الترحيب بجورج واشنطن
لوحة تجسد الرئيس الأميركي الراحل جورج واشنطن.

قبل أسبوع، قرأت ضمن أخبار "متغيرات عالمنا الذي نعيشه" خبرا من سان فرانسيسكو الأميركية، وهي مدينة الليبراليين واليسار الأميركي التاريخية، وفحوى الخبر أن مجلس التعليم الرسمي في المدينة قرر بالتصويت إزالة أسماء مدارس تحمل أسماء أعلام مثل جورج واشنطون و أبراهام لنكولن بل وحتى عمدة المدينة السابقة "عضو الكونغرس حاليا" السيدة ديان فينستين، والطلب من تلك المدارس تغيير أسماءها لشخصيات لا تشوبها شائبة "عنصرية"!!

الخبر من سان فرانسيسكو لقي ضجة في المدينة نفسها وانقسم أهالي المدينة، المشهورة بانفتاحها الشديد، على القرار الرسمي لمجلس المدينة، حتى أن عمدة المدينة الحالية تحفظت على القرار بشكل دبلوماسي، والعمدة نفسها سيدة سوداء.

حسنا، يبدو أني وقعت بالكفر!

هل استخدمت كلمة "سوداء"؟ هل سيعترض أحد على الكلمة باعتبار أنها كلمة عنصرية بغيضة تعكس كراهية من يستخدمها للعرق غير الأبيض؟

ماذا لو كانت العمدة سيدة "بيضاء" وكتبت ذلك؟ لن ينتبه أحد غالبا. لأن الذي يحمل العنصرية في داخله هو الذي يرى في مفردة "أسود" ما يثير العنصرية تلك الكامنة فيه.

سيحتج البعض باستخدام مصطلح " سيدة أفرو أمريكان"!! لكن هذا يعني ببساطة ومن باب المساواة التي يبالغ فيها البعض، أن أعرف الآخرين بذات المستوى فأقول أن صديقي ويليام "آيريش أميركان" أو ان الرئيس السابق دونالد ترمب "جيرمان أميركان"،  ولو لم نفعل ذلك فسنقع في فخ التمييز بلا شك! مما يجعل القصة كلها عبثا مبالغا به.

مثلا، نائبة الرئيس الأميركي السيدة الحسناء الجميلة كاميلا هاريس، هي ليست من أفريقيا، أصول والدها ربما تعود للقارة الأفريقية ووالدتها من أصول هندية، لكن هوية المواطنة - والمواطنة فقط-  هي الأساس في طريق وصولها  منصب نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

هل أخطأت من جديد؟ قلت عنها حسناء وجميلة؟

البعض من "دواعش اللبرلة" سيرون في وصفي لها بذلك نوعا من التحرش اللفظي، وفي أحسن الأحوال قد تكون "جندرية" تحمل رواسب تعصب ذكوري. 

هذا ما يحدث حاليا في العالم، انطلاقا من هناك خلف الأطلسي، جنون اللبرلة التي هي إعادة إنتاج "بتطرفها الإقصائي" لكل ما عانيناه في مشرقنا ذات "صحوة إسلامية سلفية" أواخر ثمانينات القرن الماضي حين انتتشرت السلفية كشرطة أخلاقية باديء الأمر، تضبط لنا ما نقول وما لا نقول فانتشرت ظاهرة "قل ولا تقل" ضمن منهجية ضبط مفردات لا تخالف العقيدة حسب نهج السلف، واستطاعت تلك السلفية أن تصبح هيمنة أيدولوجية إسلامية أخضعت فعلا وواقعا الفضاء العربي وجعلت مرجعية المجتمع العربي الأساسية هو ذلك الفقه المتشدد والضابط لكل الأدبيات والأقوال، بل وظهرت سطوة المحاكمات الدينية للكتب والأشخاص حد التكفير والتصفية الجسدية.

ما يحدث اليوم وبتسارع مرعب، وتم تسميته "الصوابية السياسية" - political correctness، صار بحد ذاته أيدولوجيا متطرفة بحيث تماهت مع السلفيات الدينية المتطرفة ليصبح مخالفتها كفرا، وانتقاد تماديها بالتسلط ليس رأيا آخر، وكل ما حدث قبلها هو بالضبط جاهلية متخلفة ومعتمة، ومن لا يتفق معها هو متخلف رجعي وذكوري وعنصري أو يحمل رهاب المثلية، وهذه كلها هي أدوات التكفير الليبرالي المشابهة لأدوات التكفير السلفي المعروفة (جاهلي وكافر بالدين وخارج عن الملة ومشرك بالله وصاحب فتنة وآثم).

--

لقد استطاعت الصوابية السياسية أن تكون حصان طروادة الأضخم في التاريخ البشري باقتحام هذا الحصان "الخشبي مجازا" لكل تفاصيل حياتنا كبشر عبر منهجية تحاول ضبط كل مناحي حياتنا وأفكارنا على سوية واحدة من التفكير والذوق، حتى أنها صارت اليوم تمارس عملية "اجتثاث" كل ما يمكن اجتثاثه من أدبيات الماضي في المجتمعات البشرية.

مثلا، كان فيلم Shawshank Redemption من أهم الأفلام السينمائية التي أجمع عليها النقاد والجمهور عموما، لكن حسب أئمة الفقه السلفي الليبرالي المستجد فإن الفيلم هو من عصور جاهلية لأنه لا يحوي أي دور أساسي لأي امرأة فيه. ( الفيلم كله تجري أحداثه في سجن للرجال)!!

أئمة الفقه الليبرالي مثلا، يحاولون جهدهم أن يكون الجزء القادم والجديد من سلسلة أفلام "جيمس بوند" متماهيا مع الدين الجديد للبشرية، فهناك رأي ينتشر عبر المقالات الفنية بضرورة أن يكون العميل 007 في المرة القادمة امرأة سوداء ومثلية، لكي يصبح للحركة النسوية و جماعة مناصرة حقوق السود ومجتمع المثليين جميعا حضور في الفن الإنساني عبر شخصية واحدة.

لكن، جيمس بوند له نوادي معجبين ضخمة حول العالم، وكلهم يحبون فيه الرجل الإنجليزي الأبيض معشوق النساء الهادئ؟

هذا غير مهم، ففي إجماع شيوخ وأئمة الفقه الليبرالي، فإن هؤلاء المعجبين بجيمس بوند التقليدي متخلفون ورجعيون ومن عصر الجاهلية!!

تخيل أن ولاة الفقه الليبرالي الحديث  استطاعوا أن يسحبوا فيلما أسطوريا من منصة " HBO MAX"، وهو فيلم ذهب مع الريح لأنه عنصري وذكوري!! 

شخصيا لست من معجبي الفيلم من ناحية السرد الطويل والحوار الأطول، وهو من الأفلام التي تجعلني أغرق في نوم عميق بعد نصف ساعة من بدايته، لكنه موجود في مكتبتنا المنزلية لأن زوجتي من أشد معجبيه، وفكرة أن وجوده في قائمتنا المنزلية ستجعلنا معرضين لشبهة التخلف والجهل تجعلني أشعر بالغضب والإقصاء والتعرض لعنصرية جديدة غير مسبوقة، ولك أن تتخيل حجم غضبي الشديد لو قرر هؤلاء مثلا أن فيلمي المفضل بلا منازع "العراب" بأجزائه الثلاث هو أيضا عنصري ضد السود أو متحيز ضد السامية فقط لأن رجل العصابات "وهي شخصية مجرمة أصلا" ربط المخدرات بالملونين أو استباح دم غريمه لأنه من أصول يهودية.

--

الصوابية السياسية لم تقتصر على السينما، هناك تدخل في المفردات واللغة والتسميات حتى، وهذا صار ينعكس على مهنة الصحافة التي امتهنها، فصارت المرجعيات "الليبرالية" ذات نفوذ أكبر.

التسميات تلك جعلتني أفكر مليا بحلقة من حلقات واحد من المسلسلات الحديثة والتي تعكس ليبرالية نيويورك، وهو مسلسل " SUITS" والذي يتحدث عن عالم المحامين الحديث برؤية تعكس المجتمعات الحديثة بكل أدبياتها الليبرالية.

في الحلقة إياها، تلجأ عاملة تنظيف الحمامات "وهي سيدة سوداء" إلى المحامي الوسيم "هارفي" لطلب مستحقات مالية من صاحب المبنى. وحين يسألها المحامي هارفي عن سبب منع حصولها على المستحقات، أجابت لأنها تحمل المسمى الوظيفي: facility manager- مديرة مرافق، وهو مسمى وظيفي يحرمها من أجر العاملات العاديات.

حسنا، ما فهمته أنا شخصيا أن المجتمع الليبرالي بالغ التهذيب أعطى وظيفة تلك المرأة اسما راقيا بدلا من عاملة تنظيف، لكن هذا الاسم الراقي هو الذي حرمها من دفع أجرة بيتها لأنه حرمها من حقوقها كعاملة تستحق الأجر.

لقد أصبحت عاملة المنزل بالأدبيات في الصوابية السياسية "مدبرة منزل"، وهذا جميل إلى حد ما، لكنه لا يعني شيئا بالمطلق ما دامت "مدبرة المنزل" تلك لا تحصل على حقوقها العمالية كاملة.

وعودا على بدء، فإن خبر مدينة سان فرانسيسكو التي تطل على الطرف الآخر من العالم نسبة إلى حيث أعيش، يجعلني أضع يدي على قلبي خوفا من اعتباره سابقة يمكن البناء عليها في تغيير الرموز التاريخية بما يتطلب ذلك من إعادة كتابة للتاريخ لحشره في مفاهيم "الصوابية السياسية" لا إعادة قراءة التاريخ ضمن سياقه الصحيح والتعلم منه، ومما يمكن أن نتعلم منه مثلا حسب المفهوم الهيغلي للتاريخ كحالة تعاقب للأفكار لا مجرد تتابع اعتباطي للأحداث أن شخصا تنويريا عام 1860 في أميركا الناشئة حديثا وقتها، لن يكون نفس الشخص التنويري في ذات الجغرافيا عام 2021.

إلا لو قررت الصوابية السياسية بفقه اللبرلة المتطرف أن السيد "هيغل" نفسه جاهلي وكافر يقع عليه حد الردة الليبرالي بالإقصاء والشطب.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!