بين محاولة الإنكار وحتى رفض الاعتراف به كمعارض، وبين مشهد التظاهرات التي عمت المدن الروسية ولم تأبه للتحذيرات الأمنية، نجح المدون الروسي كما يسميه الإعلام المدجن ألكسي نافالني بفرض نفسه حالة اعتراضية بوجه الكرملين الذي يبدو مرتبكا في مواجهته، فقد فشل الكرملين من محاصرة ظاهرة نافالني الذي تحول إلى حالة شعبية ستؤرق السلطة الحاكمة في المرحلة المقبلة، بعدما أدت أخطاء الأجهزة الأمنية في التعامل معه إلى تحويله رمزا للمعارضة وإلى الشخصية الثانية في روسيا.
بالرغم من امتناع السلطات الرسمية منح أنصار نافالني تراخيص بالتظاهر إلا أن 122 مدينة روسية استجابت لدعوته، كذلك جرت تظاهرات في 72 مدينة خارج روسيا، وقدر فريق نافالني عدد المتظاهرين بـ 300 ألف، فيما قدرتهم جهات معارضة أخرى بـ 160 ألف، وبرغم التفاوت في تقدير الأعداد إلا أن نجاحه في تحريك الشارع الروسي أفقيا يشكل تحديا واضحا وجريئا لسلطة الكرملين، التي واجهت يوم السبت الفائت حركة احتجاجات غير مسبوقة في نطاقها الجغرافي، وحشودا غير متوقعة، خصوصا في المدينتين الرئيسيتين موسكو وبطرسبيرغ حيث احتشد في الأولى ما لا يقل عن 20 ألف وفي الثانية 10 آلاف.
انفعال الكرملين ضد واشنطن لا ينفصل عن قلقه من كيفية مقاربة الإدارة الأميركية الجديدة لتعاطيها مع ملفات روسيا الداخلية
مما لا شك فيه أن نافالني نجح في استثمار فشل الكرملين بمحاولات إسكاته، وتمكن من حشد تعاطف غير مسبوق مع قضية تسميمه والتضامن الواسع بسبب اعتقاله بعد عودته، فقد أدى تعامل أجهزة الدولة الأمنية والقضائية السيء معه وامتناع كبار المسؤولين حتى عن ذكر اسمه في تحويله سريعا إلى بطل وطني، فبالنسبة للروس تسجل لنافالني شجاعته بتحدي السلطة وترهيبها وبأنه عاد إلى بلاده حتى لا ينضم إلى مجموعة المعارضين المقيمين في الخارج والتي تتهمهم السلطة بالعمالة.
بعد عودته من برلين لم تفلح الدعاية الرسمية في تشويه سمعته وفي التشكيك بخلفية دعواته للتظاهر، وحتى وإن جاءت من داخل الكرملين وعلى لسان المتحدث باسم سيده ديمتري بيسكوف الذي اتهم السفارة الأميركية بالتحريض على التظاهر وفي التدخل في شؤون روسيا الداخلية، ولكن انفعال الكرملين ضد واشنطن لا ينفصل عن قلقه من كيفية مقاربة الإدارة الأميركية الجديدة لتعاطيها مع ملفات روسيا الداخلية والمخاوف من استثمار حالة نافالني ليس من أجل زعزعة استقرار السلطة والضغط على الكرملين، حيث تتخوف بعض الأطراف من أن تستغل القوى الناعمة الأميركية هذا الوضع وتجعل من نافالني شريكا أساسيا لها، ويصبح التعامل مع روسيا عبر قناتين الرسمية التي يمثلها بوتين وإدارة الكرملين والشعبية أو المجتمعية التي بات يمثلها نافالني.
تمسك نافالني بشعاراته ضد الفساد وبالحريات العامة تسبب بإرباك النخب الروسية في كيفية المقاربة لحركته، فالمعارض الشاب الذي بدأ نشأته السياسية قريبا من القوميين لم يرفع شعارات ليبرالية أو يطالب بتغريب روسيا، ولم يزل ملتزما الصمت في القضايا الخارجية أو الجيو-استراتيجية التي تتصل بالأمن القومي الروسي، وفي هذا الصدد يقول الباحث في معهد كارنيغي للسلام الكسندر بونوف: "قد يكون نافالني من منتقدي بوتين، لكنه لا يتناسب مع نموذج الليبرالي الموالي للغرب الذي يمكن بسهولة أن يسخر منه ويدمر في أعين الروس الوطنيين بشدة".
في استطلاع للرأي جرى سنة 2017 كان عدد الروس الذين لم يسمعوا باسم نافالني قرابة 59% وفي آخر استطلاع جرى بعد محاولة تسميمه بلغ عددهم 19%، فيما تجاوز عدد المشاهدات للفيلم الذي أنتجه عن قصر بوتين بعد اعتقاله في المطار 82 مليون مشاهد، إضافة إلى أعداد المتظاهرين والجدل السياسي الذي أثير في الداخل والخارج يمكن القول أن ظاهرة نافالني لن تشكل خطرا على النظام إلى الآن، إلا أنها من الممكن على المدى البعيد إذا حافظت على استمرارها ستؤدي إلى عدم استقرار سياسي تحاول موسكو تجنيه في المرحلة القادمة.

