الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن

في نهاية ولاية الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وعندما كان جوزيف بايدن نائباً للرئيس، كان العراق يخوض معاركه ضد تنظيم داعش، ولم تُحسَم المعركة بعد. وفي ذلك الوقت كانت نقطة الالتقاء بين الإدارة الأميركية وبين العراقيين هي كيفية حسم المعركة وتحقيق النصر على الجماعات الإرهابية. لذلك فإن أغلب التصورات التي تعطي ملامح عامة لسياسة بايدن، بعد وصوله إلى البيت الأبيض، قد تكون مرتبطة بفترة إدارة الرئيس أوباما أو قبل ذلك كسيناتور في مجلس الشيوخ. ولكن هذه التصورات ليست هي المشكلة!

المشكلة الحقيقة تكمن في تصور الطبقة السياسية والكثير من العراقيين إزاء ما يريدونه من إدارة بايدن أو ما يتمنون أن تحققه بشأن العراق. ولعلَّ الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف الوطنية، إياد علاوي، إلى الرئيس الأميركي جوزيف بايدين توضح موقف أحد أطراف القوى السياسية في العراق، التي لا تترك مناسبة إلا تعبر فيها عن تناقضات الرؤية والمواقف. ورغم أن إياد علاوي يريد تذكير الأميركيين بالأخطاء التي ارتكبوها في العراق، لكنه اختار التاريخ الخطأ عندما تحدث عندما اعتبرها بدأت في 2010، فالأميركيون ارتكبوا الكثير من الأخطاء- والتي أشرت بعضها رسالته- ولعلَّ أهمها ترك أبواب ومنافذ الفساد مفتوحة أمام الزعامات السياسية وشخصيات الطبقة السياسية، وأعتقد أن هذا الموضوع كان الخطيئة الكبرى التي لا تزال تداعيتها حتى الآن واضحة بعمل المنظومة السياسية القائمة على أساس التخادم المصلحي للطبقة السياسية وسيطرتها على موارد الدولة.

ومن زاوية أخرى، تعبر رسالة السيد علاوي عن مشكلة في تفكير بعض الزعامات السياسية وقطاعات كثيرة من العراقيين، باعتقادهم بأن إدارات البيض الأبيض يجب أن تتماهى مع مصالح تلك الزعامات ورغبات بعض العراقيين، ويعتقدون بأن الرئيس الأميركي أو السياسيين الأميركيين ليس لديهم شغل شاغل غير ما يحدث في العراق! وكأنما الولايات المتحدة عملت على اسقاط نظام صدام الدكتاتوري من دون حسابات مصلحتها كدولة لديها مصالح في الشرق الأوسط. ولذلك نجد الكثير من السياسيين وحتى الجمهور يريدون أميركا أن تعمل على تخليص العراقيين من النظام السياسي الذي أثبت فشله وعجزه عن الاستجابة لتوفير أبسط المتطلبات العامة للمواطنين. 

وتكمن المشكلة الأكبر في مواقف القوى السياسية التي لا تنظر إلى العلاقة مع الإدارة الجديدة للبيت الأبيض إلا من خلال دائرة الاشتباك بين طهران وواشنطن، فهي تنتظر تعامل إدارة بايدن مع الملف الإيراني، وردود أفعال القيادة الإيرانية منها. ولذلك لا يمكن لبعض القوى السياسية في العراق الخروج من تلك الدائرة، لأن مواقفها من الأميركيين لا ترتبط بالشأن العراقي فحسب، وإنما تتماهى تماماً مع التوتر أو الهدوء في العلاقات الإيرانية-الأميركية. 

وهناك قوى سياسية أخرى، لا تزال تعتقد بأنها ليست معنية بالقرار أو المواقف السياسية للحكومة أو القوى السياسية التي تهيمن على القرار السياسي في العراق، وتحديداً القوى السياسية الشيعية. فالكرد يعتقدون بأن علاقتهم مع واشنطن لا يمكن أن تتأثر بما يحدث في بغداد أو الجنوب والوسط وحتى المناطق الغربية. فحكومة اقليم كردستان والزعامات السياسية لديهم قنوات التواصل المباشرة الرسمية وغير الرسمية مع الأميركيين وفي أراضيهم القنصلية الأميركية الأكثر فاعلية على مستوى بقية مناطق العراق.

أما القوى السياسية السنية، فهي أيضاً منقسمة فيما بينها بشأن رؤيتهم أو تطلعاتهم لإدارة بايدن، فالبعض يتمنى أن يعيد الرئيس بايدن مشروع (التقسيم السلس) الذي طرحه في 2006. ولذلك كانت تصريحات الترحيب والمباركة بفوز بايدن في الانتخابات تحمل في طياتها الرغبة في إعادة طرح هذا المشروع بعنوان فدرالية الإقليم السني. بيد أن البعض الآخر لا يزال يرى أن هذه الموضوع لا يرتبط بموافقة ودعم إدارة البيت الأبيض الجديدة فحسب، وإنما يحتاج الكثير من الترتيبات التي تتعلق بالاتفاق على تقاسم مغانم السلطة مع الشركاء في العلمية السياسية.

وتبقى المشكلة الأكثر تعقيداً من رغبات الأطراف السياسية في العراق، فالقوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في القرار السياسي العراقي، تعتقد أن العراق هو الساحة الأكثر تأثيراً لإرسال الرسائل سواء بالتهدئة أو بالتصعيد ضد المصالح والتواجد الأميركي فيه. بالمقابل لا أحد يعرف لحد الآن ما هي الرؤية التي يحملها الرئيس بايدن وفريقه الحكومي بخصوص التعامل مع التطورات السياسية والعسكرية في العراق، وهل سيتم طرح موضوع العودة للتفاوض بشأن الملف النووي الإيراني في قبال شروط جديدة، قد يكون على رأسها تقليص النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة؟ 
ورغم ذلك، تبقى المعضلة الأكبر في ضبابية وتشتت الرؤى السياسية العراقية بشأن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، إذ لم يتم حسم توصيفها لحد الآن، فهي تتأرجح ما بين الحليف الاستراتيجي، والصديق، والعدو! ويبدو أنها تجمع كل التناقضات في "دولة" لا تنحصر سياسته الخارجية في المؤسسات السياسية الرسمية، وإنما تعبر عنها مواقف الزعامات والأحزاب السياسية، وحتى جماعات الفصائل المسلحة. 

أما حكومة الكاظمي فهي خير من يمثل الفوضوية وعدم الوضوح في المواقف السياسية بشأن مستقبل علاقتها مع واشنطن، إذ تقف حائرة أمام تقاطعات مواقف القوى السياسية التي تتماهى مع الرؤية والمواقف الإيرانية، وبين رغبتها بعدم التقاطع مع مواقف الإدارة الأميركية، ولذلك هي تفشل دائماً في احتواء المواقف ولا تجد غير تسويق البيانات والتبريرات الساذجة عندما يصدر قرار أميركي يستهدف قيادات سياسية ويضعها ضمن قائمة العقوبات الأميركية. 

والمأزق الأكثر تعقيداً في البحث عن إجابة ماذا يريد العراقيون من الرئيس بايدن، يكمن في المخيل السياسي الشعبي عند العراقيين، إذ لا يزال الكثير منهم يعوّل على أن تكون أميركا هي المنقذ مرة أخرى! فهم لا يعطون أهمية للانتخابات ولا حتى للاحتجاجات ضدّ طبقة سياسية فاسدة وفاشلة! فهم يركنون دائماً إلى الحلول الخارجية الجاهزة، ولا يريدون أن يقتنعوا أن دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية تعمل وفق مبدأ مصالح بلادها أولاً وأخيراً. وهي ليس مثل العراق "دولة" بالعنوان فحسب، ومن يتحكم بقرارها السياسي الداخلي والخارجي هو مصالح زعامات تدين بالولاء لمن هو خارج الحدود.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.