العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني
العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني

كلام العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في عيد ميلاده التاسع والخمسين، لوكالة الأنباء الأردنية، حرك مياه الإصلاح السياسي الراكدة في البلاد منذ سنوات.

الملك أعاد توجيه البوصلة للإصلاح السياسي الذي كان مجمدا ومسكوتا عنه، وظلت الحكومات تتجاهله ولا تحرز تقدما فيه. ورغم الأصوات الحقوقية والسياسية التي كانت تؤشر إلى أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق ويتقدم دون أن يتزامن مع مسار تعزيز الحقوق والحريات، وبناء منظومة سياسية فاعلة، فإن الوضع كان "مكانك سر"، وقد يتحرك بشكل خجول خطوات للأمام ثم يتعرض لتراجع وانكسار.

كلام الملك عن الإصلاح الإداري وتكريس معايير واضحة للأداء، والتصدي للواسطة التي وصفها بالظلم والفساد، والدعوة لتعزيز أدوات رقابية، جاء متلازما مع الحديث عن أهمية سيادة القانون، والمطالبة بخطوات جادة للتنمية الشاملة لاسيما مشاركة جميع أطياف المجتمع في عملية صنع القرار. وأتبعها بالتأكيد على ضرورة زيادة مشاركة الأحزاب والشباب وإعادة النظر بالقوانين الناظمة للحياة السياسية كقانون الانتخاب، والأحزاب، والإدارة المحلية.

حالة من التماهي مع حديث الملك أصابت الحكومة التي بدأت بالحديث عن ضرورة تعديل التشريعات بعد أن كانت نسْيا، ولم تضعها على أجندة أعمالها.

لم تبدأ التوجهات الديمقراطية في الأردن اليوم، فلقد استعجل الملك الراحل الحسين خطواته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واندلاع ما سُميّ "هبة نيسان" عام 1989. ورغم تغير قواعد اللعبة وإلغاء الأحكام العرفية، فإن المسار الديمقراطي ظل متعثرا، ولم يُجدد الأردن في أدوات حكمه الديمقراطي.

مضى أكثر من عشرين عاما على حكم الملك عبد الله، والربيع الأردني الذي استهل في بدايات حكمه لم يستمر على سكته، واستطاعت القوى المسيطرة داخل الدولة أن تعيد تموضعها، وأن تجعل من الديمقراطية شكلا برّاقا لا يُغير في قواعد اللعبة السياسية.

حتى الأوراق السياسية التي أطلقها العاهل الأردني قبل سنوات وأعادت الاعتبار لمنظومة الحقوق وسيادة القانون حظيت بالنقاش، لكنها لم تأخذ حيزها في التنفيذ على أرض الواقع، وهو ما يستدعي طرح الأسئلة مجددا عن أسباب الإخفاق، وهل مطالبات الملك الجديدة في احتفالات الأردن بمئوية الدولة ستجد الروافع لتصبح واقعا، وليس كلاما احتفاليا ينساه المسؤولون في الدولة، ويُغلبون رؤيتهم بأن كلفة الإصلاح كبيرة على الأردن، وتبقى "الدولة العميقة" إن جازت التسمية، أو أصحاب المصالح يقودون البلاد بتكتيكات لا تفضي للتغيير.

التوقيت في تصريحات الملك كانت مدعاة عند الكثير من السياسيين إلى ربط هذا الخطاب بالإدارة الجديدة في البيت الأبيض بزعامة بايدن، والتي تولي قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان اهتماما لافتا، بعد أن سكتت وتواطأت أميركا في عهد ترامب عن انتهاكات حقوق الإنسان، وأعطت مظلة شرعية للاستبداد.

تخلص الأردن من "كابوس" حكم ترامب، والانتقال إلى الحديث عن الأردن في عهد الرئيس بايدن كان محور نقاش مفعم بأسئلة المستقبل مع وزير البلاط الملكي ووزير خارجيته الأسبق مروان المعشر، والذي شغل من قبل سفير الأردن بالولايات المتحدة الأميركية.

المعشر الذي يتقلد حتى الآن منصب نائب الرئيس للسياسات في معهد كارينغي، أكثر الشخصيات الأردنية قربا ومعرفة بالإدارة الأميركية الجديدة، بدءا من الرئيس ومرورا بالفريق الرئاسي، ورغم حالة الاستبشار في عمّان فإنه لا يمضي في التهويل والمبالغة أن تغييرا كبيرا سيحدث، وأن الأردن سيكون أول من يقطف ثمار العهد الأميركي الجديد.

أول المرتكزات والقواعد التي يضعها المعشر على طاولة الحوار الذي نظمه مركز حماية وحرية الصحفيين، أن العلاقات الشخصية شيء والتوجهات السياسية أمر آخر. ومع ذلك فهو يُقر أن دفء العلاقات الأردنية الأميركية سيعود، ولا يكشف سرا أن الرئيس ترامب لم يلتقِ العاهل الأردني منذ شهر حزيران عام 2018 وحتى رحيله عن البيت الأبيض. ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الرئيس بايدن والملك عبد الله تربطهما علاقات وثيقة. فالرئيس بادين منذ 38 عاماً في الكونغرس، وفي مواقع صنع القرار، ويتمتع بالخبرة السياسية التي كان يجهلها سلفه ترامب.

أسئلة كثيرة شهدها النقاش، وكان المعشر صريحاً أحياناً، ومتحفظاً وحذراً في الإجابات أحياناً أخرى، فهو يشعر أنه قد تعرض للغبن والحصار في السنوات الماضية مع أنه كان من أقرب الحلقات في الحكم لسنوات خلت، وما يشكو منه المعشر مشهد متكرر مع العديد من رجال السلطة في الأردن الذين يتحدثون عن خذلان "السيستم" لهم، ويجاهرون بقناعاتهم بفشل منظومة الإصلاح، وعبثيتها، وعدم جديتها.

من أسئلة المستقبل التي تبحث عن إجابات: هل سيحصد الأردن فوائد فوز بايدن بالرئاسة؟ هل هناك مزايا سيحصل عليها؟ هل ستعيد الإدارة الأميركية الاعتبار للدور الأردني كلاعب إقليمي بعد أن جرى القفز عنه في السنوات الماضية؟

ولا يمكن تجاهل أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل ستراعي إدارة بايدن المخاوف الأردنية، وتصون حقوقه السياسية خاصة ما يتعلق بعملية السلام والقضية الفلسطينية؟ وهل هناك حل سياسي قادم؟

وأيضا، ما هو المطلوب أردنياً حتى يقدم أوراق اعتماده للإدارة الجديدة؟ وهل هناك استحقاقات يجب أن يُنجزها داخلياً قبل أن يلوح له بها؟ وهل سيكون ملف الإصلاح مدخلاً لضغوط أميركية؟

المعشر يعود إلى طرح سردية النموذج الأردني في الخارج قبل الداخل، فيُعيد التذكير أن الأردن في الحقبة الماضية قُدم كنموذج مُلهم للسلام، وبعدها بسنوات قُدم كنموذج مختلف للإصلاح السياسي، وقُدم كنموذج متقدم في محاربة الإرهاب.

ويتساءل؛ ماذا يمكن أن نقول للعالم الآن عن هذه التجارب والنماذج، وإذا ما استثنينا -نموذج محاربة الإرهاب- فإن الإصلاح السياسي لم يعد أمراً يمكن تسويقه، وبعبارة أخرى (مش ماشي)، وبخصوص السلام فلا توجد عملية سلمية حتى نتحدث عن دور للأردن، وحل الدولتين مات على يد اليمين الإسرائيلي المتطرف وعلى رأسهم نتنياهو.

لا تبدو الصورة مبشرة، ولا يمكن الحديث عن دور وواقع جديد في ظل الأولويات الكثيرة على رأس الأجندة الأميركية والتي تسبق الاهتمام بالشرق الأوسط، وبالتأكيد الاهتمام بالأردن.

فالرئيس بايدن مُثقل بملفات صعبة، فهو يواجه انقساماً أميركياً مجتمعيا صنعه ترامب، وأزمة كورونا التي خلفت من الضحايا أضعافاً مضاعفة عمّا فعلته حرب فيتنام أو أي حروب خارجية، واقتصاد يئن من الصعوبات، وأزمات صنعها ترامب تبدأ من الصين مروراً بأوروبا ولا تنتهي بروسيا؛ ولهذا فإن كان من هوامش ذات أولوية، فإن إيران والاتفاق النووي هو الحاضر الأول على الطاولة في قضايا المنطقة.

رغم ذلك، فإن المعشر يرى أن علاقة الأردن عابرة للحزبين (الديمقراطي والجمهوري)، والمساعدات الاقتصادية التي بلغت بحدود مليار ونصف المليار دولار ستستمر، ولكنها وصلت السقف ولن تزيد كثيراً، ولكن الأهم برأيه أن ضغوط صفقة القرن ولّت، وبايدن مؤمن بحل الدولتين، والمشكلة بترجمة ذلك لخطة عمل أكثر من التغني اللفظي، مذكراً أن الرئيس الأميركي لم يُعين مبعوثاً للسلام للشرق الأوسط، وبشكل مختلف عين مبعوثا لإيران.

لا يُراهن الخبير الدبلوماسي المعشر أن بايدن سيكون قادراً على وضع حد لسياسات نتنياهو، وللهجمة الإسرائيلية في ضم الأراضي؛ ولهذا فإن الخطر الذي يُهدد الأردن إسرائيليا مستمر. فالواقع أن الضفة الغربية مُسيطر عليها إسرائيلياً، وحين بدأت مفاوضات أوسلو كان هناك 250 ألف مستوطن، والآن أكثر من 750 ألف مستوطن يحتلون الأراضي الفلسطينية.

المتغير المهم أن إدارة ترامب أعطت مظلة لانتهاكات حقوق الإنسان، والرئيس بايدن لن يفعل ذلك، وهو سيتكلم عنها، ولن يعطيها غطاء وشرعية. وربما السؤال الذي يُقلق الكثير من الأنظمة المُتهمة؛ إلى أي درجة ستُمارس الإدارة الأميركية ضغوطاً في ملفات الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان؟ هل هذه أولويات، أم أن المصالح تتقدم على المبادئ في السياسة الخارجية؟

وليم بيرنز مدير المخابرات الأميركية (CIA) الجديد كان حاضراً في النقاش، فحين سُئل المعشر عن صداقته، لم يرَ في نزعة الاحتفاء والترويج لذلك أردنيا أمراً مفهوماً، وإن سرد المعشر تاريخاً طويلاً من الصداقة والعمل مع بيرنز الذي وصفه بـ "المحب للأردن"، ويحب أن يرى إصلاحاً سياسياً به، وما لفت الانتباه له أنه ولأول مرة يأتي مديراً لجهاز أمني يملك منظوراً وبعداً سياسياً، معتبراً أن ذلك سيُحدث نقلة نوعية.

الاستخلاصات المهمة أن الإصلاح السياسي قبل أن يكون تماهيا مع استحقاقات خارجية، يجب أن يكون قرارا للدولة والمجتمع، وله حواضن شعبية، وتدعمه إرادة سياسية ناجزة، وإن كان لا يمكن إنكار أن الضغوط الخارجية قد تكون مُنتجة أحيانا في عالمنا العربي.

الاستخلاص الآخر أن إدارة بايدن وإن خلقت أجواء من الاسترخاء، ورفعت قبضة ترامب التي خنقت الأردن، فإنها لن تضع الأردن تحت مجهرها، ولن تصنع المستحيلات لانتشاله من أزماته الداخلية والخارجية.

في اليوم الذي يتحدث الملك عن الإصلاح السياسي تخرج تقارير رقابية للانتخابات النيابية التي جرت في شهر نوفمبر الماضي ترصد وتوثق انتهاكات جسيمة عابت العملية الانتخابية، وعن تمدد ظاهرة شراء الأصوات على نطاق واسع، وهذا يُعيد طرح السؤال، إذن كيف سيُبنى طريقنا للإصلاح، وما هي الضمانات أن لا تتكرر سيناريوهات المراوحة في ذات المكان، وانتصار قوى الشد العكسي التي لا تريد للديمقراطية أن تزدهر في بلادنا لأنها تتعارض مع مصالحها، وسلطتها، ونفوذها، وفسادها؟

الملك اليوم بعد عقدين على تولي سلطاته الدستورية، ومع دخول الدولة مئويتها الثانية، في اختبار جديد ليُعيد ويُعزز ثقة الشعب بالحكم، وأن الكلام عن الإصلاح السياسي ليس بضاعة نبيعها للرئيس بايدن، وإنما حاجة مُلّحة لعبور الأردن للمستقبل بأدوات جديدة.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!