مصدر القسوة في ذلك، كامن في أن الوطنية المفترضة تلك، إنما تلعب حقيقة وتنتج نفس الديناميكيات التي تبنتها وأفرزتها القومية العربية السياسية تقليدياً في العراق، وما تلاها وطابقها من إسلام سياسي طائفي في مراحل لاحقة - رستم محمود
" مصدر القسوة في ذلك، كامن في أن الوطنية المفترضة تلك، إنما تلعب حقيقة وتنتج نفس الديناميكيات التي تبنتها وأفرزتها القومية العربية السياسية تقليدياً في العراق"

لا تخلو حلقة واحدة من البرنامج الكوميدي الأكثر شعبية في العراق "البشير شو" دون غمزٍ أو إشارة من مُقدم البرنامج إلى الزعيم السياسي الكردي العراقي، مسعود بارزاني، من باب ما يعتبره البرنامج "عدم وطنية" بارزاني، الذي هو حسب مضامين البرنامج "لا يُحب العراق" ولا يوالي "الوطنية العراقية"، حيث أن تلك "الوطنية" وما يتبعها ويردفها من قيم ومُعتقدات التي يتبناها البرنامج، إنما هي حقائق وبداهات مطلقة، وتالياً فإن الخروج عنها هو مصدر للاندهاش والفكاهة، حسب البرنامج. 

في هذا السياق، وحينما يتناول البرنامج سلوكيات وخيارات بارزاني السياسية، فإنه لا يقول ذلك عن عموم أكراد العراق، فقط لتجاوز حرج التعميم. فمُقدم البرنامج ومُعدوه يعرفون جيداً بأن آراء البارزاني ومواقفه تمثل الطيف الأوسع من الأكراد العراقيين، المتوافقين معه بشكل جمعي شبه مطلق على النفور من شكل علاقة إقليم كردستان ومواطنيها بالدولة العراقية، الدولة العراقية المفروضة عليهم بالقوة المحضة، بمؤسساتها ومواثيقها ورموزها. وحيث حتى أشد معارضي بارزاني في الملفات الداخلية الكردية، إنما يطابقونه في ذلك.

يمثل البرنامج الفكاهية هذا ويؤثر على مئات الآلاف من المواطنين العراقيين، بالذات من شُبان الطبقات الوسطى، تحديداً ذلك النسيج المجتمعي الحيوي المؤلف من سُكان المدن من أصحاب التحصيل التعليمي الرفيع والواردات المالية الوافرة، الذين يُمكن نعتهم بـ"الطبقة الوسطى المدنية".

يتبنى هؤلاء أغلب مضامين ذلك البرنامج الكوميدي الساخر، بالذات من حيث نزعته لمناهضة الفساد والصراعات الطائفية في البلاد، وهو أمرٌ بيّنٌ يظهر جلياً في تفاعلاتهم وتعليقاتهم المكثفة على حلقات البرنامج من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

لكنهم خلال تلك المناهضة للفساد والطائفية، إنما يتمركزون حول ما يعتبرونها قيمة سياسية ونفسية وأخلاقية عُليا، هي "الوطنية العراقية"، التي يروجها ويدعو إليها البرنامج بكثافة، كبداهة أولية شديدة الطهرانية، صالحة للتحول إلى بارومتر يُمكن قياس الشخصيات السياسية والثقافية والاقتصادية حسبها، فرزهم بين صالح وطالح.   

حسب تلك الوتيرة، فإن هذا البرنامج الحيوي، المُنتج للأفكار والتصورات العامة لمتابعيه، والمتميز بكل سمات الحس المُرهف، وعلى العكس من كل ذلك، فإنه يختلق ويروج لقضيتين غارقتين في القسوة.

تقول الأولى إنه ثمة شيء بديهي ومُطلق، هو "الوطنية العراقية"، محاطة بكل هالات الطهارة والقداسة المُطلقة. وأن ذلك الشيء يجب أن يكون حاضراً وفاعلاً في حيوات كل الأفراد العراقيين، مثل ممارسات وخيارات حياتهم اليومية الأخرى، التي لا يُمكن العيش دونها. 

أما الثانية، فهي تخويل وحكر جهة ما لنفسها حق تحديد وتأطير واستخدام تلك "البداهة"، فهي تفرز المعايير والمفاهيم والخطابات والأحداث التي تعتبرها مقياساً لغولٍ غير مرئي هو "الوطنية". 

مصدر القسوة في ذلك، كامن في أن الوطنية المفترضة تلك، إنما تلعب حقيقة وتنتج نفس الديناميكيات التي تبنتها وأفرزتها القومية العربية السياسية تقليدياً في العراق، وما تلاها وطابقها من إسلام سياسي طائفي في مراحل لاحقة. 

فمثلهما تماماً، تعمل هذه الوطنية على تطييف أبناء شعب العراق إلى طبقة متفاوتة من الطهرانية والصلاح والجدارة. وحيث أن الانتماء والعضوية في الطبقة "الوطنية"، وحسب مخيلة وطروحات من يعتبرون أنفسهم "مركز الوعي الوطني"، إنما تتطلب من الآخرين مجموعة من الالتزامات الخطابية والسلوكية والسياسية، التي تسمح لهم بنيل تلك المكانة. شيء يشبه مؤسسات السيطرة وديناميكيات الهيمنة التي كانت تستخدمها نزعتا القومية البعثية والإسلام السياسي الطائفي في العراق طوال عقود طويلة مضت، ولم تنتج إلا بُحوراً من الدماء في كل بيت عراقي. 

تنتمي الوطنية العراقية إلى إرث الصلابة والقسوة العراقية، لأنها تعتبر الكيان العراقي بداهة مطلقة، سابقة وذات أولوية على المجتمع والتكوينات الأهلية العراقية وحقها المطلق في اختيار ما يناسبها من مصير، دون هالة التكفير الرمزي أو التخوين السياسي أو التشبيح العنيف، ومن أي جهة كانت. الوطنية صلبة، لأنها تطلب من المجتمعات أن تلهث وتضحي لأن تكون مُطابقة لقداسة الكيانات والمخيلات الأيديولوجية. 

فإذا كان برنامج كوميدي يحتفي ويستبطن مثل تلك المفاهيم والنزعات، فالأكيد أن باقي مؤسسات الدولة والقوى السياسية في البلاد إنما تقدس ذلك المفهوم، وتعتبره تمثيلاً للطهرانية والقيم النبيلة.

لكن منتجات الحداثة تقول شيئاً مغايراً لذلك تماماً. فالبرامج الكوميدية يليق بها السخرية من الوطنيات والوطنيين. لأن الوطنية ببساطة هي البناء الروحي والعقلي والخطابي لأكثر الطبقات الاجتماعية محافظة وعنفاً ومركزية حول الذات، والأكثر ميلاً للاعتداد المجوف بالذات الجمعية، وحيث تنتج تلك الذات الجمعية المجوفة ما يناظرها من ذوات فردية تماثل الذات الجمعية تجويفاً واعتداداً أرعناً بالذات، بالأخص من السياسيين والشخصيات العامة، فتذهب الفكاهة لاصطياد تلك الذوات، عبر السخرية منها وتحطيم ما تبنيه من قِلاع كرتونية حول نفسها، تكشف خواءها وتهافت مضامينها، التي لا تحتوي شيئاً خلا الخطابية الشعبوية. 

تجاوزاً لكل ذلك، وحتى لو افترض المرء أنه ثمة وطنية عراقية ما، متمثلة بالعراق كدولة ذات مؤسسات مدنية ديمقراطية، على العراقيين أجمعين أن يوالوها، فإن هذا المرء يجب أن يسأل سؤال بديهياً: أين هي تلك الدولة العراقية المتخيلة، وفي أي أفق منظور يمكن تحقيقها. وإذا كان حال العراق على ما هو عليه، من عنف وهيمنة رعناء للفصائل المسلحة على الحياة العامة، إلى جانب الفقر والنهب العام وتحطم التعليم وانهيار القطاع الصحي، فهل من نبالة من أن يخلص المرء من كل ذلك، فيما لو استطاع، وإن كان متجاوزاً ومُحطماً لكل وطنية متخيلة.  

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.