A Christmas tree and pigeons are seen in a street during a lockdown amid the outbreak of the coronavirus disease (COVID-19), in…
كثير من الفلسطينيين يصرون على العروبة والإسلام منطلقا لحل القضية

اتفق مع ما ذهب إليه الزميل حسين عبد الحسين من أن أسهل وأسرع طريقة لقيام دولة فلسطين العربية هو إقناع الإسرائيليين بأن أي دولة فلسطينية سيدة ومستقلة ستكون حليفا وثيقا لإسرائيل، تشترك معها في المصالح والمستقبل. وأن على الفلسطينيين أن يطوروا خطابا "يسعى إلى تأكيد أنهم ودولتهم سيدافعون عن إسرائيل وأمنها ومستقبلها كدولة يهودية".

المشكلة طبعا هي كيف يمكن للفلسطينيين والعرب أيضا أن يصلوا إلى هذه المرحلة من النضج والتطور السياسي والنفسي والعقلي؟ دون ذلك ماراثونات طويلة، دينية وقومية وسياسية عليهم قطعها. ولست استبعد أن يخرج من بين الفلسطينيين، بسبب الظروف المأساوية التي يعيشونها، بما في ذلك واقع الاحتلال الإسرائيلي، جيل من القادة يقول كفى للماضي وينطلق من الحاضر والواقع المعاش في معالجته للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. لم نصل إلى هذا اليوم بعد، لكنه سوف يأتي من دون شك.  

واحدة من أكبر المشاكل التي تعترض هذا النوع من المقاربات هو إضفاء الطابع الديني على النزاع. فالقول بأن قضية فلسطين إسلامية والحديث عن المسجد الأقصى والاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث لجعل الصراع مع اليهود صراعا دينيا وواجبا إسلاميا، يجعل منه قضية مستحيلة الحل. لأنه يربطها بمفاهيم وأساطير غيبية لا سبيل إلى التحقق منها أو تحقيقها.  أكثر من ذلك فإنه يؤسلم النزاع ويجعله رهينة بأيدي دول ومنظمات وأيديولوجيات لها مصالحها ومواقفها المتضاربة. بحيث تصبح القضية الفلسطينية جزءا من تلك التناقضات وراية يلتف حولها كل من شاء المزايدة ودغدغة عواطف الجماهير. وهذا ما يحدث اليوم. فحتى لو أراد الفلسطينيون أن يغيروا من مواقفهم سوف تقف لهم تلك الدول والمنظمات بالمرصاد لمعاقبتهم والتشكيك فيهم وتخوينهم.

ينطبق الأمر نفسه على جعل فلسطين جزءا من قضية قومية. والتاريخ العربي الحديث حافل بالأمثلة على كيفية استغلال الأنظمة والحكومات العربية لهذه القضية في صراعاتها البينية وخدمة مصالحها، بل أن بعض الحكومات العربية ذهبت أبعد من ذلك عبر تقسيم الفلسطينيين أنفسهم إلى موالين ومعادين وإنشاء تنظيمات فلسطينية تابعة لها. وبعضها اعتبر نفسه مسؤولا مباشرا عن هذه القضية بكل تفاصيلها وكان يشترط الرجوع إليه في كل صغيرة وكبيرة. 

ويمكن أن نرى اليوم بوضوح كيف تم اقحام القضية الفلسطينية مثلا في النزاع المغربي الجزائري بخصوص موضوع الصحراء الغربية. فالجزائريون يدعون أنهم الأكثر حرصا على فلسطين وقضيتها من المغاربة الذين أقاموا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. والمغاربة يردون عليهم بالعكس. وأصبح التراشق الإعلامي والسياسي بين الجانبين يحشر الموضوع الفلسطيني بصورة تلقائية، فيما الصراع بين الدولتين لا علاقة له بهذه القضية من قريب أو بعيد.

طبعا كثير من الفلسطينيين للأسف يشجعون هذا المنحى ويصرون على العروبة والإسلام منطلقا لحل القضية الفلسطينية، اعتقادا منهم بأن ذلك نقطة قوة لقضيتهم، فبحسب رأيهم كلما اتسع عدد الداخلين على خط القضية، كلما أصبح الدعم المقدم لها أكبر، لكن الحقيقة وكما اتضح بالدلائل أن ذلك هو من أكبر نقاط الضعف والأعباء التي تعاني منها. فهذا الربط ربما ينجح في الإبقاء على القضية الفلسطينية قائمة ولكنه يبعد أية إمكانية لإقامة الدولة الفلسطينية. 

ما يمكن أن يسهل الوصول إلى الدولة الفلسطينية هو مقاربة هذه القضية من الناحية الإنسانية فحسب. وهذا يعني النظر لها من زاوية احتلال دولة لأراضي شعب آخر. وفي مناطق مختلفة من العالم يتم حل هذه القضايا على نحو تقليدي ومعروف، ولكن في حالتنا هذه وبحكم التعقيدات الجغرافية والسكانية وعامل المساحة فإن إنهاء هذا الاحتلال لا بد أن يسفر عنه تسوية لا تضر بمصالح أي من الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي الآن أو في المستقبل. تسوية لا ينفع معها أن يذهب كل من الإسرائيلي والفلسطيني في طريقه، أو أن يعمل أحدهما ضد الآخر، لأن مصيرهما مرتبط بصورة واضحة. وهذا لا يترك سوى خيار أن تكون الدولة الفلسطينية حليفا وثيقا لإسرائيل وأن تدافع الدولتان عن بعضهما البعض في مواجهة الأخطار الخارجية والداخلية. 

لكن هذه المقاربة تتطلب جهدا عقليا ونفسيا كبيرين. هي تتطلب كما يقول الزميل حسين "سلام كل فلسطيني مع نفسه أولا، وتجاوز محن الماضي — نكبات ونكسات وانتفاضات — ومسامحة الإسرائيليين، وطلب السماح منهم، وإقامة صداقة معهم، وكسب ثقتهم وودهم".

والسؤال هو ماذا يخسر الفلسطينيون إن هم فعلوا ذلك؟ لا شيء سوى الشقاء والوضع البائس وقيود بعض الأنظمة العربية والإسلامية وميليشياتها وأيديولوجياتها. لكنهم إن فعلوه فسوف يربحون الكثير. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.