التعليم عن بعد.. نهج جامعة تل أبيب الجديد
"التعليم عن بعد يعطي الفرصة لأفضل وسائل التعليم أن يستخدمها آلاف من الطلبة حول العالم"

بعد انتشار وباء كورونا وصعوبة تجمع العديد من الطلاب في مكان واحد، انتشرت فكرة التعليم عن بعد كانتشار النار في الهشيم حيث أنها كانت بمثابة المنقذ والمخلص لهؤلاء الطلبة.

والحقيقة أن موضوع استخدام الكمبيوتر في طرق التعليم قد بدأ منذ عشرات السنين ولكن على نطاق ضيق. وجاءت جائحة كورونا وسرعة الإنترنت الفائقة ووجود أنظمة تكنولوجية مثل "زووم" وغيرها، لتحوّل الأمر لظاهرة عالمية فريدة من نوعها وفي زمن قياسي.

والعجيب في أمر "التعليم عن بعد" أنه بالإضافة إلى إنقاذ التعليم لدى كثيرين ومنع انهيار المنظومة التعليمية بعد وباء كورونا - فقد كانت له آثار قد يراها البعض إيجابية في العديد من النواحي.

فعلى سبيل المثال فإن التعليم عن بعد يعطي الفرصة لأفضل وسائل التعليم أن يستخدمها آلاف من الطلبة حول العالم دون التقيد بمكان فصل أو مدرج محدود. وفي هذا الصراع بين الأنظمة التعليمية المختلفة يكون "البقاء للأصلح" هوالقانون العام، فلا مكان للضعفاء في عالم الإنترنت. 

ومن الأمور الإيجابية الأخرى في "التعليم عن بعد" هو التقليل من الوقت الضائع في المواصلات التي يستخدمها الطلاب للانتقال جسدياً إلى مواقع التعليم المختلفة. وهذا الأمر لا يتسبب فقط في التقليل من الوقت الضائع على هؤلاء الطلاب للحصول على التعليم وحضور المحاضرات، ولكن يقلل أيضاً من الانبعاثات الحرارية وانبعاث ثاني أكسيد الكربون الناتج عن استخدام البنزين وغيره من المحروقات أثناء عملية الانتقال الجسدي لتلقي المحاضرات في المواقع التعليمية المختلفة. أي- بصورة أخرى- فإن التعليم عن بعد قد يكون عاملاً مساعداً (ولو بشكل بسيط!) في التقليل من تلوث البيئة والذي يشكل خطورة على مستقبل كوكب الأرض.

ومن زاوية أخرى فقد يرى البعض أن التعليم عن بعد نظام غير جيد، وقد يصفه البعض بأنه "نظام فاشل" لأنهم يرون أن التلاقى الإنساني بين الطلاب والأساتذة والحراك اليومي والفكري بينهم هو جزء أساسي لنجاح منظومة التعليم. 

ومما لا شك فيه أن هذا الرأي فيه جزء من الصحة، ولابد أن يؤخذ بعين الاعتبار خاصة في الكليات التي تحتاج إلى جزء عملى في برامجها التعليمية مثل كليات الطب والهندسة وطب الأسنان والصيدلة وكليات العلوم والزراعة وغيرها من الكليات العملية. 

وإذا نظرنا للأمر من عدة جوانب نستطيع أن نقول أن نظاما تعليمياً خليطاً مثل نظام السيارات "الهيبريد" التي تستخدم الكهرباء والبنزين قد يكون هو الأنسب في الوقت الحالي فيتلقى الطلبة بعض المحاضرات عبر الإنترنت (أي تعليم عن بعد) في بعض أيام الأسبوع ويلتقوا مع بعضهم البعض ومع أساتذتهم في أيام أخرى داخل الكليات والجامعات (أي تعليم تقليدي داخل الجامعات). 

ومن الجدير بالذكر هنا أن نجاح عملية التعليم عن بعد لا تتم فقط من خلال وضع معلومات وصور وبحوث على مواقع الإنترنت، بل أنها تحتاج إلى استخدام وسائل "الفكر السيكولوجي" و"دراسات الذاكرة" المتنوعة لتخليق نماذج تعليمية تستخدم بنجاح هذه الوسائل الفكرية والدراسات. ومن هذه الوسائل "الانتشار التحفيزي في العقل البشري" ونقل المعلومة للذاكرة طويلة المدى من خلال مراجعتها في الـ"ثالثين ثانية الحرجة"، وتقليل عملية "التشويش الذهني" داخل العقل البشري أثناء تلقي المادة التعليمية واستخدام الألوان وتكتيكات التذكر، وغير ذلك من إبداعات عالم الفكر البشري وعلوم الذاكرة. 

وقد كان لى الشرف أن أكون أول من استخدم هذه النظريات العلمية بكفاءة لتخليق نماذج تعليمية للتعليم عبر الكمبيوتر وذلك من خلال ابتكاري لما سميته "التعليم متعدد الأبعاد" والذي ابتكرته عام 1996، وأجريت عليه أول دراسة تثبت نجاح التجربة في كلية الطب بجامعة أوكلاند بنيوزيلاندا. وقد تم نشر هذا الابتكار ونتائجه بعد حصولي على درجة الماجستير في "طرق التعليم" من الجامعة المذكورة وذلك في العديد من المجلات العلمية تحت اسمي الأصلي (د. طارق عبد الحميد).   

والتعليم متعدد الأبعاد هو ببساطة نموذج لاستخدام وسائل الذاكرة وعلوم الفكر الحديثة لتطوير طرق عرض "المحتوى التعليمي" عن بعد ليكون مناسباً لأجهزة الكمبيوتر ولاستخدام قدراتها الفائقة في الارتقاء بطرق التعليم المختلفة إذا ما تم استخدامها بكفاءة.

وللحديث بقية! 
 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.