قوات الأمن فرضت إجراءات مشددة بالمنطقة
السيسي فاز في الانتخابات السابقة بنسبة 97.08 بالمئة.

تقول الحكومات العربية منذ سنوات أنها تريد إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي عبر حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام مع دولة إسرائيل، وترى بعض هذه الحكومات أن الوقت مناسب اليوم لإقناع إدارة بايدن بطرح مبادرة للسلام تنطلق من هذا الحل، ولكن كيف سيستطيع الفلسطينيون إقناع هذه الإدارة بأنهم قادرون على تسيير أمور الدولة الموعودة بعد فشل السلطة الفلسطينية في تقديم نموذج ناجح طوال إدارتها للضفة الغربية، والذي تظاهر بغياب أي مظهر للحكم الرشيد مثل الشفافية والمحاسبة أو الرقابة التشريعية على الميزانية الحكومية، مما سمح لهذه السلطة بتوظيف أشخاص غير مؤهّلين وتعيينهم حسب اعتبارات التنفيع وشراء ولاءات العائلات الكبيرة، وأوجد بقاء هؤلاء في مناصبهم لفترات طويلة بيئة مناسبة للفساد. 

ولذلك أصدر ائتلاف "أمان" الفلسطيني تقريرا قال فيه أن 85 في المائة من فلسطينيي الضفة وغزة يعتقدون بوجود فساد في مؤسسات السلطة، كما دفع هذا حركة "طفح الكيل" للدعوة لتنظيم مسيرة في رام الله للتنديد بالفساد، ولكن السلطة قامت باعتقال ناشطي الحركة استباقيا تحت ذريعة مخالفتهم نظام الطوارئ المرتبط بمواجهة كورونا، ولكنها بعد اعتقالهم جمعتهم في سيارات وزنازين مزدحمة!، والسبب الذي تقدمه السلطة لاعتقال من يتحدث عن فشلها أو فسادها أن توجيه مثل هذه الاتهامات في الظروف الحالية غير مناسب لأنه لا يجب أن يعلو صوت فوق صوت المعركة، وهو شعار سرقته السلطة الفلسطينية من الديكتاتوريات العربية المجاورة. 

أما إمارة حماس الإسلامية في غزة فقد شكّلت بحدّ ذاتها سببا كافيا لدفع العالم لمعارضة قيام أي سلطة فلسطينية، كما أن استمرار الانقسام الفلسطيني لسنوات طويلة أكّد على صعوبة التفاهم بين الفلسطينيين على شكل دولتهم المستقبلية وطريقة إدارتها، وفي محاولة لإيجاد مرجعية فلسطينية تستند ولو شكليا على شرعية شعبية تسمح لها بالتفاوض على حل سياسي، ضغطت السعودية ومصر على السلطة الفلسطينية كما ضغطت تركيا على حركة حماس لتنظيم انتخابات في أسرع وقت، فأصدر محمود عباس مرسوما بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في مايو ويوليو المقبلين.  

لكن سرعان ما بدأت السلطة بتقديم شروطها للسير في العملية الانتخابية، فطلبت من المجتمع الدولي تقديم مساعدات مالية لتنظيم هذه الانتخابات، كما طالبت بالضغط على إسرائيل لتمكين الفلسطينيين في القدس من المشاركة في الانتخابات "حتى لا تكون الديمقراطية الفلسطينية رهينة الاحتلال"!، بما يعني التلويح بأن إسرائيل ستكون مسؤولة عن عدم إجراء هذه الانتخابات إذا لم تسمح لسكان القدس الفلسطينيين بالمشاركة فيها.  

وأتبعتها بمحاولات لإفراغ الانتخابات من محتواها، فقد أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية أن الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية منذ أكثر من خمسة عشر عاما، هو مرشّح حركة فتح للرئاسة رغم أن عمره قد تجاوز 85 عاما، كما أن عدة مؤشرات تقول إن السلطة الفلسطينية أو حركة فتح ستخوض الانتخابات في قائمة مشتركة مع حركة حماس، وإذا تأكد ذلك فإن الإنتخابات لن تكون سوى مسرحية صورية، وللتغطية على هذه الحقيقة طالبت السلطة الفلسطينية بإرسال مراقبين دوليين "للإشراف" على العملية الإنتخابية. 

ولكن هذا الإشراف سيقتصر على اصطحاب المراقبين من قبل موظفي السلطة نفسها في جولات سيشاهدون فيها مراكز انتخاب تحتوي صناديق اقتراع وأشخاص يأتون إليها للإدلاء بأصواتهم، مع أن ذلك لا يضمن وجود مناخ ديمقراطي حقيقي يستطيع فيه المواطن التعبير عن رأيه بحرية، ففي الأراضي الفلسطينية هناك بحدود 200 ألف شخص يقبضون رواتبهم من السلطة، بين موظفين وأفراد في قطاع الأمن وعائلات القتلى والجرحى، وهؤلاء مع عائلاتهم قد يخشون على رواتبهم إذا قاموا بأي نشاط سياسي يجعل ولاءهم للسلطة موضع شك، أما في غزة فلا يمكن الحديث عن أي أثر للديمقراطية، فهناك تعتبر المطالبة بالسلام مع إسرائيل خيانة عقوبتها الموت، ويعتبر تصريح أي شخص بأنه لا يريد ممارسة الدين الإسلامي دليل على كفره وارتداده عن الدين. 

وطوال السنوات الماضية كانت الحجّة التي يستخدمها الكثير من الفلسطينيين لتبرير عدم وجود آليات ديمقراطية في مناطق السلطة تتراوح بين صغر مساحة هذه المناطق أو عدم تواصلها جغرافيا أو وجود احتلال إسرائيلي حولها، ولكن هناك دول ديمقراطية وناجحة وغنية رغم أنها صغيرة المساحة ومحاطة بدول كبيرة مثل سنغافورة وسان مارينو، أي لا يوجد سبب يمنع من إدارة مدينة رام الله بطريقة ديمقراطية حتى لو كان هناك وجود عسكري إسرائيلي حولها.   

كما أن إلقاء مسؤولية غياب الديمقراطية في المناطق الفلسطينية على إسرائيل لا يفسّر عدم وجودها في بقية الدول العربية، ففي مصر تم تفصيل "ديمقراطية" على مقاس السيسي، قامت فيها أجهزة الأمن باعتقال أو احتجاز كل من أعلن رغبته في الترشح لمنافسته في انتخابات 2018 مثل رئيس الأركان السابق سامي عنان ورئيس الوزراء السابق أحمد شفيق بحيث لم يبقى سوى السيسي ليتنافس مع  مرشح آخر هو أحد مؤيديه! فحصل السيسي على أكثر من 97 في المائة من الأصوات، في حين لم يحصل حسني مبارك في انتخابات عام 2005 سوى على 89 في المائة من الأصوات!، كما تم عام 2019 تنظيم استفتاء نجم عنه تعديل الدستور المصري بما يسمح للسيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2034 مع زيادة في صلاحياته. 

أما المؤسسة العسكرية في الجزائر فقد كان لها أسلوب آخر في الحكم وهو وضع أشخاص في منصب الرئاسة دون أن يكون لهم أي دور في إدارة البلد، واتّضح ذلك مع بوتفليقة الذي فاز بأربع دورات انتخابية مدتها 20 عاما وفي آخر عشر سنوات من حكمه كانت جميع المؤشرات تؤكد أنه غير قادر صحيا على إدارة أمور البلد، إلى أن نزل الجزائريون إلى الشوارع احتجاجا على ترشيحه لولاية خامسة عام 2019 فقامت المؤسسة العسكرية  بعزله، ولكنها وضعت بديلا عنه واجهة جديدة هي عبد المجيد تبون المقيم بمشافي ألمانيا منذ أشهر، كما لا يمكن عند الحديث عن المسرحيات الديمقراطية في المنطقة العربية تجاهل الانتخابات والاستفتاءات التي تجريها عائلة الأسد في سوريا في مهزلة مستمرة منذ أكثر من نصف قرن. 

وفي العراق ولبنان تجري إنتخابات دورية تحت سيطرة أحزاب مسلحة تتعاون فيما بينها لتشكّل قوائم مشتركة في ما يسمونه "المدحلة الانتخابية" التي لا تترك للآخرين شيئا، وتتحكم هذه التنظيمات بالحياة السياسية عن طريق سلاحها أولا ثم عبر العامل الاقتصادي لأنها مصدر الدخل الوحيد لآلاف الشباب الذين تجندهم في ميليشياتها في بلد لا توجد فيه الكثير من فرص العمل.  

وفي المحصلة تبذل الأنظمة العربية بما فيها السلطة الفلسطينية كل جهدها لمنع عملية الانتقال إلى النظام الديمقراطي رغم أنه النظام الأصلح لإدارة الدولة والمجتمع ورغم أنه ينعكس إيجابا على حياة الانسان وسعادته وكرامته، ولكن هذه الأنظمة تحتاج إلى التنكّر أمام العالم الخارجي بثياب الديمقراطية، فتقوم دوريا بتنظيم إنتخابات صورية وإصدار دساتير لا قيمة لها، ويبدو أن دول الغرب تتواطأ مع هذه الأنظمة وتدّعي تصديق هذا الشكل الغريب من أنظمة الحكم، ولذلك ستستمر هذه المسرحيات حتى تقرر الشعوب نفسها رفضها والمطالبة بتحوّل ديمقراطي حقيقي وعندها قد يضطر العالم للوقوف مع إرادة الشعوب.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.