Participants gather for a group photo for the 28th Ordinary Session of the Assembly of the African Union, in Addis Ababa,…
أرشيفية للمشاركين في قمة الاتحاد الأفريقي الـ28

قبل أسبوعين، كانت الآراء متباينة حول القمة الأفريقية 34 بأديس أبابا، ما بين أن تكون حضوريا على مستوى القادة والرؤساء، أو تأجيل عقدها. لكن اعتبارا لتوصيات الدكتور جون نكنجاسونغ رئيس مراكز أفريقيا للأمراض والأوبئة التابع للاتحاد الأفريقي، تقرر تفادي التأجيل بتحويلها إلى قمة افتراضية بتقنية "الفيديوكونفرانس"، بدل حضور الرؤساء إلى قاعة نيلسون مانديلا في مقر منظمة الاتحاد الأفريقي بالعاصمة الإثيوبية.

وجاء في بيان إخباري للخارجية الإثيوبية بأن القمة الأفريقية 34 ستعقد "افتراضيا" بسبب جائحة كورونا يومي 6 و7 فبراير 2021. 

تأتي أهمية هذه الدورة في كونها ستشهد انتخاب المرشحين للمناصب الرئيسية بالاتحاد، وهي رئيس المفوضية ونائبه وستة مناصب لمفوضي الاتحاد لأربع سنوات مقبلة.

ولأول مرة سيتم اللجوء إلى التصويت الإلكتروني في هذه الانتخابات، وفق قواعد جديدة أقرها رؤساء الدول لإصلاح هياكل الاتحاد، بمعايير أكثر صرامة وأكثر فعالية في مواجهة التحديات، قادرة على  تمكين الاتحاد الأفريقي من تأثير أقوى على السلام والأمن والتنمية في أفريقيا.

لكن ما ينتظر القمة الأفريقية في دورتها الحالية، هو أكبر من الاضطرار إلى اعتماد تقنية حديثة، أو اختلاف على المشاركة بالحضور أو عبر الافتراض، ليتجاوز ذلك إلى نقاط خلافية أشد وأكثر حدة، تتفاوت ما بين الاقتصادي والتجاري والسياسي أو الاستراتيجي الذي يهم مكافحة الإرهاب في القارة.

يتوقع المراقبون أن تهيمن التطورات الأخيرة في قضية الصحراء الغربية على أجواء القمة، وأن تشهد مواجهة بين المغرب والجزائر

كما يتوقع أن تمدد القمة تنفيذ خريطة طريق "إسكات البنادق بأفريقيا" لعشر سنوات مقبلة.  وللتذكير فقد ناقشت القمة الاستثنائية الـ14 للاتحاد الأفريقي المبادرة الأممية تحت شعار "إسكات البنادق.. خلق ظروف مواتية لتنمية أفريقيا"، التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي من أجل جعل أفريقيا منطقة خالية من النزاعات و"تخليصها من النزاعات وتهيئة الظروف المواتية للنمو والتنمية في القارة".

توقع المراقبون أيضا أن تهيمن التطورات الأخيرة في قضية الصحراء الغربية على أجواء القمة، وأن تشهد مواجهة بين المغرب والجزائر، ومعها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، التي باتت من مؤسسي الاتحاد الأفريقي، بعدما ضمنت مقعدا لها في منظمة الوحدة الأفريقية (الاسم الأول للاتحاد) عام 1984، يومها انسحب المغرب من المنظمة محتجا، ولم يسترجع مكانه إلا بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود. 

ما بين الغياب المغربي وعودته في 30 يناير 2017، التي وصفت بـ"الشجاعة"، تغيرت أمور ومعطيات كثيرة. ستنغمر خلالها الجزائر في مواجهة مشاكل داخلية، لا أدل عليها من استمرار الحراك الشعبي لأزيد من عامين. وسجلت الدبلوماسية الجزائرية عزلة كبيرة وتراجعا واضحين.

وبالموازاة، عرفت الدبلوماسية المغربية زخما هجوميا متصاعدا، دشنته بالعودة إلى المنظومة الأفريقية، كما لم يكن آخرها الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية.  

وإثر كل تقدم يحققه المغرب في ملف "قضية الصحراء" يكبر الطموح في رهانه على إقصاء الجمهورية الصحراوية خارج الكيان الأفريقي. خصوصا وأن أكثر من عشرين قنصلية تم افتتاحها في الفترة الأخيرة بالصحراء، ليست آخرها قنصلية الولايات المتحدة الأميركية بمدينة الداخلة، كل ذلك أمام صدمة ودهشة الجزائر والبوليساريو.

أما الجزائر وجبهة البوليساريو تتوقعان أن تشكل القمة "نقطة تحول جديد ومفصلية في دور الاتحاد الأفريقي في تسوية القضية الصحراوية، وفق ما تقتضيه الشرعية الدولية". ومن أجل "خلق ظروف ملائمة لاتفاق جديد حول وقف إطلاق النار بين الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية والمملكة المغربيةّ، باعتبارهما عضوين في الاتحاد الأفريقي. ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة لتعيين مبعوث خاص للصحراء الغربية للعمل على تنظيم استفتاء حر و نزيه وشفاف". 

سبق أن دعا الاتحاد الأفريقي إلى تنشيط آلية الترويكا حول الصحراء الغربية، وتكليف مجلس السلم والأمن الأفريقي بـ"إشراك البلدين: الجمهورية الصحراوية والمملكة المغربية، في معالجة الوضع الراهن في الصحراء الغربية، وتهيئة الظروف المناسبة لتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير"، كما دعت القمة الأمين العام الأممي إلى "تعيين مبعوث جديد إلى الصحراء الغربية، في إطار قرار "إسكات البنادق". 

يقول محللون من المغرب: "لقد ولى الزمن الذي كانت فيها الجزائر تستطيع بملياراتها من الغازات البترولية، شراء اعتراف دول بالبوليساريو تحت شعار دعم حركات التحرير وتقرير مصير الشعوب".

وأصبحت جزائر اليوم تعيش تحت وطأة أزمات اقتصادية وسياسية داخلية، ومن عزلة سياسية ألقت بظلالها الكثيفة على الدبلوماسية الجزائرية، التي فرض عليها التحرك لتحديد موقفها بوضوح.

في الوقت الذي لا تزال الدبلوماسية المغربية نشطة وتتأهب لاقتناص الفرصة لاستبعاد الجمهورية الصحراوية. وعلى الرغم من استمرارها في الاعتراف بما يسمى "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، فالوقائع تثبث تحول نيجيريا اليوم باتجاه الموقف المغربي بشكل جلي. من خلال دعمها العلني لخط الأنابيب الذي سيعبر الأراضي النيجيرية إلى أوروبا عبر الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.

يؤكد آخرون أنه لم يبق للجزائر سوى دولة جنوب أفريقيا كآخر معقل مؤيد لأطروحاتها المؤيدة لفصل الصحراء عن المغرب. إذ جددت حكومة جنوب أفريقيا تأكيدها على موقفها الداعم "لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير". 

في الوقت الذي يتخوف محللون سياسيون جزائريون من استمرار الولايات المتحدة الأميركية في سياستها الداعمة للمغرب، ربما يتطور الوضع إلى اعتبار البيت الأبيض جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، مما قد يشكل خطرا على المنطقة، إذا ما وجد الجيش الجزائري في تماس مع نظيره المغربي.

لم يحالف الحظ  جبهة البوليساريو وحليفتها الجزائر في ظل رئاسة جنوب أفريقيا للاتحاد الأفريقي،  تسجيل أي تقدم بتمرير قرار يلغي دور الترويكا الرئاسية وإعادة الملف إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي الذي كان يرأسه الجزائري إسماعيل شرقي، إذ قضى القرار 693 الصادر عن قمة الاتحاد الأفريقي بموريتانيا في يوليو 2018، بإنشاء ترويكا رئاسية لمتابعة النزاع، من شأنها أن تشكل آلية دعم فعال للمسلسل الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، تمثل الإطار الذي اختارته الأطراف من أجل التوصل إلى حل سياسي مستدام.

إن جمهورية الكونغو الديمقراطية التي يتسلم رئيسها رئاسة الاتحاد الأفريقي، هي حليف تاريخي وكبير للمغرب منذ عهد الرئيس موبوتو سيسي سيكو، الذي دفن بالعاصمة الرباط إثر وفاته بها سنة 1997. وقد افتتحت الكونغو الديمقراطية قنصلية تابعة لها بمدينة الداخلة في ديسمبر العام الماضي.

لقد دفع المغرب الأمم المتحدة إلى التخلي عن خطة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة السابق "جيمس بيكر" التي تنص على إجراء الاستفتاء. ليتبنى مجلس الأمن الدولي مقترحا بديلا هو "مخطط الحكم الذاتي".

تمكن المغرب من تحقيق اختراق اقتصادي كبير في أفريقيا، مع تحقيق عدد من المكاسب الدبلوماسية

وبالتالي فإن قرار إجراء الاستفتاء الذي تتشبث به البوليساريو والجزائر تم نسخه ولم يعد مطروحا على جدول أعمال الأمم المتحدة.

كما استطاعت الرباط جر الجزائر إلى الطاولة، باعتبارها طرفا أساسيا معنيا في النزاع إلى جانب موريتانيا، وهو ما ظل المغرب يؤكد عليه منذ نشوء النزاع وترفضه الجزائر. إلا أنه بعد أحداث معبر "الكركرات" اضطرت الجزائر إلى الاعتراف صراحة بأن "تدخلها في النزاع بالصحراء الغربية هو من باب دفاعها المشروع عن أمنها الاستراتيجي".

إلى هذا تمكن المغرب من تحقيق اختراق اقتصادي كبير في أفريقيا، مع تحقيق عدد من المكاسب الدبلوماسية، تضاف إلى كسب اعتراف دول أفريقية وعربية بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، الوساطة السياسية للمغرب بين الفرقاء الليبيين من أجل إيجاد حل للمعضلة القائمة في بلاد عمر المختار.

كان هذا سببا كافيا لإثارة قلق واستياء تحالف الجزائر وجبهة البوليساريو، مما أدى إلى التورط في ارتكاب خطأ عرقلة المرور بمعبر "الكركرات". استفزاز حدث في ظرفية مختلفة وفي سياق إقليمي ودولي مغاير.

نعم أعاد حدث إغلاق وإعادة فتح المعبر الحدودي المسألة الصحراوية إلى الواجهة، إلا أن "حساب الحقل لم ينطبق على حسابات البيدر"، إذ وجدت الجزائر نفسها الدولة الوحيدة المستاءة من تدخل القوات المغربية بإعادة فتح طريق العبور أمام الشاحنات وبضائعها التجارية صوب موريتانيا وجنوب الصحراء. مقابل حشد الرباط لمزيد من الدعم الدولي لموقفه السيادي في الصحراء .

لقد غاب عن الجزائر والبوليساريو أن جمرة الصراع أخذت تخبو وتتجه إلى الإنطفاء، وأن المنطقة انفلتت في لحظة مارقة من دائرة التنافس وبؤر الصراع الدولي. وتبين أن مآل الصراع والتصعيد هذه المرة ينحى صوب أبعاد جيوـ سياسية جديدة تتجه إلى تخليص العالم من مشكلة مرهقة اقتربت من نصف قرن، وأن قضية الصحراء الغربية ظلت من الترسبات العالقة للحرب الباردة التي شكلت خاتمتها نهاية حاسمة لعدد من النزاعات التي ارتبطت بالمواجهة الأميركية السوفياتية.

إذ يجادل البعض بأن ما يتخذه المغرب من خطوات لتأكيد سيادته واصطفاف عديد من البلدان مع تحركاته، لن يؤدي إلى إشعال النزاع من جديد، على اعتبار أن المنطقة خرجت من إطار التنافس الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة بعد أن كانت حلقة من حلقات الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، مما يجعل ميزان القوى يميل بشكل كبير إلى الموقف المغربي، مع تراجع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة كساحة صراع.

أعاد حدث إغلاق وإعادة فتح المعبر الحدودي المسألة الصحراوية إلى الواجهة

كما أن رهانات التغلب على أوزار وثقل المخلفات الاقتصادية والإنسانية لمرحلة ما بعد وباء كورونا تفرض تحولاتها السياسية ورؤيتها الاقتصادية المثالية. وهو ربما ما حاولت الجزائر استدراكه بعد فشلها في فتح طريق آمنة منافسة لمعبر "الكركرات" نحو العمق الأفريقي، حيث أن مسافة الطريق البرية البديلة التي رسمتها مسافة طويلة بأكثر من 800 كيلومتر، ووعرة غير معبدة وتكسوها معالمها الرمال، لا يمكن لها استقطاب القوافل التجارية مثلما عليه الحال في معبر "الكركرات". 

إن قواعد اللعبة الأفريقية تغيرت بخصوص تناول قضية الصحراء الغربية بعد عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي. والعالم يترقب نهاية النزاع حول الصحراء الغربية التي طال أمدها واستهلكت أكثر مما ينبغي من دورتها البيولوجية. ويتساءل متى ساعة إدخالها إلى أرشيف التاريخ المضطرب التي عاشته المنطقة المغاربية طويلا.

يأتي موعد القمة الأفريقية اليوم، لمعرفة ما إذا ستتمكن الدبلوماسية الجزائرية من إعادة ترميم ما تصدع من كتلتها المدعمة لمنطق الانفصاليين، واسترجاع ما فقدته من نقاط في المواجهة الدبلوماسية في قضية الصحراء، أو ستسطر القمة الـ34 إعلانا لبدء هزيمة جزائرية مدوية وتهميش مضاعف لجبهة البوليساريو؟! عندما ستكون قمة أديس أبابا بمثابة اختبار لحقيقة تقدم أي طرف من الطرفين المتنازعين (الجزائر والمغرب)، ومدى نفوذه في القارة الأفريقية؟

في انتظار دقات ساعة السلم والأمن والتنمية في أفريقيا والعالم. 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!