This picture taken on August 21, 2020 shows an aerial view of the historic 19th-century Sursock Palace along the eponymous…
"دراما عروس بيروت تنتمي إلى النوع الاجتماعي الذي يلقى عادة قبولاً واستقطاباً أكبر من قبل المشاهد العربي والعالمي".

لأكثر من عقدين ونصف، لعب توقيت عرض أحدث الإنتاجات الدرامية العربية ضمن المنافسة الرمضانية، دوره كأحد العوامل البارزة في الاستقطاب الجماهيري ونسب المشاهدة العالية لهذه الأعمال.

وبعد جهد وضغط كبيرين مورسا لسنوات من قبل الصحافة النقدية الفنية، راجعت بعض المحطات العارضة خططها وسياساتها، وعادت لتعرض إنتاجات جديدة ذات سوية عالية خارج  الموسم الرمضاني، وهي خطوة قوبلت برضا جماهيري، وأنصفت الدراما ومكانتها، كضيف مرغوب ومرحب به لمشاركة السهرات العائلية طوال أشهر السنة، بعيداً عن فوضى الازدحام الرمضاني التي لاتوفر المشاهدة المنصفة أو القراءة الصحيحة للمحتوى.

كثيرة هي الأمثلة التي تحررت من الطوق الرمضاني وفرضت نفسها كأعمال جيدة وناجحة في العامين الفائتين، كان آخرها مسلسل عروس بيروت الذي انتهى عرض حلقات موسمه الثاني قبل يومين، ولاقى كأحدث الأعمال الطازجة حظه الوافر من الاستقطاب والمشاهدة الجماهيرية، وساهمت جائحة كورونا عن دون قصد، في دعم هذه النسب العالية من المتابعة، مع بقاء معظم الناس في بيوتها في مثل هذه الأوقات، سواء في لبنان، أو في معظم الدول العربية. 

عروس بيروت، أو ما أنتج بصفته النسخة العربية من مسلسل عروس اسطنبول، مسلسل واحد   أنتجته  MBC بنسختين ذات هويتين تنتمي كل منهما إلى بيئتها، قام نجوم أتراك ببطولة  نسختهم، فيما حظيت النسخة البيروتية بلهجة أهلها، بتنويع أكبر وأكثر غنى، ضم نجوماً من لبنان وتونس وسوريا، دون تغيير في محتوى القصة والأحداث التي قادها الجانب التركي إخراجياً. 

المتابع لحلقات هذه الدراما بجزئيها، سيلاحظ التطور النوعي الذي طرأ على حلقات الموسم الثاني وحققت بموجبه هذا الاستقطاب والنجاح الملفتين، وبدا أن صناع العمل استفادوا جيداً من النقد الإعلامي والجماهيري الذي واجهه الجزء الأول في حينه، وتلافوه في الجزء الثاني بوضح، حيث لم يكن تصاعد الأحداث وتشويقها، أو استبدال المخرج وبعض النجوم بآخرين مخضرمين، الأسباب المباشرة التي ساهمت في دعم هذا النجاح الجديد فقط. بل في تلك الوصفة السحرية التي تكمن عادة في روح أي عمل فني وتساهم في رفعه وتميزه أو العكس. وهو ماتم  العمل عليه بكفاءة في حلقات الموسم الثاني، والاجتهاد البارز في التفهم الأعمق لروح الخصوصية اللبنانية، التي ساهمت في تحرير الممثل من عبء النص التركي، والخروج بهوية لبنانية دون إدعاء، وأكثر صدقاً وإقناعاً.

تنتمي دراما عروس بيروت إلى النوع الاجتماعي الذي يلقى عادة قبولاً واستقطاباً أكبر من قبل المشاهد العربي والعالمي معاً، وتتمحور القصة هنا حول الحب كثيمة رئيسة، تنشط وتكتسب جوهرها الأسمى ضمن مفهوم العائلة المحبة، واحترام القيم والعادات، والتضامن في وجه أصعب الشدائد، وماتلعبه العائلة المتماسكة من دور أساسي في بناء الصحة النفسية لأبنائها على المدى الطويل. وهي معانٍ سامية تتوق إليها الأسرة العربية وغير العربية، يمكن للدراما بما تمتلكه من جاذبية  لدى المشاهد، أن تساهم في رفدها وتكريس معانيها النبيلة ولعب دورها البناء والمحوري في تعزيزها، وبخاصة الحاجة إليها في مثل هذه الأوقات الصعبة من تزامن جائحة كورونا، مع انهيار قيم عائلية وممارسة سلوكيات عنيفة مجتمعية تم رصدهما بأرقام ملفتة ضمن الأسرة العربية والعالمية معاً. 

أحد أبرز الرسائل الدرامية الإيجابية الهادفة التي تضمنتها حلقات الموسم الثاني من عروس بيروت، هي تلك الأفكار البسيطة العميقة التي تعبر بيسر وسهولة بين الحوارات والمندرجة في إطار هدف درامي تنويري، من مثل الإضاءة المتكررة على رغبة الوالدين بإنجاب "بنت" تحديداً، وعدم التمييز مع جنس الصبي في مواقف متعددة، ومنحهما داخل الأسرة العدالة المتساوية من الحب والحقوق.

فضلاً عن أهمية الدور الذي رُسمت ملامحه بعناية فائقة لشخصية المرأة-الأم، ولعبته بحرفية ورشاقة درامية عالية النجمة اللبنانية تقلا شمعون، كشخصية نسوية قيادية متوازنة وذات تأثير هام في محيطها الخاص والعام، دون أن يسهو النص عن أهمية التعليم والعمل في حياة المرأة، ودورهما في تعزيز التشاركية الاجتماعية والانتاجية.

قصص الحب الكثيرة التي رسمت الخطوط العريضة لمسلسل عروس بيروت، لم تبخس المرأة الكبيرة الوحيدة أو الرجل الكبير الوحيد، وأنصفت حقهما بالحياة وحاجتهما المستمرة للحب والشراكة، دون الاكتراث بتقدم العمر أو التوقف عند ثرثرة المجتمع، وهي واحدة من أفكار بناءّة كثيرة وردت في سياق العمل وطُرحت بصراحة وشفافية، ونجح في  ترجمتها جميع نجوم العمل بانسجام ملفت منح الموسم الثاني بصمته الخاصة.

من المشجع أن يتقبل صناع الدراما النقد بصدر واسع لتحسين المحتوى، ومن المشجع أيضاً أن يُعنى بالمحتوى في كل الأزمان لأجل خدمة دراما نظيفة تضع في الاعتبار الأولويات المستجدة وتطور الحياة الحديثة ووسائلها ومنصاتها.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.