لقد كانت معضلة الغش قائمة في معظم المؤسسات التعليمية العربية
لقد كانت معضلة الغش قائمة في معظم المؤسسات التعليمية العربية

تقلبت ليلة أمس في فراشي حتى الثالثة فجراً، داهمتني أفكار بدت عامة جداً وقد انقلبت لتأخذ منحى شخصي ثقيل في نفسي. تذكرت مقال لمعلم من أحد الدول العربية كنت قد قرأته في بدايات أزمة كورونا وذلك بعد مرور بعض الوقت على إطلاق عملية التعليم الالكتروني والتي سبقت دول عربية عدة الكويت إليها. كنا بعد ما بدأنا التعليم الالكتروني في الكويت، مما دفعني لقراءة مقال المعلم الزميل بنصفي عين، نصف متعاطف معه ونصف آخر ناقد لما تصورته مبالغات منه خصوصاً حين أعلن تقاعده العمل التعليمي بعد تجربة التعليم الالكتروني. 

ولقد كانت معضلة الغش قائمة في معظم المؤسسات التعليمية العربية، ومؤسسات الكويت ليست باستثناء، بل ان الوضع استفحل عندنا داخليا لحد خروج الصحف المحلية بعناوين رئيسية مشيرة إلى أن كارثة الغش هي أحد أهم العوائق التعليمية المحلية، ثم لتتثبت هذه الصورة بعمقها وخطورتها الحياتية والأخلاقية حين خرج مجموعة من أولياء الأمور عندنا في الكويت معتصمين ضد إجراءات وزارة التربية تجاه الطلبة الغشاشين، مطالبين بمراعاة "عيالنا" والأخذ بعين الاعتبار أن "الجميع يغش".

لا تختلف الكويت عن بقية العالم العربي في هزيمتها أمام طغيان مفهوم "الغاية التي تبرر الوسيلة"، في هزيمتها في مواجهة هدف "أفضل النتائج بأقصر الطرق، أياً كانت هذه الطرق." تتندر الأمهات (وأحياناً الآباء إذا ما شاركوا في التربية التعليمية) بانشغالهن بالدروس أكثر من الأبناء، حيث تؤدي هذه الأمهات أغلبية الامتحانات الالكترونية لتأتي نتائج أبناءنا في العالم العربي جميعاً خلابة، لقد انقلب "كل العيال" بين ليلة وضحاها لتلاميذ نجباء. إنه سحر الكورونا العجيب، يضرب الجهاز التنفسي من جهة ويحيي الجهاز العقلي من جهة أخرى.

أما في الجامعات، فقد انتشرت الأوراق المزورة والأبحاث المنقولة والامتحانات المغشوشة، وتفنن البعض في إيجاد وسائل "لأقصر الطرق"، حيث ظهرت وظائف جديدة في هذا الإطار مثل وظيفة "طالب حضور" ووظيفة "طالب ممتحن" ووظيفة "مرافق لطالب" وغيرها من "وظائف" فتحت الكورونا بتعليمها الإلكتروني الباب أمامها. لقد سَمَت بنا أزمة الجائحة كبشر من ناحية كما كشفت عوراتنا الأخلاقية من ناحية أخرى، أظهرت أفضل تعاضداتنا الانسانية وأسوأ انتهازياتنا وفقرنا الأخلاقي، والتي أخطرها بكل تأكيد ما يتجلى في المجال التعليمي.

أحاول أجد بعض الأمل، أو أن أجدده، أن أجتره من سنام ذاكرتي، لكن لا شيء يجدي وأنا أدقق ورقة بعد ورقة، امتحان بعد امتحان، واجب بعد واجب لأكتشف ليس المستويات العلمية والثقافية للطلبة، ليس فهمهم الأدبي والفني للمادة المطروحة، ليس مقدار مهاراتهم الكتابية والتحليلية والنقدية، ولكن لأكتشف، في عدد حالات أكبر مما يجب أن يكون، أساليب خارقة الذكاء في نقل المعلومة وترصد المواقع الانترنتية الخفية والاستعانة بالمساعدات الخارجية كمكاتب البحوث التي أعتبرها، دون أي تعديل أو تخفيف للتعبير، دور بغاء عقلي. طبعاً اكتشاف تلقي الطالب المساعدات الخارجية هو المهمة الأصعب، حيث يتسنى هذا الاكتشاف بعد فترة من معرفة الطالب واختباره شفهياً وكتابياً في مواقف ومواقيت مختلفة. وكما يتحايل الطلبة لنيل الدرجة، نتحايل نحن لكشفهم، لتتحول العملية التعليمية من مساحة بين طلبة وأساتذة في محيطات علمية جادة راسخة هدفها الثقافة الحقة، إلى حلبة ملاكمين يداورون ويناورون، والغلبة للأكثر دهاء.

لقد ترددت كثيراً في كتابة هذا المقال، فالإشارة لمؤسساتنا التعليمية، الأهم والأرفع والأخطر بين كل مؤسسات المجتمع المدني، هو فعل كتابي غاية في الحساسية لا يجب أن يتم إلا بحساب. ولولا أن الوضع تدهور بشكل غير مسبوق، ما كنت لأتناول هذا الموضوع المؤلم الذي ظهر تحت أسوأ الظروف، ظروف كشفتنا كمعلمين قبل الطلبة: ماذا كنا نعلم أجيالنا القادمة كل هذا الردح الماضي من الزمن؟ أي كود أخلاقي زرعناه فيهم؟ أي تجاهل وتقصير واستخفاف بدو منا حتى يصل الحال لما آل إليه؟ 

نحن، كمعلمين وأكاديميين، نتحمل القدر الأكبر من المسؤولية بلا شك، لذا دعوني أرفق الاعتذار باعتراف. بلا شك، الطريق القصير مغري، مغري من حيث سهولة قطعه واجتيازه، ومغري من حيث سهولة تبرير اللجوء إليه، ومغري من حيث سهولة إقناع النفس أنها "مرة وتعدي"، بل أن أشد درجات إغرائه تتجلى في شهودكم بحد ذاتكم لتبني الأجيال السابقة له علنا، بلا حياء، وبلا تداعيات أو عقوبات تذكر. بل إنني أتفهم تماماً عدم وضوح فساد هذا الطريق فعلياً، عدم القدرة على تمييز خرابه الأخلاقي، وهذه ضبابية أجيالكم السابقة مسؤولة عنها تماماً. 

لكن رغم كل المبررات، واقع الحال يا صغار أن كل الفساد الذي تشكونه وكل المعاملة التمييزية "الوسائطية" التي تعانون منها وكل استحقاقاتكم المهدرة وكل مهاراتكم غير المقدرة إنما يقبع خلفها أشخاص أخذوا خطوة مبررة في طريق الفساد، خطوة أسروا لأنفسهم أنهم صغيرة وبسيطة ومفردة، خطوة سرعان ما جرّت خطوات وخطوات حتى أصبحت قصة حياة فاسدة كاملة لصاحبها ولكل من يعرفه أو يتعامل معه. تذكروا يا صغار أن كل فاسد تنتقدونه وكل نصاب تسخرون منه وكل متحايل تذمونه، كان ذات يوم شاب أو شابة ذوي طموح، سمح لنفسه أن ينزلق مرة، وبرر لنفسه أن يتساهل أخرى، وسوغ لضميره أن يصمت أخرى وأخرى، ليصل سريعاً وعالياً، وليتحكم بكم ويهدر حقوقكم.

يمكن لكم أن تستكملوا هذه الدائرة البشعة المريبة التي تملأ المجتمع بالفاسدين، ويمكن لكم أن تقولوا لا، سيقف هذا الدوران الأحمق هنا.. عندنا. لا أقصد هنا أن أحملكم مسؤولية الإصلاح بأكملها، لكنني بالتأكيد أحملك إمكانيته، الأجيال السابقة المعجونة في مفاهيم الفساد لا أمل في إنقاذها، الأمل اليوم بكم ولكم.

أعلم أن المقال يحمل طعم المبالغة، إلا أن الحقيقة أنه لا مبالغة مطلقاً هنا. لقد تحول الوضع التعليمي في المنطقة إلى متلازمة نفسية، ناحياً إلى مناورات خطرة أخلاقياً لا تمت للمحيط الأكاديمي بصلة. أقر أن الطواقم التعليمية العربية كلها وفي كل المراحل التعليمية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، فهي وإن لم تخلق مفهوم "الغاية تبرر الوسيلة"، وهي وإن كانت ضحية أخرى للظروف السياسية وما خلقته من تناقضات أخلاقية في المنطقة، إلا أنها لم تقاوم كما تستوجب المقاومة من المعلمين والأكاديميين وصناع الرأي في المجتمع. لقد كشفتنا الجائحة وعرت الطريقة الحقيقية التي نفكر بها ومستوى الالتزام الأخلاقي الذي يمكن أن نتمسك به حين تختفي المراقبة التقليدية ونترك لضمائرنا. لابد من التعامل مع القضية بجدية قصوى ومحاولة خلق حلول فاعلة وفورية للتعامل مع معضلات المجال التعليمي. إذا انهزم التعليم بالكامل، ستكون تلك هي النهاية. 

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.