سليم ناشط ومفكر لبناني عرف بمناهضته لمشروع حزب الله في لبنان.
سليم ناشط ومفكر لبناني عرف بمناهضته لمشروع حزب الله في لبنان.

في الصباح المبكر من يوم أمس الخميس، كنت مستغرقا في النوم عندما تم إيقاظي لأتلقى الخبر الصادم والمحزن.. جريمة اغتيال صديقي لقمان سليم. قال الناعي في الطرف الآخر: 
- ألا زلت تغط في النوم. إن صديقك لقمان قتل.
وأضاف قبل أن أتبين حقيقة ما أسمعه: 
- وجدوا جثة لقمان سليم في سيارته مغتالا بالرصاص.

*** 

لا أعرف كيف تصورت نفسي مسؤولا عن تغييب صديقي اللبناني بهذا الأسلوب الوحشي الهمجي. ووجدتني أسير وعي شقي طاعن، ما زال يلازمني حتى لحظة كتابة هذه الأسطر التي لا أريدها رثاء ولا عزاء. ومثل لقمان سليم فوق المراثي والتعازي، وفي غنى عن دمعنا وحزننا. 

أعتقد أن هذا الوعي الشقي يساور كل أقربائه وأصدقائه الحميميين، وهم يعضون الآن الأصابع، يلومون تقاعسهم وخذلانهم له، واستسلامهم وعدم قيامهم بواجب حمايته من غدر القتلة. 

***

أمضيت نهاري وجزءا طويلا من الليل، ألاحق الأخبار على الفضائيات والمواقع الإلكترونية، ومن مهاتفاتي مع الأصدقاء في بيروت وخارجها. ونيران الأسى لهيبها يدمي قلبي ودواخلي.

وأعرف أني لم أكن الوحيد الذي كان يتوقع اغتياله. بل هو لقمان نفسه كان يدرك ذلك وينتظره. كأننا بصدد إعادة قراءة نص الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، "وقائع موت معلن". 

من الصدف أن بطل ماركيز يتحدر من أصول عربية لبنانية. ورغم انتشار خبر التخطيط لقتله، فإن أحد لم يجرؤ على تحذيره. فالأغلبية افترضت أن التحذير وصله. كما أن آخرين استبعدوا حدوث الجريمة، وهناك من كان يعتقد أن مقتله له ما يبرّره ويتوافق مع رغبتهم السرية في أن يروه ميتا. وفي الرواية سرد دقيق لعملية اغتيال سانتياغو نصار تشبه عملية اغتيال صديقنا اللبناني لقمان سليم. ذلك هو موجز قصة اغتيال لقمان سليم.

كان لقمان يعلم أنه على قائمة الاغتيال، وقد توصل مرات برسائل تهديد واضحة. مرة على صفحة جريدة "الأخبار" المحسوبة على حزب الله (2012)، لما وصف بـ"الخائن". ومرة في ساحة الشهداء (نوفمبر 2019) حين تم إحراق خيمة "مركز أمم للتوثيق والأبحاث" و"دار الجديد" التي يديرها، وذلك أثناء ثورة 17 تشرين. وبعدها بأيام هوجم في نفس الخيمة التي نقلها إلى ساحة اللعازارية، واتهم بالتطبيع مع إسرائيل لأنه طرح موضوع الحياد اللبناني للنقاش في خيمة "الملتقى". ولم تمض أيام (ديسمبر 2019) حتى أفاق ذات صباح على جدران واجه بيتهم، وهي مغطاة بلافتات لا تحتاج لترجمة أو لتأويل، كلها اتهامات بالتخوين وبالعمالة، لكن أبرزها كانت لافتة فصيحة تقطر بأحرف من دم: "المجد لكاتم الصوت".

يومها نشر لقمان بيانه الذي حمل فيه المسؤولية مباشرة إلى الثنائي الشيعي وقائديه حسن نصر الله ونبيه بري، وإلى السلطات الأمنية في البلاد، وختمه بعبارة "اللهم إني بلغت اللهم فاشهد". ثم نشر هاشتاغ التحدي: "#صفر خوف" وواصل حياته العادية من دون أمن أو حراس خاصين. يركب سيارات الأجرة ويجلس في المقاهي للقاء الأصدقاء، ويمشي في الأسواق كأيها الناس. مستمرا في نشاطاته اليومية، وفي تعليقه في الفضائيات حول ما يجري بلبنان، يجيب عن أسئلة الإعلاميين بكل جرأة وشجاعة وفصاحة مميزة. كما لم يتوقف عن نشر تدويناته بين حين وآخر على صفحته بالفيس بوك، والتي كان يرويها على لسان شخصية ابتكرها باسم "صديقتي الشريرة"، كل كلماتها المحسوبة تمتح من سخرية سوداء. ومرة نقل عن صديقته الشريرة: "القتيل يعرف قاتله قبل وقوع الجريمة".

بلاغ الإدانة الذي نشره لقمان سليم حول الاعتداء على دار عائلته حيث يقيم منذ ولادته، تحلق عدد من أبرز المثقفين اللبنانيين، ووقعه مثقفون ومناضلون من البلاد العربية، منها المغرب، (عبد القادر الشاوي ومحمد بنطلحة وإدريس الصغير والتيجانية فرتات ومحمد بولعيش وعبد الغني القباج والعربي بنجلون وعبد الرحيم التوراني).

***

في اليوم الموالي "للائحة اتهام الجدران"، قمت بزيارة تضامن لمركز أمم للأبحاث والتوثيق في "حارة حريك" وسط الضاحية، حيث معقل ما يسمى بــ"الثنائي الشيعي" في بيروت، والتقيت بلقمان وبشقيقته الكاتبة الصديقة رشا الأمير. لم أجرؤ على الكلام مع لقمان في الموضوع، هو الرجل الكتوم الشديد التواضع في ما يتصل بشخصه. لكن لغة العيون نابت عن كلينا لما تراجعت لغة الكلام. أما رشا فقد كانت خائفة مرتعبة، تتوقع وصول هذا الحدث المروع المفجع يوما ما. أخبرتني عن رغبتها، لو وافق لقمان وسايرها، في الهجرة، ومن بين خياراتها التي ذكرتها الهجرة إلى المغرب. كانت رشا قد عادت قبل أسابيع من سفر إلى مراكش ووجدة. وحكت لي عن إعجابها بالبلد.

***  

في مساء الخميس الأخير، نشرت شقيقته رشا الأمير وزوجته مونيكا بورغمان على صفحتيهما في فيسبوك "رسالة استغاثة"، ترجوان فيها من يعرف  شيئا عن مكان تواجد لقمان التواصل معهما. متسائلتان عن اختفائه الغامض، إذ انقطعت أخباره منذ ساعات، وتخشيان أن يكون لحقه شر. خصوصا وأن "هاتفه لا يردّ ولا أثر له في المستشفيات".

وأعتقد الآن، أن رشا ومونيكا، وهما تنشران التدوينة المشتركة، وكلما تقدمت الثواني والدقائق، كان صوت داخلي مشترك يخبرهما بأنهما سوف لن تريا لقمان ثانية واقفا على قدميه، وقد اتجه كما علمتا إلى منطقة النفوذ التي يسيطر عليها حزب الله وحركة أمل. 

ثم وصل نعيه بدل عودته سالما إلى عائلته وبيته، وتأكد خبر مقتله.

*** 

ومن مكر الصدف أن وافق اغتيال لقمان سليم يوم الرابع من فبراير، ستة أشهر بالتمام على كارثة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب الماضي. ويصر رقم أربعة على صدمنا بالرصاصات الأربعة التي اخترقت جمجمة لقمان. أما الخامسة فاستقرت في الظهر.

يقول صديقه الباحث حازم صاغية مفجوعا أن الرصاصات الخمس كانت تخص اهتمامات المغدور، فقد "كان لقمان كاتبا، ناشرا، لغويّا، مخرجا، أرشيفيّا، لذلك نال وسام الرصاصات الخمس".

لكن القتلة لا يعرفون "كل لقمان سليم". المثقف الموسوعي، الفيلسوف، المفكر، الأديب، اللغوي، المؤرخ، الموثق، المترجم، الناشر، المخرج السينمائي، الناشط الاجتماعي – الحقوقي، المحلل السياسي، قائد الرأي، المدون، المناضل، الإنسان المتواضع الودود والابن والشقيق والزوج والصديق الوفي المخلص... وله كل أسماء التميز والمهارة والحرفية والخصال الإنسانية العالية... ساعتها ربما كانت رصاصاتهم ستزيد أكثر. حتى لو كانت رصاصة واحدة تكفي لقطع الأنفاس، لكن كل رصاص العالم لن يسكت كلمة الحق، ولن يقبر الآمال بالحرية وبالعدالة، ولن يخرس أصوات الحرية والتحرر فوق أرض الإنسان. 

***

أتصور أن لقمان، عندما لحق به القتلة وهو في طريقه عائدا من منطقة النبطية بالجنوب إلى بيروت، أدرك جيدا أنها ساعته التي كان بانتظارها وقد أزفت، فلم يتردد ولم يجفل في مقابلتها بكل ما أوتي من قوة وثبات ومن إيمان بالمبادئ والأفكار التي ناضل من أجلها وعاهد نفسه أن يهبها أغلى ما لديه: روحه الطاهرة ودماءه النقية. فألقى بهاتفه بعيدا حتى لا يستولي عليه القتلة وعلى ما فيه من معلومات، إذ سيعثر على جهاز الهاتف لاحقا بواسطة تطبيق "الأيكلود" مرميا في خلاء بعيدة عن المكان حيث وجد قتيلا داخل سيارته. 

*** 

لا أصدق أن المشروع الفكري والثقافي والاجتماعي للمفكر والناشر والمترجم والناشط السياسي الشهيد لقمان سليم توقف وانتهى بتغييبه.

لقمان كان ماكينة تنتج وتبتكر الأفكار الجديدة. كل يوم تجد لديه الجديد، وقد سمى دار النشر التي يشرف عليها برفقة شقيقته المبدعة رشا الأمير بـ"دار الجديد".

حقيقة كان لقمان منشغلا ومهموما بالوضع اللبناني، لكن ذلك لم يصرفه عن الاهتمام بقضايا ومناطق عربية أخرى، مثل اهتمامه بما يجري في المغرب العربي الكبير. اشتغلت إلى جانبه في مركز أمم للأبحاث والتوثيق، وضمن منشورات "منتدى مشرق مغرب للشؤون السجنية" التابع للمركز، أنجزت تحت إشراف لقمان كتابين حول موضوع السجون في المغرب والجزائر، ومشاريع أخرى على شبكة الإنترنت. 

آخر المشاريع التي تحدثنا عنها، لما التقينا بمنطقة "بدارو" في بيروت بمقهى "ليناس"، كانت هي تنظيم ندوة رقمية مغاربية حول كورونا داخل السجون.

كان لقمان سليم مهتما بمنطقة المغرب العربي، سافرنا معا إلى تونس، وكان يتمنى زيارة الجزائر، لكنه لم يسافر إلى المغرب، وقد عرضت عليه القيام برحلة إلى أبرز المدن المغربية، فوافق. لكننا خططنا لمشروع سفر عمل إلى موريتانيا أولا، قال لي مبتسما ونحن نجلس برصيف مقهى "روسّا" في شارع الحمرا: "ستركب الجمال هناك يا عبَد".

ونحن معا بالمقهى، كنت أشاهد كيف كان يحييه الناس من المارة باحترام وتقدير وبمحبة وبتضامن، وكيف أوقف سائق سيارته ليتجه حيث نجلس برصيف "روسّا" ليسلم عليه مؤيدا أفكاره التي يستمع إليها عبر القنوات الفضائية. وكيف كانت ملامح لقمان تتلون بحمرة خجل وبتواضع حقيقيين.

***
 
من يجلس إلى لقمان ويستمع إليه وهو يتحدث، يعجب بملكته اللغوية وبفصاحته الجميلة، وبوضوح أفكاره. وكان دائما هادئا ورصينا. لكنه كان رجلا شجاعا، لا يخشى الموت رغم علمه أنه على قائمة الاغتيالات ممن تزعجهم كلمته، ولم يكن يملك سلاحا غير الكلمة. ولما تلقى بيان اغتياله واتهامه بالخيانة كتبوا على جدار منزله 'المجد لكاتم الصوت"، رد عليهم حينها لقمان سليم المعارض الشيعي والمناضل الاستثنائي بأنه لا يهاب تهديداتهم وغدرهم.

فهل أنهى كاتم الصوت فكر لقمان ومشروعه من أجل الحرية؟

لقد دمر مقتل لقمان سليم العديد من المشاريع الثقافية والفنية التي كان يعمل بها، تقول رشا الأمير، وتؤكد أن "هذه هي بصمتهم أن يرحل الجميع ولايبقى سوى القتلة".

لكن إرادة الحياة والحق والعدالة لن تنهزم وتتخاذل وترضخ لإرادة القتلة.

***

أعود إلى صور جمعتني بلقمان، وإلى كلماته ورسائله إلي. في إحدى رسائله إلي عبر البريد الإلكتروني كتب لي لقمان مرة: "يبدو لي أحيانا أنك في بيروت وأحيانا أخرى أنك في المغرب لعلك في المكانين معا... إن كنت في بيروت وفي مزاج اللقاء فلنلتقي" وتحتها توقيعه بحرف اللام. واختار عنوان هذه الرسالة  بـ"أمكنة". اليوم وأنا لا زلت ممكنا إلى أجل في كل "الأمكنة"، أما أنت يا صديقي ففي مكان واحد يعرفه الجميع ويهابون الوصول إليه. فانتظرني.

أتذكر ابتسامتك التي كنت تحاول كتمها بسرعة، لكنك لم تكن بقادر على كتم محبتك للآخرين.

كان لقمان يحب سراويل الجينز الأزرق. نادرا ما التقيت به بلباس غيره، بسيطا كان، لكنه لم يكن زاهدا، بل عاشقا ومحبا للحياة. يدمن على التدخين والقهوة ويحب الشرب. وأتساءل في سري لماذا مضى إليهم برجليه، رغم الاحتياطات التي كان يلجأ إليها، ومنها استئجار سيارة بدل السفر بسيارته الخاصة. لقد وضعوه تحت المراقبة من زمن، وتحت فوهات مسدساتهم الكاتمة للصوت، ولما أذن لهم الآذن أفرغوا رصاصاتهم الخمسة ومضوا إلى طغيانهم يعمهون.

***

هذا العالم صار مرعبا، كأن شرور كورونا لا تكفي البشر. وقد قرأت أن لقمان حظي بالشهادة عوض أن يموت مختنقا بكوفيد 19. وأنه لو وضع أمام الخيارين لاختار حتما الشهادة. هي ثقافة الموت تحاصرنا، أن نختار بين موتين. وكنت أتمنى لو كان أمامه الخيار بين الموت والحياة، كان سيختار دائما الحياة. ولا أجمل من الانتصار للحياة.

لن أخاطبك صديقي وأقول لك "أرقد بسلام". لأني لا أحب هذه العبارة ومثيلاتها الجاهزة. ولا أنت كنت تستعملها، فالشهداء لا يرقدون، نحن من ندب فوق الأرض نرقد لكن بلا سلام، ولا ملاذ.

*** 

كان لقمان سليم من أبرز من اشتغلوا في موضوع الحفاظ على الذاكرة. ما يفرض على أصدقائه ومحبيه جميعا حفظ ذاكرته.

من مؤلفات لقمان سليم كتاب بعنوان: "في قبر في مكان مزدحم"، ولأنه لا يحب القبور والأمكنة المزدحمة، اختار أن يحول جثمانه إلى ذرات رماد تنثر فوق الجبل والماء. هكذا احترمت العائلة رغبته، وسيحرق جثمانه كما أراد. ولقمان سليم الذي سماه والده باسم لقمان الحكيم صاحب الوصايا، كانت له وصاياه أيضا. ووصايا حكيمنا لقمان سليم الشهيد هي الاستمرار في النضال بلا هوادة حتى النصر. 

لن يمر القتلة.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.