكن الجديد هنا أن سويسرا غير معنية بهذه المعادلة البائسة، والقضاء فيها لا يملك حساسية حيالها. وحين ألقي القبض على سلوبودان ميلوسوفيتش في بلغراد، بكاه معظم الصرب هناك، لكن ذلك لم يوقف مسار العدالة والمحاكمة. ربما كانت هذه فرصتنا أيضاً.

