إدارة بايدن حملت السعودية مسؤولية المأساة الإنسانية في اليمن
إدارة بايدن حملت السعودية مسؤولية المأساة الإنسانية في اليمن

لم يعد خافيا على أحد، أن إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، ستتبع مقاربة جديدة لملف الأزمة اليمنية، يعاكس إلى حد كبير، ما درجت عليه إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، في سنواتها الأربع الأخيرة... وهي مقاربة، وإن احتفظت بـ"ثوابت" الاستراتيجية الأميركية في اليمن، إلا أن الأطراف اليمنية وبعض قادة دول المنطقة، يخطئون إن هم لم يدركوا حجم وطبيعة "المتغيرات" في هذه المقاربة.

يمكن الافتراض أن للولايات المتحدة مصالح "ثابتة" في هذه البقعة من العالم تتمثل في: (1) حفظ أمن السعودية واستقرارها الداخلي وعدم تحول منشآتها الحيوية والاستراتيجية إلى أهداف للصواريخ والطائرات المسيرة اليمنية...(2) ضمان ألا يكون اليمن، قاعدة ارتكاز لإيران تضغط على خاصرة المملكة الضعيفة، وتتهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب...(3) ألا يكون اليمن ملاذا آمنا لقوى وجماعات إرهابية متطرفة، مثل القاعدة أو "داعش"...(4) الوصول إلى حل سياسي متوازن، ينهي أسوأ كارثة إنسانية في تاريخ البشرية، وفقا للتقارير الأممية، ويمكن اليمنيين من إعادة بناء دولتهم ومجتمعهم واقتصادهم، في ظل أية صيغة للحكم يرتضونها.

السياسة الأميركية حيال اليمن، في عهد إدارة ترامب، تعرضت لاختلال شديد، إذ جرى القفز عن جملة هذه المصالح، والنظر إلى اليمن من بوابة "الضغوط القصوى على إيران"...دعمت الإدارة السابقة السعودية و"التحالف العربي" بلا تحفظ، وأدارت ظهرها لكل النداءات الأممية والإنسانية الداعية للإسراع في وقف الحرب ودرء الكارثة المتحققة، حتى أنها أبت أن تغادر البيت الأبيض، قبل أن تزرع آخر "لغم" على طريق الإدارة الجديدة: وضع الحوثيين على قوائم الإرهاب، بالضد من النداءات والتحذيرات الأممية والدولية.

أمن المنشآت النفطية السعودية سيبقى أولوية لواشنطن

الإدارة الحالية، يبدو أنها قررت النظر للملف اليمني من مختلف جوانبه، بكلتا عينيها وليس بعين واحدة، كما فعلت سابقتها، ودائما بما يخدم لائحة المصالح التي أتينا على ذكرها...ففي شهادته أمام الكونغرس، ومن بعدها في أول مؤتمر صحفي له كوزير للخارجية، وجه، أنتوني بلينيكن، انتقادات لاذعة لجماعة أنصار الله الحوثية، وحملها قسطا وافرا من المسؤولية عن المأساة الإنسانية في اليمن، بيد أنه لم يتردد في تحميل السعودية قسطا مماثلا من المسؤولية عن الكارثة كذلك، بخلاف سلفه مايك بومبيو، الذي لم يسجل ولو مرة واحدة، انتقادا جديا لأداء السعودية و"التحالف العربي" في الحرب على اليمن.

بلينكن، توقف أمام "المأساة الإنسانية المتفاقمة" التي لم تلفت انتباه واهتمام الإدارة السابقة، وتحدث عن حل سياسي، يبدأ بوقف الدعم العسكري الأميركي للسعودية والتحالف في حرب اليمن، وتجميد صفقات الذخائر للسعودية و"إف35" للإمارات...وهذا بحد ذاته، تطور لافت، يفتح الباب رحبا أمام فرص قيام واشنطن بدور الوسيط الفاعل بين الأطراف المتنازعة.

وفي ظني أن إدارة بايدن ستستأنف جهودها لحل الأزمة اليمنية من النقطة التي انتهى جون كيري في الأشهر الأخيرة لإدارة باراك أوباما 2016، حين تقدم بمبادرة كانت إلى حينه، الأكثر اتزانا وتوازنا من بين مثيلاتها...صحيح أن مياها كثيرة قد جرت في أنهار اليمن والمنطقة، خلال السنوات الأربع الماضية، لكن الصحيح كذلك، أن بعض أسس الحل للأزمة اليمنية، كما وردت في مبادرة كيري، ما زالت تحتفظ بكثير من صلاحيتها في الوقت الحاضر.

حين أقدم كيري على طرح مبادرته وعرض وساطته بين الأطراف، لم تكن الحرب في اليمن قد أكملت عامها الثاني، وكانت السعودية والإمارات، وحلفائهما في اليمن، يحققون تقدما ميدانيا متسارعا في الجنوب والساحل اليمنيين على وجه الخصوص، وكان الحوثيون في وضع دفاعي صعب للغاية...اليوم، وبعد ست سنوات على حرب اليمن، يبدو المشهد معكوسا: فلا السعودية قادرة على إنجاز أهداف هذه الحرب، ودفع الحوثيين خارج صنعاء وإعادة الرئيس "الشرعي" إليها، ولا العلاقات بين أطراف التحالف بقيت على حالها، فقد خرجت قطر من هذا التحالف بعد اندلاع الأزمة الخليجية، فيما السعودية والإمارات تخوضان "حربا بالوكالة" في جنوب اليمن، بين "شرعية" مدعومة من الرياض، ومجلس انتقالي مدعوم من أبو ظبي، فضلا عن انخراط فصائل أخرى، سلفية وإخوانية وقبلية في هذا النزاع بين الدولتين الحليفتين.

بعد 6 سنوات على الحرب في اليمن استمرار المأساة الإنسانية

الحرب التي قدر ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بضعة أسابيع لانتهائها بهزيمة الحوثيين، تستمر لست سنوات، فيما شوكة الحوثيين تشتد وتقوى، والمملكة تقف عاجزة عن إعادة عبد ربه منصور هادي إلى عدن، وليس إلى صنعاء، وساحة المعارك تمتد إلى الداخل السعودي، وصواريخ الحوثيين وطائراته المسيرة، باتت خبرا يوميا، يقض مضاجع المملكة.

ومما لا شك فيه أن الأطراف المتحاربة في اليمن، قد استنزفت وأنهكت تماما، وأنها اليوم بأمس الحاجة لسلالم لضمان هبوطها الآمن من فوق قمم الأشجار التي صعدت إليها... ولا شك أن ولي العهد السعودي، الذي يخوض حربه "وحيدا" في شمال اليمن ضد الحوثي، بعد انسحاب القوات الإماراتية والسودانية، في أمس الحاجة لـ"مخرج مشرف" من المستنقع اليمني، فهذه الحرب ارتبطت باسمه وبشخصه، وهو بحاجة لصورة "المنتصر" فيها، حتى لا يجد من يخرج له لسانه ساخرا في الرياض أو في عواصم الخليج...تلكم مهمة صعبة، وعلى الوسيط الأممي مارتن غريفت أن يجترح المعجزات، للوصول إلى مخرج كهذا.

ولا شك أن الحوثيين في وضع صعب مع أكثر من ثمانين بالمئة من الشعب اليمني يقيم في المحافظات التي يسيطرون عليها، فالمرض والجوع والعوز وانهيار المنظومات الصحية والتعليمية، والفقر والبطالة، تتهدد أجيالا من اليمنيين، وتنذر بجيل جديد منهم، نشأ مفقرا ومعتلا وخارج المدرسة أو الجامعة في الغالب الأعم...تلكم تحديات، لن تنفع معها، مظاهر الفخر بقدرة الحوثي على "الصمود" في وجه آلة الحرب السعودية، ولا تفيد في معالجتها ترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة.

عند هذه النقطة بالذات، يبدو أن إدارة بايدن قررت التدخل لوقف الحرب، وسلوك طريق آخر...الاستثناءات التي تمنحها للمنظمات الأممية والإنسانية والقطاع الخاص، لاستمرار تعاملاتهم مع الأطراف اليمنية (بمن فيها الحوثي) ربما تكون توطئة لمراجعة قرار إدارة ترامب إدراج الحوثيين على لائحة الإرهاب، كما وعد بلينكن...التبرير الرسمي للخطوة، إنساني، بيد أن سببها الحقيقي، سياسي بامتياز، فمن يريد حلا سياسيا للأزمة لا يمكنه استثناء فريق أساسي وإخراجه عن مائدة التفاوض ولوائح المفاوضين...ومن يريد أن يلعب دور الوسيط الفاعل، لا يمكنه إطلاق النار على قدميه، وبناء سدود تحول دون تواصله مع فريق أساسي بحجم أنصار الله الحوثيين...لقد أطلق مايك بومبيو النار على أقدام الديبلوماسية الأميركية حين أقدم، إرضاء لحلفائه، على تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية.

لسنا هنا بصدد مناقشة ما إذا كان سلوك الحوثي وممارساته، تكفي لتصنيفه فصيلا إرهابيا أم لا، نحن هنا بصدد الإجابة على سؤال: كيف يمكن حل الأزمة من دون أحد طرفيها الأساسيين؟...والمفارقة، أنه في الوقت في الذي كان فيه بومبيو يفاخر بإضافة الحوثيين على قائمة الإرهاب، كان يفاخر أيضا، وبقدر أكبر، بإنجازه اتفاقاً في الدوحة مع حركة طالبان، حاضنة القاعدة وحليفتها زمن الهجوم على برجي التجارة العالمية والبنتاغون...أية مفارقة هذه، ومن هم الأجدر بالتنصيف كجماعة إرهابية؟...وإذا كان حجم طالبان ونفوذها و"غلبتها" في الداخل الأفغاني، هي الأسباب التي حدت بواشنطن لفتح حوار معها، وتكليف قطر بالتوسط لديها، فإن للحوثيين مكانة مشابهة: فهم حركة قوية ونافذة ولها "الغلبة" على خصومها في الداخل، برغم الدعم الكثيف الذي يتلقونه من قوات التحالف بقيادة الرياض.

لن تكون مهمة بلينكن ومساعديه في اليمن، سهلة أبدا...فثمة لدى الحوثيين تيار يؤمن بأنه "جزء من محور المقاومة بقيادة طهران"، وهو لا يمانع في ربط مصائر اليمنيين بمصير إيران وبرنامجها النووي وعلاقاتها مع واشنطن، بل ولطالما ألمح إلى أنه على استعداد لخوض معارك إيران في المنطقة، غير مكترث بمأساة شعبه ومعاناته...هذا الفريق، سيضعف حتماً، حين تتقدم واشنطن بوساطة جديدة، وحين تقرر شطب اسم الحوثيين من لوائح الإرهاب، وحين تُحرك الإدارة الجديدة، ماكينة الحل السياسي (والإنساني) لليمن.

السياسة الأميركية تجاه حرب اليمن قد تصطدم بسياسة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

وفي المقابل، ستصطدم أية محاولة أميركية للحل السياسي، برغبة ولي العهد السعودي في الخروج من المستنقع "منتصراً"، ولو شكلياً وعلى الورق، وفي ظني أن الحوثي ليس بوارد تمكينه من هذه الفرصة من دون ثمن مقابل، ثم أن الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن، ودعم أبو ظبي لانفصال جنوبه، ورغبتها في السيطرة على موانئه وجزره، من خلال ميليشيات "العمالقة" و"الانتقالي" و"قوات الحزام" و"قوات طارق" وغيرها من المسميات، ستكون عقبة إضافية في وجه أي مسعى أمريكي جديد وجدي لحل الأزمة.

ثمة فرصة لوضع نهاية لأكبر كارثة إنسانية في عصرنا، ووقف حرب السنوات الست في اليمن، وهي ستتعاظم إن نجحت إدارة بايدن في فتح صفحة جديدة من الحوار والتفاوض مع إيران حول مختلف الملفات العالقة، من برنامجيها النووي والصاروخي وحتى دورها الإقليمي...لكنها فرصة قد تضيع، إن لم تستثمر واشنطن الكثير من الوقت والجهد لحلها، وإن لم تمارس ضغوطا كافية على مختلف الأفرقاء، لإسكات مدافعهم والاستماع إلى أنات وصرخات اليمنيين المعذبين في أرضهم، تماما مثلما تعهد بلينكن بجعل هذه الأزمة في صدارة أولوياته، على أمل أن يستعيد اليمن، وإن بعد حين، بعضا من سعادة اشتهر بها.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!