"من غير الممكن أن نتخيل أن يقبل الإسرائيليون قيام دولة فلسطينية مستقلة مجاورة ومعادية"
"من غير الممكن أن نتخيل أن يقبل الإسرائيليون قيام دولة فلسطينية مستقلة مجاورة ومعادية"

يعد إعلان السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في الربيع والصيف تطورا ايجابيا، بل فرصة ذهبية، على شرط أن ينجح الفلسطينيون في استغلالها. 

الزميل عريب الرنتاوي أشار إلى عدد من العقبات اللوجستية، وهذه يمكن تذليلها بسهولة نسبيا، والسماح للفلسطينيين في الداخل وحول العالم بالاقتراع، وكل ما يحتاجه الناخب الفلسطيني في الخارج إبراز أي نوع من الأوراق الانتدابية أو الصادرة عن الأونروا، على غرار ما فعل عراقيو المهجر ممن اقترعوا في أكثر من دورة انتخابية، كان منها للمصادقة على الدستور الحالي. هذا في الشكل.

أما في المضمون، أشار الرنتاوي إلى تخوف إقليمي من انتصار انتخابي للمجموعات الإرهابية، أي حماس و"الجهاد الاسلامي"، وتحدث عن جهود لتوحيد جناحي "فتح" التابعين للرئيس محمود عبّاس ولمحمد دحلان، وربما تحالفهما مع المسؤول السابق مروان البرغوتي، المسجون في إسرائيل، وهو ما من شأنه تأمين انتصار فتح، المعتدلة، على متطرفي الإسلام السياسي. ثم يمكن للحكومة الفلسطينية المقبلة الانخراط في مفاوضات مع إسرائيل، برعاية أميركية ودولية، للتوصل إلى حل الدولتين.

لكن الانتخابات على الطريقة العربية القبلية المعروفة — أي جناح فلان وأزلامه مع جناح فلان ضد خصومهما — هو سباق من قبيل الثرثرة السياسية، فيما المطلوب هو أن يقدم المرشحون الفلسطينيون أفكارا جديدة وخططا واضحة لتحقيق قيام دولة فلسطينية.

في العقل الجماعي الفلسطيني، كما العربي، تقوم إسرائيل باحتلال أراض فلسطينية وحكم الفلسطينيين عسكريا لإذلالهم، وترحيلهم، وانتزاع أراضيهم منهم، وقد ينطبق هذا التصور العربي على بعض متطرفي إسرائيل، لكنه لا يمثل الغالبية، ولا حتى أقلية ذات وزن. 

من يتابع بموضوعية النقاش داخل إسرائيل، يمكنه التوصل إلى الاستنتاجات التالية، أولا: إن موقف اليسار الإسرائيلي مطابق تماما للخطاب الفلسطيني، وهو أحد أسباب ضعف اليسار شعبيا، فضلا عن ضعفه المرتبط بتراجع دور الاتحادات العمالية ونفوذها السياسي في كل دول العالم. ثانيا: اليمين الإسرائيلي الحاكم متلهف للانفصال عن الفلسطينيين، وإنهاء حكم إسرائيل  العسكري عليهم. غالبية اليمين الاسرائيلي تسعى لحل دولتين، لا حبا بالفلسطينيين، بل طمعا في الحفاظ على الهوية اليهودية لدولة اسرائيل. 

هكذا تتكرر دعوات اليمين الإسرائيلي للانسحاب من حياة الفلسطينيين، مثل ما ورد في كتاب ميكا غودمان "عقدة 67" الذائع الصيت، قبل عامين، أو في مقالة جنرال الاستخبارات المتقاعد، موردخاي كيدار، في صحيفة "ماكور ريشون" اليمينية، قبل أسبوعين.

اليمين الإسرائيلي يدعو للانسحاب من الضفة الغربية وتسهيل حياة الفلسطينيين وحكمهم أنفسهم، مع الإبقاء على وجود عسكري إسرائيلي في مناطق غير مأهولة في غور الأردن وعلى رؤوس التلال المطلة على الساحل، وذلك لأسباب عسكرية دفاعية استراتيجية. ويمكن لإسرائيل تعويض الفلسطينيين عن هذه الأراضي بأراض في مواقع إسرائيلية أخرى مجاورة للضفة. 

والحال هذه، ما المطلوب من الفلسطينيين للحصول على دولتهم؟ غالبية مسؤولي وخبراء العالم والفلسطينيين ينغمسون عادة في تفاصيل تقنية حول السيادة والمياه واللاجئين، ويعتبرون أن هذه عقبات يستحيل تسويتها، ما يجعل قيام فلسطين وسلامها مع اسرائيل أمرا مستحيلا. لكن ما يشغل الإسرائيليين هو غير ذلك.

إسرائيل التي يسعى إليها الإسرائيليون — بعد توقيعهم السلام مع الفلسطينيين — هي دولة أحادية القومية، تشبه الدولة الفلسطينية الأحادية القومية التي يسعى إليها الفلسطينيون أنفسهم في جوار إسرائيل. 

مبدأ الدولة الأحادية القومية ليس فريدا من نوعه، وهو نقيض دولة مثل الولايات المتحدة المتعددة الاثنيات، والتي ترى نفسها "بوتقة انصهار" لكل من يوافق على تبني المبادئ المؤسسة لها. فرنسا وهولندا، مثلا، من الدول الأحادية القومية، أي أنه لا يمكن لأي مهاجر أن ينال الجنسية الفرنسية دون أن يتعلم اللغة الفرنسية، أو دون أن يتبنى علمانية الدولة وأساطيرها المؤسسة. ولا متسع في فرنسا لقوميات غير فرنسية، ومثلها في إسبانيا، التي تسعى للحفاظ على قومية أحادية، متخيلة في الغالب، فيما تطالب الإثنيات غير الإسبانية، مثل الكاتالان أو الباسك، اما بحكم ذاتي أو بالانفصال.

في فلسطين، حبذا لو يلمع نجم مرشحين ممن يدركون أن أسرع طريقة لقيام دولة فلسطين العربية هو الإسراع في تكريس يهودية دولة إسرائيل، وممن يدركون أن أسرع طريقة للاقتراب من السيادة الفلسطينية هو شعور الإسرائيليين أن أي دولة فلسطينية سيدة ومستقلة ستكون حليفا وثيقا لإسرائيل، تشترك معها في المصالح والمستقبل.

إذ من غير الممكن أن نتخيل أن يقبل الإسرائيليون قيام دولة فلسطينية مستقلة مجاورة ومعادية، تسمح مثلا بزيارة زعيم "حزب الله" اللبناني، حسن نصرالله، أو المسؤولين الإيرانيين إليها، فهؤلاء يدعون للقضاء على إسرائيل، وهو ما يعني أن زياراتهم لفلسطين ربما تكون استخباراتية عسكرية، هدفها تحويل فلسطين إلى قاعدة صواريخ إيرانية، كلبنان وسوريا، مُسلَّطة على رؤوس الإسرائيليين.

بكلام آخر، أمام الفلسطينيين فرصة لانتخاب قادة يحملون خطابا جديدا عن السلام، خطاب يسعى إلى تأكيد أن الفلسطينيين ودولتهم سيدافعون عن إسرائيل وأمنها ومستقبلها كدولة يهودية، وهذا خطاب يضمن الفوز بقلوب الإسرائيليين، ويدفعهم لتسهيل قيام دولة فلسطين العربية المتحالفة مع إسرائيل.

أما العودة إلى نفس الخطاب الخشبي القومي العربي، المبني على خذ دولة فلسطين وطالب بمشاركة اليهود إسرائيل، فخطاب لا ينطلي على الإسرائيليين، وسيحافظ على ريبة الإسرائيليين من الفلسطينيين ونواياهم تجاه الدولة العبرية، وسيدفعهم إلى مواصلة استخدام القوة العسكرية لمنع الفلسطينيين من تهديد إسرائيل عسكريا أو أمنيا.

إن قيام دولة فلسطين يتطلب سلام كل فلسطيني مع نفسه أولا، وتجاوز محن الماضي — نكبات ونكسات وانتفاضات — ومسامحة الإسرائيليين، وطلب السماح منهم، وإقامة صداقة معهم، وكسب ثقتهم وودهم. هكذا يكون السلام، في القلوب أولا، وفي المحافل الدولية ثانيا، وفي دولة فلسطين أخيرا.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!