صدام حسين - العراق
"نُخب الطغيان مولت آلاف الأجهزة الدعائية والتنظيمية والسياسية والاقتصادية والتربوية لتكريس ذاكرة بديلة، متمركزة حول 'القائد الأب'"

يوماً بعد آخر، تُثبت طُغم الحُكم في منطقتنا أهمية وخطورة الذاكرة الجمعية العامة، تتعامل معها كندٍ وعدوٍ جبار، راهن الحضور وشديد الفاعلية والقُدرة، وليس مُجرد هامش ثقافي واجتماعي، أو إرثٍ من الماضي المنسي. فالذاكرة الجمعية، بمؤسساتها والمشتغلين بها، يحتلون مكانة الآخر الدائم بالنسبة لهذه الطُغم، يكشفون هوياتها وأفعالها وأدوارها وتاريخ علاقاتها مع المجتمعات التي تحكمها. 

قبل أقل من شهر واحدٍ، كان كاتب هذه السطور، مع مجموعة من الفاعلين الآخرين، على موعد مع الشهيد لقمان سليّم، لينخرط الجميع في عمل توثيقي حول مؤسسة وجهاز "الأمن الأحمر" في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق. ذلك المكان الواقع في قلب المدنية، والذي شكل مصدر رُعب استثنائي لسكانها طوال عقد السبعينيات والثمانينيات، حيث اُعتقل وعُذب وقُتل الآلاف من سكانها في ذلك المكان، الذي تحول فيما بعد إلى متحف عياني عن شكل الحياة التي كانت يوماً ما.

المركز الأمني الذي تحول إلى متحف مفتوح لكل العابرين، حافظ القائمون الإداريون على كافة الأدوات والشروط والمناخات التي كانت، شكل الغُرف وأدوات التعذيب وتفاصيل العيش داخله، حتى صار المكان تجسيداً وشاهداً على الأحداث المريرة التي كانت طوال عقدين من الزمن، ليصير محرضاً وفاعلاً لتحفيز الذاكرة الجمعية وتشييد سطوتها وحضورها وفاعليتها في الفعل الجمعي والهوية السياسية للمدينة. 

عشرات الآلاف من البعثيين الصداميين، من الذين لجؤوا وعاشوا في مدينة السليمانية بعد سنوات من سقوط النظام العراقي، يميلون بأغلبيتهم المطلقة لإنكار أفعال حزب البعث بحق المدينة وسكانها عبر ذلك الجهاز الأمني، وفي أفضل الأحوال يقدمون أشكالاً من التبرير والتفسير لما جرى. لكن متحف "الأمن الأحمر" يظهر كل مرة كشاهد اطلاقي الحضور، يُستحال عدم الاعتراف والقبول بمرويات الضحايا.

فهذا المبنى، ومثل غيره من الشواهد المحفوظة كأرشيف وذاكرة جمعية مضبوطة بمؤسسة وقانون عمومي، إنما يحارب ويضاد ما بقي من طغيان وشمولية، ولو بشكله المستبطن والمُغلف، في وجداني موالي النظام البعثي الصدامي.

متحف "الأمن الأحمر" هو مثال نموذجي لفاعلية الأرشفة وحفظ الذاكرة الجمعية على الحياة اليومية المعاصرة، في مناهضة الشمولية من خلال خلق الوجدان العام.        

مثل غيره من المؤرخين/الموثقين الجديين، كان الشهيد سليّم يؤمن من خلال كتاباته ومؤسساته وأعماله في عالم حفظ الذاكرة بهذا التفصيل، يؤكد أن "لعبة الحياة"، بالذات من خلال العلاقة بين السلطات الحاكمة والمجتمعات المحكومة، تنزاح على الدوام لأن يراكم ويعاضد السلطويون من قدراتهم ومؤسساتهم وتبريرهم لأفعال الهيمنة والشمولية والعنف بحق المجتمعات، وأن هذه الأخيرة –المجتمعات- لها وعليها أن تستخدم مختلف الأدوات والإمكانيات للإطاحة بتلك القابلية، وعلى رأسها حفظ وضبط ومأسسة الذاكرة، لتكون حافزاً حيوياً لمراكمة خبراتها وقُدراتها على خلق مضادات نوعية لتلك القابلية والنزوع التي تمتاز بها العلاقات المختلة بين المجتمعات والنُخب الطاغية. 

في دورة حياتها المعاصرة، منذ أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم، زمن انبلاجها الأول، مرت نُخب الطُغيان السياسي في منطقتنا في أربعة مراحل من مواجهة ومحاربة الذاكرة، انطبق "المنطق الدوركهايمي" عليها جميعا، ففي كل مرحلة كانت ترى في سحق ذاكرة طبقة أو جماعة ما سَحقاً للطبقة والجماعة نفسها، وتالياً تأسيس قابليتها للخضوع لذاكرة وهوية جديدة، توافق متطلبات هذا الطُغمة. 

فطوال عقدين كاملين، الخمسينيات والستينيات، عملت هذه السلطات على محو الذاكرة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي كانت، ذاكرة ذلك المزيج من البرجوازيات المحلية مع مؤثرات الفترة الاستعمارية، التي حملت ملامح التحديث الاجتماعي/الثقافي النخبوي، مع معطيات واضحة من الديمقراطية والحرية المدنية.

ذاكرة المرحلة التي كانت تقول أمرين مركبين، يذهب الأول للإصرار على أن شكلاً آخر من الحياة ممكن، أقل قسوة وأكثر رهافة. أما الثانية فقد كانت حول تشييد علاقة أقل صدامية مع الغرب، بموقعه وطاقته وأدواتهم في الحداثة الإنسانية. وكِلا الأمرين كان مضاداً نوعياً لترتيبات واستراتيجية الطغمة الانقلابية العسكرية الحاكمة. 

في مرحلة لاحقة، منذ أواسط الستينيات وحتى أواخر ثمانينيات القرن المنصرم، نُخب الطغيان مولت آلاف الأجهزة الدعائية والتنظيمية والسياسية والاقتصادية والتربوية لتكريس ذاكرة بديلة، متمركزة حول "القائد الأب"، التي تريد للفضاء العام أن يكون مجرد عشيرة كُبرى، مجتمعاً مؤلفاً من ملايين الرعايا، الفاقدين لأي نوازع نحو مواطنة متساوية، مع القائد وحلقاته الضيقة بالذات. تلك الذاكرة المصطنعة غرست أظافرها في الأغاني والأناشيد والتماثيل والنُكات والإعلام والدروس التربوية...الخ من حقول الحياة الجمعية. 

أثناء تلكم المرحلتين، كانت المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية للأنظمة والقوى السياسية ترتكب فظائع مريعة بحق مجتمعاتها، تحارب كل ما يرصد ويؤرشف ويضبط كل تلك الأفعال. الأجهزة العنيفة تلك، كانت تعتبر أفعالها جزءاً تكميلياً من الفعل الأساسي لمحق المجتمعات، لأن الأرشفة والضبط كانت بمعنى ما تهديداً مفتوحاً للفاعلين وتراث أفعالهم، لا يندمل مع الزمن. 

لغير صدفة، فإن مجموع الفاعلين والمنتجين المعرفيين للذاكرة الجمعية، من كُتاب وسينمائيين وموسيقيين وإعلاميين، من مؤسسات ودور نشر وشركات إنتاجية...الخ، كانوا جزءاً حيوياً من الطبقات النضالية، التي حملت على عاتقها قيم وأدوات المطالبة بالحريات العامة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والسلام الاجتماعي، اعتباراً من أوائل الألفية الجديدة على الأقل. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.