عام كامل ونحن نتدارى دون فائدة من المرور أمام ظله المقيم بيننا
عام كامل ونحن نتدارى دون فائدة من المرور أمام ظله المقيم بيننا

عام كامل ومازلنا نقارع حضرة المدعو كورونا بالكلمات.

نحلّل أصله وفصله، ننبش في ماضيه وأسراره، ونبحث في سيرته الذاتية وسيرة أهله، ولا نتوقف عن طرح أسئلة صعبة بلا أجوبة، وكيف ولعلّ ولماذا؟

عام كامل ونحن مسلوبو الإرادة وصاغرون له. يأمرنا أن نجلس في بيوتنا، فنلتزم. يلزمنا أن نتباعد ونكمم أنفاسنا، فننفذ. يهدّدنا من ويلات مصافحة عابرة أو طيش قبلة وعواقب مغامرة عناق، فنطيعه مثل أية سلطة، ونذهب إلى الفراش دون نقاش. 

عام كامل ونحن نتدارى من دون فائدة من المرور أمام ظله المقيم بيننا على هيئة حاصد الأرواح Grim Reaper المعروف بعباءته السوداء ومنجله الطويل. وهو رسم متخيل ظهر عن ملاك الموت للمرة الأولى في القرن الرابع عشر مع انتشار وباء الطاعون في أوروبا، وها هو ذا يعود بعد ستة قرون مع وباء كورونا، بعباءة حمراء، وبيده منجله الطويل ذاته.

رغم كل ذلك، علينا أن نقر ببعض خصاله الحميدة، وأبرزها أنه طاغية عادل. لم يستثني شعبا أو عرقا دون غيره، أو طائفة دون سواها، أو تحزّب لجهة على حساب جهة أخرى، أو تعاطف مع جنس وظلم الجنس الآخر.

جال في قصور وقلاع ومنازل الأثرياء كما فعل في بيوت وأكواخ الفقراء. انتشر في فضاءات المدن الحديثة والقديمة وأريافهما وعشوائياتهما. اقتحم مؤسسات الحكومات والمشافي الرسمية كما فعل مع الخاصة. صعد إلى الجبال كما نزل إلى السهول، وتسكع في الغابات والصحارى والوديان. أصاب رؤساء وحكاما وزعماء وساسة ونجوما ومشاهير من الجنسين، كما أصاب عمالا بسطاء وحرفيين وغير مشاهير من الجنسين. لم يفرق بين مؤمن وغير مؤمن، أو بين بدين ونحيل، وعصبي وهادئ، أو متعلم وغير متعلم، وأيضاً من الجنسين.

عادل بين جميع التعدديات والاختلافات والفروقات على وجه الأرض، ووزع حصصا متساوية للجميع. وهو إذ يُتهم اليوم بأنه عزز اللامساواة في العالم، فالأمر صحيح نسبياً، لكنه غير دقيق بالمطلق، وليس هو السبب في ارتكاب هذه الخطيئة أو مسؤول عنها. ولإنصافه، لابد من القول إن الفضل يعود له لأنه ساهم في كشفها والإضاءة على فجاجتها. كيف؟

بالعودة إلى بدايات حكمه للبشرية قبل عام، ومع انتشار الإصابات من دون تمييز، لم يحظ معظم فقراء العالم بمواد التعقيم والمنظفات الكافية لمواجهته كما يجب، ولم ينالوا حصصهم الوافية أو الكافية من الكهرباء والكساء والتدفئة والتبريد أو الإنترنت، فضلا عن عدم مقدرتهم على تأمين أولويات الحياة وبديهياتها، وأبرزها الغذاء القادر على تقوية مناعتهم، ولم يكونوا مستعدين ماديا لمجابهة أية حالة طوارئ تلزمهم منازلهم، وتعطل تحصيل قوت يومهم الشحيح والفقير غذائيا.

لم تُسهَّل الإجراءات الصحية الضرورية أمام معظم هؤلاء الفقراء مثل إجراء المسحات والتحاليل، وحال إصابة أعداد غفيرة منهم، لم توفر لهم الرعاية الطبية ذاتها من الأوكسجين وأجهزة التنفس. بل على العكس، وجدت قذارة الفساد ضالتها، ونشطت أسواقها السوداء في مثل هذه الأوقات الذهبية، وسرقت منهم دون خجل، أنفاسهم وفرصهم الضئيلة في الحياة التي قد تهبهم إياها أسطوانات الأوكسجين لبعض الوقت.

لم يتمكن هؤلاء من الحصول على أنجع الأدوية النادرة أو غالية الثمن التي أعطيت لبعض الأثرياء والساسة والمشاهير في غرف العناية المشددة، ولم يتح لهم دخولها في معظم الأوقات، ولم يبيتوا على أسرّة المشافي ذاتها التي ارتاح فوقها بعض كبار القوم، أو ينعموا بالشراشف والوسائد الناعمة ذاتها، أو يودعوا بوردة فوق نعوشهم. حتى إنهم لم ينالوا بموتهم الاهتمام أو الحزن ذاته، ورحلوا دون اكتراث عام كأرقام عابرة، كما عاشوا حيواتهم دوما كأرقام عابرة.

اليوم، ومع بدء انتشار اللقاحات المضادة، ترتفع الأصوات العنصرية المخزية من حين إلى آخر، ومن هنا أو هناك، المطالبة بالتمييز في أحقية الحصول على هذه اللقاحات. وتتسرب الأخبار المخجلة تباعا عن النوايا المبيّتة لتوزيع نوعية لقاحات أرخص ثمنا وأقل جودة للعامة، أو عدم مجانيتها. فيما تحظى النخب في الدول الأكثر فسادا باللقاح الأغلى والأجود، بمشهد جارح متكرر يشبه أولوية تفضيل الركاب الأثرياء وتخصيص قوارب وسترات النجاة لهم ولأسرهم، فيما الفقراء يتهاوون كقشور من فوق سطح تايتانيك، ويغرقون معها إلى الأبد.

هل حضرة المدعو كورونا مسؤول عن كل ما تقدم من اللامساواة واللاعدالة وكل أمثال هذه السلوكيات التمييزية الصارخة التي حدثت وماتزال؟ أم أنه رغم جهوده البيّنة في توزيع انتشاره وحكمه العادل، لم يتمكن من تفعيل دور المنظومة الأخلاقية للعالم وتعقيمها، رغم كل الادعاءات التي قيلت، والمنظفات التي سُفكت.

عامٌ كامل ونحن مازلنا نقارع حضرة المدعو كورونا بالكلمات التي تذهب مع الريح. عام كامل واختبارنا الأخلاقي يتأرجح على المحك، ونهاب أن نعترف، ونخشى أن نقر، حتى داخل قرار أنفسنا، أن معظم مؤشرات هذا الاختبار، تتجه نحو النتيجة السلبية.   

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.