سليم ناشط ومفكر لبناني عرف بمناهضته لمشروع حزب الله في لبنان.
سليم ناشط ومفكر لبناني عرف بمناهضته لمشروع حزب الله في لبنان.

في الصباح المبكر من يوم أمس الخميس، كنت مستغرقا في النوم عندما تم إيقاظي لأتلقى الخبر الصادم والمحزن.. جريمة اغتيال صديقي لقمان سليم. قال الناعي في الطرف الآخر: 
- ألا زلت تغط في النوم. إن صديقك لقمان قتل.
وأضاف قبل أن أتبين حقيقة ما أسمعه: 
- وجدوا جثة لقمان سليم في سيارته مغتالا بالرصاص.

*** 

لا أعرف كيف تصورت نفسي مسؤولا عن تغييب صديقي اللبناني بهذا الأسلوب الوحشي الهمجي. ووجدتني أسير وعي شقي طاعن، ما زال يلازمني حتى لحظة كتابة هذه الأسطر التي لا أريدها رثاء ولا عزاء. ومثل لقمان سليم فوق المراثي والتعازي، وفي غنى عن دمعنا وحزننا. 

أعتقد أن هذا الوعي الشقي يساور كل أقربائه وأصدقائه الحميميين، وهم يعضون الآن الأصابع، يلومون تقاعسهم وخذلانهم له، واستسلامهم وعدم قيامهم بواجب حمايته من غدر القتلة. 

***

أمضيت نهاري وجزءا طويلا من الليل، ألاحق الأخبار على الفضائيات والمواقع الإلكترونية، ومن مهاتفاتي مع الأصدقاء في بيروت وخارجها. ونيران الأسى لهيبها يدمي قلبي ودواخلي.

وأعرف أني لم أكن الوحيد الذي كان يتوقع اغتياله. بل هو لقمان نفسه كان يدرك ذلك وينتظره. كأننا بصدد إعادة قراءة نص الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، "وقائع موت معلن". 

من الصدف أن بطل ماركيز يتحدر من أصول عربية لبنانية. ورغم انتشار خبر التخطيط لقتله، فإن أحد لم يجرؤ على تحذيره. فالأغلبية افترضت أن التحذير وصله. كما أن آخرين استبعدوا حدوث الجريمة، وهناك من كان يعتقد أن مقتله له ما يبرّره ويتوافق مع رغبتهم السرية في أن يروه ميتا. وفي الرواية سرد دقيق لعملية اغتيال سانتياغو نصار تشبه عملية اغتيال صديقنا اللبناني لقمان سليم. ذلك هو موجز قصة اغتيال لقمان سليم.

كان لقمان يعلم أنه على قائمة الاغتيال، وقد توصل مرات برسائل تهديد واضحة. مرة على صفحة جريدة "الأخبار" المحسوبة على حزب الله (2012)، لما وصف بـ"الخائن". ومرة في ساحة الشهداء (نوفمبر 2019) حين تم إحراق خيمة "مركز أمم للتوثيق والأبحاث" و"دار الجديد" التي يديرها، وذلك أثناء ثورة 17 تشرين. وبعدها بأيام هوجم في نفس الخيمة التي نقلها إلى ساحة اللعازارية، واتهم بالتطبيع مع إسرائيل لأنه طرح موضوع الحياد اللبناني للنقاش في خيمة "الملتقى". ولم تمض أيام (ديسمبر 2019) حتى أفاق ذات صباح على جدران واجه بيتهم، وهي مغطاة بلافتات لا تحتاج لترجمة أو لتأويل، كلها اتهامات بالتخوين وبالعمالة، لكن أبرزها كانت لافتة فصيحة تقطر بأحرف من دم: "المجد لكاتم الصوت".

يومها نشر لقمان بيانه الذي حمل فيه المسؤولية مباشرة إلى الثنائي الشيعي وقائديه حسن نصر الله ونبيه بري، وإلى السلطات الأمنية في البلاد، وختمه بعبارة "اللهم إني بلغت اللهم فاشهد". ثم نشر هاشتاغ التحدي: "#صفر خوف" وواصل حياته العادية من دون أمن أو حراس خاصين. يركب سيارات الأجرة ويجلس في المقاهي للقاء الأصدقاء، ويمشي في الأسواق كأيها الناس. مستمرا في نشاطاته اليومية، وفي تعليقه في الفضائيات حول ما يجري بلبنان، يجيب عن أسئلة الإعلاميين بكل جرأة وشجاعة وفصاحة مميزة. كما لم يتوقف عن نشر تدويناته بين حين وآخر على صفحته بالفيس بوك، والتي كان يرويها على لسان شخصية ابتكرها باسم "صديقتي الشريرة"، كل كلماتها المحسوبة تمتح من سخرية سوداء. ومرة نقل عن صديقته الشريرة: "القتيل يعرف قاتله قبل وقوع الجريمة".

بلاغ الإدانة الذي نشره لقمان سليم حول الاعتداء على دار عائلته حيث يقيم منذ ولادته، تحلق عدد من أبرز المثقفين اللبنانيين، ووقعه مثقفون ومناضلون من البلاد العربية، منها المغرب، (عبد القادر الشاوي ومحمد بنطلحة وإدريس الصغير والتيجانية فرتات ومحمد بولعيش وعبد الغني القباج والعربي بنجلون وعبد الرحيم التوراني).

***

في اليوم الموالي "للائحة اتهام الجدران"، قمت بزيارة تضامن لمركز أمم للأبحاث والتوثيق في "حارة حريك" وسط الضاحية، حيث معقل ما يسمى بــ"الثنائي الشيعي" في بيروت، والتقيت بلقمان وبشقيقته الكاتبة الصديقة رشا الأمير. لم أجرؤ على الكلام مع لقمان في الموضوع، هو الرجل الكتوم الشديد التواضع في ما يتصل بشخصه. لكن لغة العيون نابت عن كلينا لما تراجعت لغة الكلام. أما رشا فقد كانت خائفة مرتعبة، تتوقع وصول هذا الحدث المروع المفجع يوما ما. أخبرتني عن رغبتها، لو وافق لقمان وسايرها، في الهجرة، ومن بين خياراتها التي ذكرتها الهجرة إلى المغرب. كانت رشا قد عادت قبل أسابيع من سفر إلى مراكش ووجدة. وحكت لي عن إعجابها بالبلد.

***  

في مساء الخميس الأخير، نشرت شقيقته رشا الأمير وزوجته مونيكا بورغمان على صفحتيهما في فيسبوك "رسالة استغاثة"، ترجوان فيها من يعرف  شيئا عن مكان تواجد لقمان التواصل معهما. متسائلتان عن اختفائه الغامض، إذ انقطعت أخباره منذ ساعات، وتخشيان أن يكون لحقه شر. خصوصا وأن "هاتفه لا يردّ ولا أثر له في المستشفيات".

وأعتقد الآن، أن رشا ومونيكا، وهما تنشران التدوينة المشتركة، وكلما تقدمت الثواني والدقائق، كان صوت داخلي مشترك يخبرهما بأنهما سوف لن تريا لقمان ثانية واقفا على قدميه، وقد اتجه كما علمتا إلى منطقة النفوذ التي يسيطر عليها حزب الله وحركة أمل. 

ثم وصل نعيه بدل عودته سالما إلى عائلته وبيته، وتأكد خبر مقتله.

*** 

ومن مكر الصدف أن وافق اغتيال لقمان سليم يوم الرابع من فبراير، ستة أشهر بالتمام على كارثة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب الماضي. ويصر رقم أربعة على صدمنا بالرصاصات الأربعة التي اخترقت جمجمة لقمان. أما الخامسة فاستقرت في الظهر.

يقول صديقه الباحث حازم صاغية مفجوعا أن الرصاصات الخمس كانت تخص اهتمامات المغدور، فقد "كان لقمان كاتبا، ناشرا، لغويّا، مخرجا، أرشيفيّا، لذلك نال وسام الرصاصات الخمس".

لكن القتلة لا يعرفون "كل لقمان سليم". المثقف الموسوعي، الفيلسوف، المفكر، الأديب، اللغوي، المؤرخ، الموثق، المترجم، الناشر، المخرج السينمائي، الناشط الاجتماعي – الحقوقي، المحلل السياسي، قائد الرأي، المدون، المناضل، الإنسان المتواضع الودود والابن والشقيق والزوج والصديق الوفي المخلص... وله كل أسماء التميز والمهارة والحرفية والخصال الإنسانية العالية... ساعتها ربما كانت رصاصاتهم ستزيد أكثر. حتى لو كانت رصاصة واحدة تكفي لقطع الأنفاس، لكن كل رصاص العالم لن يسكت كلمة الحق، ولن يقبر الآمال بالحرية وبالعدالة، ولن يخرس أصوات الحرية والتحرر فوق أرض الإنسان. 

***

أتصور أن لقمان، عندما لحق به القتلة وهو في طريقه عائدا من منطقة النبطية بالجنوب إلى بيروت، أدرك جيدا أنها ساعته التي كان بانتظارها وقد أزفت، فلم يتردد ولم يجفل في مقابلتها بكل ما أوتي من قوة وثبات ومن إيمان بالمبادئ والأفكار التي ناضل من أجلها وعاهد نفسه أن يهبها أغلى ما لديه: روحه الطاهرة ودماءه النقية. فألقى بهاتفه بعيدا حتى لا يستولي عليه القتلة وعلى ما فيه من معلومات، إذ سيعثر على جهاز الهاتف لاحقا بواسطة تطبيق "الأيكلود" مرميا في خلاء بعيدة عن المكان حيث وجد قتيلا داخل سيارته. 

*** 

لا أصدق أن المشروع الفكري والثقافي والاجتماعي للمفكر والناشر والمترجم والناشط السياسي الشهيد لقمان سليم توقف وانتهى بتغييبه.

لقمان كان ماكينة تنتج وتبتكر الأفكار الجديدة. كل يوم تجد لديه الجديد، وقد سمى دار النشر التي يشرف عليها برفقة شقيقته المبدعة رشا الأمير بـ"دار الجديد".

حقيقة كان لقمان منشغلا ومهموما بالوضع اللبناني، لكن ذلك لم يصرفه عن الاهتمام بقضايا ومناطق عربية أخرى، مثل اهتمامه بما يجري في المغرب العربي الكبير. اشتغلت إلى جانبه في مركز أمم للأبحاث والتوثيق، وضمن منشورات "منتدى مشرق مغرب للشؤون السجنية" التابع للمركز، أنجزت تحت إشراف لقمان كتابين حول موضوع السجون في المغرب والجزائر، ومشاريع أخرى على شبكة الإنترنت. 

آخر المشاريع التي تحدثنا عنها، لما التقينا بمنطقة "بدارو" في بيروت بمقهى "ليناس"، كانت هي تنظيم ندوة رقمية مغاربية حول كورونا داخل السجون.

كان لقمان سليم مهتما بمنطقة المغرب العربي، سافرنا معا إلى تونس، وكان يتمنى زيارة الجزائر، لكنه لم يسافر إلى المغرب، وقد عرضت عليه القيام برحلة إلى أبرز المدن المغربية، فوافق. لكننا خططنا لمشروع سفر عمل إلى موريتانيا أولا، قال لي مبتسما ونحن نجلس برصيف مقهى "روسّا" في شارع الحمرا: "ستركب الجمال هناك يا عبَد".

ونحن معا بالمقهى، كنت أشاهد كيف كان يحييه الناس من المارة باحترام وتقدير وبمحبة وبتضامن، وكيف أوقف سائق سيارته ليتجه حيث نجلس برصيف "روسّا" ليسلم عليه مؤيدا أفكاره التي يستمع إليها عبر القنوات الفضائية. وكيف كانت ملامح لقمان تتلون بحمرة خجل وبتواضع حقيقيين.

***
 
من يجلس إلى لقمان ويستمع إليه وهو يتحدث، يعجب بملكته اللغوية وبفصاحته الجميلة، وبوضوح أفكاره. وكان دائما هادئا ورصينا. لكنه كان رجلا شجاعا، لا يخشى الموت رغم علمه أنه على قائمة الاغتيالات ممن تزعجهم كلمته، ولم يكن يملك سلاحا غير الكلمة. ولما تلقى بيان اغتياله واتهامه بالخيانة كتبوا على جدار منزله 'المجد لكاتم الصوت"، رد عليهم حينها لقمان سليم المعارض الشيعي والمناضل الاستثنائي بأنه لا يهاب تهديداتهم وغدرهم.

فهل أنهى كاتم الصوت فكر لقمان ومشروعه من أجل الحرية؟

لقد دمر مقتل لقمان سليم العديد من المشاريع الثقافية والفنية التي كان يعمل بها، تقول رشا الأمير، وتؤكد أن "هذه هي بصمتهم أن يرحل الجميع ولايبقى سوى القتلة".

لكن إرادة الحياة والحق والعدالة لن تنهزم وتتخاذل وترضخ لإرادة القتلة.

***

أعود إلى صور جمعتني بلقمان، وإلى كلماته ورسائله إلي. في إحدى رسائله إلي عبر البريد الإلكتروني كتب لي لقمان مرة: "يبدو لي أحيانا أنك في بيروت وأحيانا أخرى أنك في المغرب لعلك في المكانين معا... إن كنت في بيروت وفي مزاج اللقاء فلنلتقي" وتحتها توقيعه بحرف اللام. واختار عنوان هذه الرسالة  بـ"أمكنة". اليوم وأنا لا زلت ممكنا إلى أجل في كل "الأمكنة"، أما أنت يا صديقي ففي مكان واحد يعرفه الجميع ويهابون الوصول إليه. فانتظرني.

أتذكر ابتسامتك التي كنت تحاول كتمها بسرعة، لكنك لم تكن بقادر على كتم محبتك للآخرين.

كان لقمان يحب سراويل الجينز الأزرق. نادرا ما التقيت به بلباس غيره، بسيطا كان، لكنه لم يكن زاهدا، بل عاشقا ومحبا للحياة. يدمن على التدخين والقهوة ويحب الشرب. وأتساءل في سري لماذا مضى إليهم برجليه، رغم الاحتياطات التي كان يلجأ إليها، ومنها استئجار سيارة بدل السفر بسيارته الخاصة. لقد وضعوه تحت المراقبة من زمن، وتحت فوهات مسدساتهم الكاتمة للصوت، ولما أذن لهم الآذن أفرغوا رصاصاتهم الخمسة ومضوا إلى طغيانهم يعمهون.

***

هذا العالم صار مرعبا، كأن شرور كورونا لا تكفي البشر. وقد قرأت أن لقمان حظي بالشهادة عوض أن يموت مختنقا بكوفيد 19. وأنه لو وضع أمام الخيارين لاختار حتما الشهادة. هي ثقافة الموت تحاصرنا، أن نختار بين موتين. وكنت أتمنى لو كان أمامه الخيار بين الموت والحياة، كان سيختار دائما الحياة. ولا أجمل من الانتصار للحياة.

لن أخاطبك صديقي وأقول لك "أرقد بسلام". لأني لا أحب هذه العبارة ومثيلاتها الجاهزة. ولا أنت كنت تستعملها، فالشهداء لا يرقدون، نحن من ندب فوق الأرض نرقد لكن بلا سلام، ولا ملاذ.

*** 

كان لقمان سليم من أبرز من اشتغلوا في موضوع الحفاظ على الذاكرة. ما يفرض على أصدقائه ومحبيه جميعا حفظ ذاكرته.

من مؤلفات لقمان سليم كتاب بعنوان: "في قبر في مكان مزدحم"، ولأنه لا يحب القبور والأمكنة المزدحمة، اختار أن يحول جثمانه إلى ذرات رماد تنثر فوق الجبل والماء. هكذا احترمت العائلة رغبته، وسيحرق جثمانه كما أراد. ولقمان سليم الذي سماه والده باسم لقمان الحكيم صاحب الوصايا، كانت له وصاياه أيضا. ووصايا حكيمنا لقمان سليم الشهيد هي الاستمرار في النضال بلا هوادة حتى النصر. 

لن يمر القتلة.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!