اغتيال سليم أثار موجة غضب في لبنان.
اغتيال سليم أثار موجة غضب في لبنان.

اغتيال المفكر السياسي المعارض لـ"حلف الفساد والإرهاب" في لبنان لقمان سليم، على أهميته وفظاعته وتراجيديته، ليس الحدث، إنّما توقيت الاغتيال.

التوقيت أثار ويثير إشكاليات خطرة، لأنّه يعيد فتح "كتاب الاغتيال" على فصل جديد، ومن شأنه نقل سيناريو تصفية رموز الحراك الشعبي في العراق إلى لبنان، ويترجم التهديدات المعلنة أفعالاً إرهابية مُنجزة.

إنّ تحديد لقمان سليم كهدف للإغتيال ليس حدثاً، لأنّ هذا المثقف الذي لمع اسمه ناشطاً في "ثورة لبنان" ورائداً في التصدي لهيمنة "حزب الله"، اختار أن يواجه في الصفوف الأمامية، حيث لا لغة تعلو فوق لغة القتل، وحيث لا أدب يتفوّق على أدب الجريمة، وحيث الخروج عن "طاعة القطيع" فعل خيانة.. كامل.

وقد أدرك لقمان سليم أنّه انضم إلى "فرقة الاستشهاديين"، منذ نحو شهرين ونصف الشهر، حين وصلته رسائل التهديد بالإغتيال. يومها ألصقت وجوه مكشوفة الهوية الميليشياوية، على جدران منزله في منطقة حارة حريك التي حوّلها "حزب الله" إلى "عاصمته"، منشورات-كأنّها مقتطفات من "حكم شرعي-تُعدّد أفعاله السياسية والإعلامية والفكرية والثورية، وتصفها، وتُبلغه إنزال عقوبة "الإعدام": صهيوني، عميل ابن عميل، خائن، سقطت كل المحرّمات، دورك آت، والمجد لكاتم الصوت.

كان بديهياً ألّا يُحرِك نشر "الحكم الشرعي" ضد لقمان سليم المراجع السياسية والسلطة القضائية والأجهزة الأمنية، كما يفترضه منطق أيّ دولة تستحق هذه الصفة، لأنّ السياسي والقاضي والأمني في لبنان عموماً، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت خصوصاً، هم و"الترهيبيون"، وجهان لعملة واحدة.

ولا جدوى من الترهيب إذا لم يتوافر له عاملان: الأوّل تواطؤ السياسي والقاضي والأمني، لأنّ هؤلاء في حال قاموا بواجباتهم تحصّن المُهدَّد. أمّا العامل الثاني، فهو وجوب أن يذهب الترهيبي إلى التنفيذ، في حال أصرّ المُهدَّد على الاحتفاظ بنهجه متجاهلاً الرسائل الواضحة التي وردته، لأّنّ الترهيبي، في حال عدم التنفيذ، لا تعود له أيّ "هيبة" في المستقبل.

من يعرف لقمان سليم يؤكّد أنًه كان مُدرِكاً هذه المعطيات البدائية في عالم الإرهاب، لكنّه قرّر مواجهتها علّه يوفّق في إسقاطها، فينتصر بنفسه للجميع على الإرهاب.

وعليه، فإنّ المسارعة الى توجيه التهمة إلى "حزب الله" ليست نابعة من هوى سياسي يشجّع على التجنّي، بل تُمليها قواعد علم الجنايات، لتوافر الأركان الثلاثة الجرمية في هذه الجريمة: الدافع، المصلحة، والمقدرة.

وفي الدافع يمكن فهم التوقيت، فـ"حزب الله"، منذ "ثورة 17 أكتوبر" ساءه أن يكتشف العالم أنّ بيئته ليست بالصلابة التي طالما حاول الإيحاء بها، ففيها معارضون شرسون، وفيها فقراء لم تعد شعارات مسؤوليه المُتخمين تسد جوعهم، وفيها متضررون منه، إذ بات مجرّد الانتساب، طوعاً أو قسراً، إلى بيئته سبباً رئيسياً لعزلة قاتلة. 

وقد فشل "حزب الله" على الرغم من محاولاته الحثيثة التي استعمل فيها كل ما يملك من ترسانة دعائية، في وضع حدّ لتمدّد المعارضة ضمن بيئته الطائفية، فبدا له أنّه كلّما صعّد المواجهة تألّق هؤلاء المعارضون الذين أصبحوا من أبرز نجوم السياسة اللبنانية، ليس لأنّهم أكفياء فحسب، بل لأنّ شجاعتهم في المواجهة غير المتكافئة، تُبهر الكثيرين، أيضاً.

ولهذا كان لا بد من "الحل الشامل" الذي سبق أن مكّن "حزب الله" من التحكّم بلبنان، فجاء لصق "الحكم الشرعي" بحق لقمان سليم على جدران منزله في حارة حريك، في ديسمبر الأخير، بمثابة بصمات مسبقة لتنفيذ "عقوبة الإعدام"، ليل الأربعاء-الخميس الماضي، تحت جنح الظلام، بخمس رصاصات.

ويرتكب خطأ في الحساب "الجنائي" كلّ من يعتبر "أنّ لا مصلحة لـ"حزب الله" بجريمة معروف أنّها سوف تنسب، فوراً إليه، وتتسبّب بتأليب الرأي العام ضدّه"، ذلك أنّ هذا الحزب سبق أن استخفّ ليس بما سيق ضده من اتهامات سياسية وإعلامية في جرائم مماثلة فحسب، بل أيضاً بحكم صدر عن المحكمة الخاصة بلبنان ضد سليم عيّاش، أحد أعضاء "فرقة الإعدام" لديه، في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو يحاكم، حالياً، أمامها، باغتيال القيادي جورج حاوي ومحاولة اغتيال الوزيرين السابقين مروان حماده وإلياس المر.

و"حزب الله" الذي نجح في استيعاب هذه الأحكام والتهم، لا يشك لحظة واحدة بقدرته على استيعاب جريمة اغتيال لقمان سليم، لأنّ هاجسه الحقيقي هو إعادة الإمساك ببيئته، في هذه اللحظة الإقليمية والدولية المفصلية، من خلال إعادة تذكيرها ببراثنه، وإفهامها أنّ بذاءة جيوشه الإلكترونية ليست معزولة عن شراسة فرقه الميدانية، وتالياً فإنّ كلّ "مشتوم" هو جثة... متحرّكة!

أمام هذه المعطيات، تثير السخرية تلك البيانات التي تدعو السلطات اللبنانية إلى كشف الجناة وسوقهم إلى المحاكمة، ففي لبنان، وبكل ما يختص بـ"حزب الله"، لم تعد هناك سلطات وقضاء وأجهزة أمنية، خارجة عن سطوته.

لا مبالغة في هذا الكلام، فهذه السلطات والأجهزة هي نفسها التي لم تكشف من قتل وزيراً مثل بيار الجميل، ولا نواباً مثل جبران تويني وأنطوان غانم ووليد عيدو، ولا مفكرين مثل سمير قصير ومحمد شطح ولا قادة عسكريين مثل فرانسوا الحاج ولا أمنيين بارزين مثل وسام الحسن ووسام عيد.

بديهي في لبنان المتحكّم به "حزب الله" ألّا يتوافر أي دليل إدانة بحق "حزب الله" في ملف شخصية مثل لقمان سليم، ولكن بديهي أيضاً، في بلد مثل لبنان أن تذهب الشبهة، بالاستناد إلى المنطق الجنائي، إلى "حزب الله"، لأنّ لديه الدافع والمصلحة والأسبقيات والقدرة.

المصيبة في هذا المشهد أنّ حزباً لا يتحمّل أشخاصاً مثل لقمان سليم يحدّثك عن الديمقراطية والانتخابات والإرادة الشعبية والشراكة الحكومية، والمصيبة الأكبر، في ظل عجز القوى المحلية عن التصدّي لهيمنته الممهورة بالدم، أنّ الدول التي تحاضر بوجوب عدم الإفلات من العقاب، هي التي تسوّق لشراكة سياسية مع طرف لا يتردد، كلّما حشرته اللعبة السياسية، عن قتل كل من يقف في وجه مصلحته، مهما كان دوره ومهما كان حجمه.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.