كنا ستة زملاء من أكثر من وسيلة إعلامية في اجتماع عبر تطبيق "زوم" نناقش مشروع نشر مشترك لتحقيقات عن لقاح "كوفيد ١٩". لبنانيان ويمني وبريطاني وزميلة من عرب الـ٤٨ من حيفا، وأخرى فلسطينية من غزة. في الاجتماع اكتشفنا أن الزميلة الحيفاوية وحدها من بيننا من تلقى الجرعة الأولى من اللقاح. وهنا لم تتسلل إلى لبناني مثلي يعيش في دولة فاسدة وفاشلة، الخيبة التي يمكن أن تمثلها هذه الحقيقة، إذ يتجسد الفشل هنا قضية، في وقت تبدو فيه زميلتنا الحيفاوية التي تتعرض لتمييز عنصري في مواطنتها متقدمة علينا لجهة اهتمام السلطة التي اغتصبت أرضها بها. وبهذا المعنى فإن السلطات في بلداننا أشد اغتصاباً لحقنا من اغتصاب إسرائيل للحق الفلسطيني.
لكن ما شغلني في ظل هذه الحقيقة أمر آخر تماماً. فإسرائيل في سبق متواصل منذ نشوء الكيان. بنيامين نتانياهو يريد الفوز بقصب السبق على العالم كله في إتمام عملية التلقيح. سيكون الأمر مرهقاً على نحو يفوق الإرهاق الذي عممه الفيروس على كل العالم. أن تكون اسرائيلياً يعني أنك في سباق متواصل على كل المستويات. سباق تسلحٍ وسباق ديموغرافي، وسباق على الحرب وسباق على السلام وعلى عرقلة السلام. لا وقت لالتقاط الأنفاس، ولجريان الحياة العادية. الأمر مرهق فعلاً، وهذه لحظة لن نحسد الإسرائيليين عليها، وقد تصلح لأن نراوغ أنفسنا بها ونغبطها على عيشنا خارج هذا السباق الذي يقطع الأنفس. لكي تقنع إسرائيل يهود العالم بالقدوم عليها أن تثبت لهم أنها أفضل مكان للعيش في العالم، وهذه مهمة تقطع الأنفس! وأن تعيش في دولة هذا همها، قد تسبق غيرك في أخذ اللقاح، لكنك لن تكون سعيداً.
لكن اجتماعنا لم تقتصر مفارقاته على الزميلة الحيفاوية الملقحة، ذاك أن زميلنا البريطاني أصابته غصة أيضاً، فاللقاح لن يصله بالقريب العاجل، والبيروقراطية الأوروبية أثبتت فشلها في مواجهة الوباء. المفارقة مرتسمة على وجوه الأوروبيين أيضاً. فكل هذه السنوات من البناء ومن المراكمة ومن النجاح لم يسعف القارة العجوز في حربها على الجائحة. ثمة خلل لم تتمكن أوروبا من تحديده بعد. فأن نقول إن القطاع الصحي والاستشفائي اللبناني فشل، في ظل الفساد والإفلاس، في استيعاب الوباء، فماذا عن القطاع الصحي في بريطانيا؟ نسب الوفيات هناك أعلى من نسبتها هنا! أين الخلل؟ إنها كورونا، صاحبة أغرب الظواهر وأشدها غموضاً. الزميل البريطاني الذي لا يحب إسرائيل ولا يحب بوريس جونسون استشاط غضباً، من حقيقة اقتصار اللقاح على الزميلة الفلسطينية، وهو استعان، وكان محقاً بذلك، بالتمييز الذي تمارسه إسرائيل حيال الفلسطينيين عبر تمنعها عن تلقيح سكان المناطق المحتلة والخاضعة لإدارتها بحسب اتفاقيات جنيف.
الزميلة الغزاوية تبعد مسافة أطول عن اللقاح، فغزة أمامها عوائق من نوع آخر، وأكثر من طوق يحول دون وصول اللقاح إليها. الطوق الفلسطيني والطوق الحمساوي، يضافان إلى أطواق الإفلاس والفساد وعدم توفر البنية الضرورية لخزن اللقاح وحمايته من الفساد.
أما ذروة الاستعصاء فقد عرضها الزميل اليمني المقيم في صنعاء. الحوثيون يرفضون استيراد اللقاح، هذا قبل أن نتحدث عن استحالة وصوله إليهم. وهم اذ لم يحددوا بعد سبب رفضهم، وما إذا كان سبب علمي أم ديني، بادروا إلى إبلاغ اليونيسف بعدم قبولهم بهبة عبارة عن عشرات الآلاف من اللقاحات كانت على وشك الوصول إلى العاصمة اليمنية.
بعد أن يُبدد اليمنيون هذه العقبة وينجحون بإقناع الحوثيين بأن اللقاح "حلال" عند الله، وضرورة لعبيده، يبقى عليهم أن يقنعوا حكومة الجنوب المعترف بها دولياً بأن تعتبر أهل الشمال جزءاً من مسؤوليتها، وهذا إذا ما نجحوا به قد يُشعر الحوثيين بانتقاص "سيادتهم" على المناطق التي يسيطرون عليها! هذا ما جرى حرفياً في موضوع رواتب الموظفين، فعندما قررت حكومة الجنوب دفع رواتب موظفي الشمال استيقظ الحس السيادي لدى "حكومة الأمر الواقع" في الشمال، ووقع الموظفون ضحايا الوجدان السيادي لدى الجماعتين.
لا بأس علينا اذاً، فالحل "السوري" هو الأنجع حيال هذه الاستحالات. النظام هناك وجد أن حل معضلة "كوفيد ١٩" تتمثل في نكران وجوده أصلاً. فمشكلتنا في لبنان وفي اليمن وفي الأراضي الفلسطينية هي أننا اعترفنا بوجود فيروس لا نملك القدرة على مواجهته. أما مشكلة زميلنا البريطاني، فهي أكبر، ذاك أنه يعيش في بلد كان يعتقد أنه راكم من العلم ما يكفي للتصدي للجائحة، وإذ بالفيروس يفوقه ذكاءً وقدرة على مراوغة المختبرات.

