مظاهرات مستمرة في طرابلس شمالي لبنان.
"كلما اعترضت طرابلس، حركت بعض الجهات أزلامها ليخرّبوا التحرك"

الشارع يغلي منذ مطلع الأسبوع، والغضب يتعمم. يبدو أن الاحتجاجات تتوالى تصاعديا. مظاهرات وقطع طرق واعتراضات متنقلة بين طرابلس وصيدا وبعض المناطق الأخرى، مروراً ببيروت، وسط تعتيم إعلامي نسبي وقمع للمتظاهرين وللصحفيين. من غير المعروف بعد إلى ما ستؤول إليه دورة الاحتجاج هذه: هل ستتعمم على مختلف المناطق وتطال مختلف الشرائح كي لا تتخذ طابعاً مذهبياً معيناً كما يكون عليه الحال عندما تتمركز في مدينة طرابلس السنية التي تعاقب على مدى السنوات! 

كلما اعترضت طرابلس، حركت بعض الجهات أزلامها ليخرّبوا التحرك ويقلبوا حراكها السلمي عنفاً وتدميراً للمدينة

يسهل على البعض شيطنة حركة جياع حقيقية - في المدينة المصنفة كأفقر مدن المتوسط - زمن الحجر الذي يخيّر فقراءها بين الموت جوعاً أو بكورونا. وبدل توفير المساعدات الغذائية، يطلب منهم الموت في بيوتهم أو بالرصاص في الساحة. فعند تجمع شبان الدراجات الغاضبين، ومنهم ملثمون، يسهل تحوّل ساحة النور إلى ساحة حرب مملوءة حجارة وإطارات مشتعلة وقنابل مولوتوف. 

كلما اعترضت طرابلس، حركت بعض الجهات أزلامها ليخرّبوا التحرك ويقلبوا حراكها السلمي عنفاً وتدميراً للمدينة. سبق أن حطموا قلب بيروت مرات عديدة. بالمقابل تتحرك القوى الأمنية لمواجهة الوضع بالمزيد من العنف. 

تدهور الوضع هذا قابل للاستغلال من قبل أطراف أو أجهزة أو مخابرات لتشويه وشيطنة حركة الاعتراض وتحويلها إلى أعمال عنف. كما يسمح في نفس الوقت بالتسبب بايجاد شرخ بين الجمهور وبين الجيش والأجهزة الأمنية. من هنا ضرورة التنبه لمنع تخلخل الثقة بالمؤسسة الوحيدة الباقية كأداة توحيد للشعب اللبناني بين مسلميه ومسيحييه. 

في هذا الوقت لا تحرك السلطة السياسية ساكنا، وكأن هذا يحدث في بلد آخر، ما يؤكد مجدداً أحقية الاحتجاجات من قبل شعب متروك لمصيره. 
ما الذي ننتظره من سلطة تمارس الضغوط على القضاء فتؤخر التحقيق في انفجار المرفأ الذي يعد جريمة العصر؟ فتعرقله وتقضي على صدقيته! في هذا الوقت يفتح ملف تبييض الأموال من قبل القضاء السويسري الذي تقدم بطلب تحقيق قضائي يتعلق بمصرف لبنان والتحويلات المالية المشبوهة التي حصلت منه إلى البنوك السويسرية. ويبدو أن مساءلة رياض سلامة في هذا الملف تتعلق بصفته حاكم مصرف لبنان وليس بملفاته الشخصية. ما يعني أن التحقيق قد يطال مجمل السياسيين المتورطين في حركة الأموال المشبوهة.

لا تكتفي السلطة الحاكمة بتأجيل الاستحقاقات لتلبية مطالب شعبها، بل تمعن في تصفية حساباتها وكأن الأمر جزء من مهمتها في تصفية الدولة ككل

لا نعرف إلى أين ستصل تداعيات هذا الملف، وهل سيكون الأمر إيذانا بفتح صندوق باندورا على الطبقة السياسية برمتها أم لا؟ ما يزيد من هشاشة القطاع المصرفي المهتز أصلاً. كلها أسئلة مفتوحة لا نملك الإجابة عنها حالياً ولا في القريب العاجل. يعتبر البعض الدعوى التي أقيمت في لبنان على رياض سلامة التفافاً على القضاء السويسري لمنع سفره وفتح كافة الملفات.

بالمقابل لا تكتفي السلطة الحاكمة بتأجيل الاستحقاقات لتلبية مطالب شعبها، بل تمعن في تصفية حساباتها وكأن الأمر جزء من مهمتها في تصفية الدولة ككل. وبما أن جميع الملفات متداخلة وعالقة، تستخدم الأطراف كل استحقاق للتصويب على بعضهم البعض لتحقيق مكاسب من جهة وحماية أنفسهم من جهة أخرى، لمنع فتح الملفات على غاربها. 

في هذا الوقت تستكمل دائرة الهدر والفساد ووضع اليد على ما تبقى من أموال المودعين في المصارف، بعد أن نهبت أموال الخزينة، فيستمر تهريب المواد المدعومة بأموالهم على الحدود الفالتة، إضافة إلى تصاعد أصوات تطالب باستخدام احتياط الذهب - إذا كان لا يزال سالما- أو بيع أملاك الدولة بعد أن وضعت وزارة المالية اليد على مشاعاتها.

هذا في ظل انهيار الاقتصاد بجميع قطاعاته، كالسياحة والفنادق والتربية، من مدرسة وجامعة. والأخطر انهيار الأمن الصحي. وفي هذا تهديد للأمن القومي ككل. 

حتى القطاع الصناعي الذي انعشته قليلاً الأزمة الاقتصادية والمالية في العام الماضي، مهدد بالانهيار بسبب تدابير السلطة غير المسبوقة في أي من دول العالم، إذ أقفلت المصانع ومحال السوبر ماركت تحت ذريعة الحجر الصحي. 

فلقد جاء هذا الإغلاق ليشعل الأسعار ويفاقم الغلاء لصعوبة نقل السلع، الأمر الذي يتسبب باختناق المياومين من باعة وعمال يدويين وسائقي التاكسي وغيرهم ممن يكسبون لقمتهم باليومية، في ظل غياب الدعم والمعونات التي تقدمها دول العالم لسكانها كي يستطيعوا الصمود في منازلهم، من تقديمات عينية وتخفيف الضرائب وتأجيل الفوائد الخ... كل ذلك يفتقده اللبنانيون الذين وصل أكثر من نصفهم إلى خط الفقر بسبب الانهيار الاقتصادي والمالي وتضخم العملة وفقدان حوالي 80% من قيمتها، ما يضع لبنان على بركان متفجر.

كيف وصلنا إلى هنا؟ سلطة تهدد حياة اللبنانيين والأمن القومي اللبناني وتستمر في الحكم؟

يصعب فهم الأحداث السياسية اليومية إذا اكتفينا بمتابعة ذبذبات الزمن القصير السريعة، بحسب تعبير بروديل. نحتاج إلى متابعة الزمن المتوسط لفهمها بشكل أفضل. فجميع ألعاب التشاطر والتشدد والاعتدال ، تصل إلى نهايتها ويتم كشفها مع الوقت. وهذا ما يسمح لنا بالاستنتاج أن تجميد الأوضاع في سبيل الضغط لتعديل موازين القوى، هو أداة حكم من يحتل لبنان بالواسطة. 

فمنذ اغتيال الحريري، نمرّ دورياً بفترات من الجمود التام كوسيلة ضغط لفرض أجندا معدة سلفاً. فبعد حرب 2006، لجأ من عرفوا بفريق 8 آذار، الذين أدّوا التحية لجيش الأسد المنسحب من لبنان، وكانوا أقلية نيابية، إلى عدد من وسائل الضغط تراوحت من "الست – إن" لأشهر عديدة في ساحة رياض الصلح مقابل القصر الحكومي، (ما قضى على وسط المدينة كمركز تجاري واقتصادي وسياحي)، للضغط على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة آنذاك، (بعد أن استقالوا منها واعتبروها بتراء). لكن السنيورة فاجأهم بصموده.

وتتابعت الضغوط من غزوة بيروت المجيدة في 7 آيار 2008 التي راح ضحيتها حوالي 100 قتيل، بذريعة مؤامرة منعهم من تركيب كاميرات مراقبة في المطار، إلى اللجوء إلى العنف العاري حيث اغتيل عدد من أعضاء البرلمان النيابي لتغيير الأكثرية والتخويف. أدّى كل ذلك الى اتفاق الدوحة الذي أعطاهم ما سمّي الثلث المعطّل في مخالفة واضحة للدستور اللبناني.

الآن يتساءل اللبنانيون: ألم يكن الفراغ أفضل من تسويتهم التي فرغت المؤسسات وأمّنت انهيار الدولة بقضها وقضيضها بشكل "شرعي"!

ثم استخدمت جميع أنواع الابتزاز والتعطيل التي أصبحت وسيلة الضغط الدورية للحصول على تنازلات من الأطراف السيادية أو ما كان يعرف بـ 14 آذار. فعطِّل تشكيل الحكومات من أجل توزير الصهر أو ذريعة الحصول على حقائب سيادية أو خدماتية أو من أجل تمرير المعادلة الخشبية "جيش، شعب، مقاومة"، التي لم تعد ذات نفع الآن على ما يبدو. كما تم تعطيل الانتخابات حتى إقرار قانون انتخاب يكفل لهذه الجهة أكثرية مقاعد البرلمان.
وفي كل مرة كانت الأكثرية المنتخبة، قبل أن تحوّل إلى أقلية متعاونة، تخضع أمام سلاح الصبر الاستراتيجي الذي استنسخه حزب الله عن حافظ الأسد وملالي طهران. فتهرع لتنفيذ المطلوب منها خوفاً من الفراغ أو لحفظ مصالحها!!

وبعد تعطيل انتخاب رئيس لأكثر من سنتين ونصف، تحت شعار إما عون (الرئيس الحالي) أو لا رئيس. خضع السياديون، مرة أخرى للابتزاز، وامتنعوا عن انتخاب رئيس بالنصف زائد واحد، على غرار انتخاب سليمان فرنجية الجد، لماذا؟ خوفاً من الفراغ! 

الآن يتساءل اللبنانيون: ألم يكن الفراغ أفضل من تسويتهم التي فرغت المؤسسات وأمّنت انهيار الدولة بقضها وقضيضها بشكل "شرعي"! بانتخابهم من يغطي الحزب الذي يحكم باسم إيران وفي خدمتها؟ ويسعى للتجديد لنفسه ولو على الخراب؟

الآن وبدل الإسراع في تشكيل حكومة بحسب ما يطالب به الشعب اللبناني والأسرة الدولية والدول الإقليمية، لمعالجة الوضع والتخفيف من العنف المتفجر والكوارث المتناسلة، نجد الإمعان بالتعطيل. ولا حكومة في المدى المنظور: بذريعة ثلث معطل يضع السلطة بيد العهد، وتنافس على الوزارات وتقاتل على الحصص.

طبعاً كل ذلك انتظاراً لتبلور تطور العلاقات الإيرانية مع أميركا والدول الأوروبية. 

ربما يكون تدهور الوضع في طرابلس ومواجهة الاحتجاجات بدل معالجتها، مقدمات لانفجار العنف في لبنان على ما يعدنا به عضو كتلة التنمية والتحرير النائب محمد نصرالله: "إن البلاد تسير باتجاه الانفجار الكبير، الذي بدأ الجميع يتوقعه كنتيجة طبيعية للتدحرج الدراماتيكي على كل المستويات، والناتج بدوره عن القطيعة غير المعلنة بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمكلف سعد الحريري"، في حديثه لـ"الأنباء الكويتية". 

إلى ماذا سيؤدي مثل هذا العنف؟ تعميم العنف المجتمعي؟ أو عقد اجتماعات ومباحثات ووساطات تمهيدا لمؤتمر تأسيسي يعيد صياغة لبنان على ما يفرضه الأقوى؟ وهل سيحتمل الوضع ذلك؟

وهل أن تحرك بعض الأطراف لتشكيل جبهة معارضة سيكون باستطاعته منع هذا السيناريو؟ ومعارضة بوجه من؟ ومن أجل أي هدف أو برنامج؟
من باستطاعته قلب الطاولة هذه المرة؟ 

سننتظر لنرى ماذا سيحدث في ظل التغيرات العميقة والتحالفات الجديدة التي تحدث على مستوى الإقليم والعالم. وإلى متى سنظل تحت رحمة سلاح الفراغ وشيطنة مناطق السنة متمثلة بطرابلس.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.