بايدن يعلن عن قرارات من أجل مواجهة خطر التغير المناخي وخطة لبلورة برامج لاستخدام الطاقة النظيفة
بايدن أكد رفضه إلغاء العقوبات على إيران.

جدد الرئيس الأميركي جو بايدن موقفه الرافض لإلغاء العقوبات الاقتصادية الشاملة التي فرضها سلفه دونالد ترامب على إيران، إلا إذا أوقفت طهران أولا تخصيب اليورانيوم بنسب عالية تفوق ما سمح به الاتفاق النووي لعام 2015. وكان المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، قد طالب واشنطن بإلغاء العقوبات كخطوة أولى لعودة إيران إلى الالتزام ببنود الاتفاق. وكانت إيران قد أعلنت في بداية الشهر الجاري أنها استأنفت تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمئة، في انتهاك واضح للاتفاق، وباتخاذ خطوات أخرى لا تتماشى مع الاتفاق وتقربها من تصنيع رؤوس حربية نووية. 

هذه المواقف المتضاربة تأتي في الوقت الذي بدأت فيه الأجهزة الأميركية المعنية بالأمن القومي والسياسة الخارجية بمراجعة خيارات الرئيس بايدن تجاه إيران، وبدء المشاورات مح الحلفاء الأوروبيين وقادة الكونغرس، قبل تطوير موقف متكامل تجاه إيران، بعد أربع سنوات من سياسة "الضغوط القصوى" التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب على إيران، فور انسحابه من الاتفاق النووي في 2018.

الإيرانيون يحاولون الضغط على إدارة بايدن للتحرك بسرعة لإلغاء العقوبات، قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو المقبل، حيث يوحي الإيرانيون أن الرئيس المقبل قد يكون متشددا أكثر من الرئيس الحالي حسن روحاني، وبالتالي من الأفضل لإدارة بايدن أن تتوصل إلى اتفاق خلال وجود روحاني في السلطة. كما يحاول الإيرانيون إرغام بايدن على إلغاء العقوبات قبل بدء العمل ببرنامج تصعيدي أقره البرلمان الإيراني، ويقضي باتخاذ إجراءات أحادية الجانب في البرنامج النووي، من أبرزها وأكثرها استفزازا فرض قيود صارمة على عمليات التفتيش الدولية في المنشآت النووية الإيرانية، وبالتحديد وقف عمليات التفتيش التي تجري دون إعلام مسبق في نهاية الشهر الجاري. هذه الضغوط الإيرانية الاصطناعية لا تغير شيئا في الحقائق السياسة في إيران، وأبرزها أن المرشد الأعلى علي خامنئي وليس الرئيس الإيراني، ولا حتى البرلمان، هو المصدر الحقيقي للسلطة في إيران.

المراجعة الأميركية الراهنة للخيارات المتوفرة لبايدن يجب أن تستمر دون أن تتأثر بأي روزنامة اصطناعية تضعها إيران. الاجتماع الافتراضي (الإلكتروني) الذي عقده يوم الجمعة وزير الخارجية أنتوني بلينكن مع نظرائه في فرنسا وبريطانيا وألمانيا (وهي من بين الدول الموقعة على الاتفاق النووي في 2015) هي خطوة أولية في إعادة بناء التحالف الدولي الذي أدى إلى الاتفاق، والذي يمكن استخدامه للضغط أكثر على إيران في المستقبل. وفي السادس من الشهر الجاري أصدرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا بيانا قويا أعربوا فيه عن قلقهم العميق لقرار إيران بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمئة في مفاعلها النووي في فوردو. وأشار البيان إلى أنه لا يوجد هناك مبرر لمثل هذا المستوى من التخصيب في أي برنامج نووي مدني. واعتبر البيان أن هذا الإجراء يمثل انتهاكا واضحا للاتفاق النووي، "ويهدد الفرصة الهامة للعودة إلى المسار الدبلوماسي  مع الإدارة الأميركية الجديدة".

كان تعامل الرئيس السابق ترامب مع إيران، متقلبا وركز على النواحي العقابية، حيث بدت سياسة "الضغوط القصوى" ضد إيران، وكأنها تهدف إلى إخضاع إيران للعقاب من أجل العقاب، وليس لتحقيق أهداف سياسية مفيدة. العقوبات الشاملة التي أعاد ترامب فرضها على إيران عندما انسحب بشكل أحادي ودون تنسيق مع الحلفاء من الاتفاق النووي في  2018  والتي أضاف إليها عقوبات جديدة لم تكن في سلة العقوبات القديمة التي كانت مفروضة قبل الاتفاق، ألحقت بالاقتصاد الإيراني أضرارا غير مسبوقة. العقوبات لم تقتصر على إيران بل على كل دولة تتعامل تجاريا أو ماليا مع طهران حرمت إيران من تصدير نفطها، وهو المحرك الأساسي لاقتصادها، كما أن فرض العقوبات على المصرف المركزي الإيراني حرم إيران من التعامل مع أي مؤسسة مالية في العالم، ما أدى إلى تخفيض عملتها. ولكن ترامب لم ينجح في ترجمة هذه العقوبات إلى أهداف سياسية، كما أخفق في إرغام إيران على العودة إلى المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نووي جديد. الأضرار التي أصابت الاقتصادي الإيراني جراء هذه العقوبات ربما قلصت من مساعداتها المالية لعملائها وأدواتها في المنطقة من حزب الله اللبناني، إلى قوات الحشد الشعبي في العراق، إلى حركة الحوثيين في اليمن، ولكن النظام الإيراني، واصل سياساته التخريبية في الدول العربية، ولم يتردد في قمع التظاهرات الاحتجاجية الداخلية ضد الضائقة المالية والقمع والفساد. تصريحات ومواقف ترامب، وعلى الأخص مواقف وتهديدات "الصقور" الآخرين في إدارة ترامب وتحديدا وزير الخارجية مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، كانت توحي بأن سياسة ترامب الحقيقة هي تغيير النظام في طهران، وليس فقط تغيير سلوكه، وهذا يفسر استمرار التصلب الإيراني.

ولكن بغض النظر عن تقلب وتهور الرئيس ترامب، إلا أنه ترك لخلفه بايدن أوراق اقتصادية قوية يمكن إذا استخدمها بذكاء ومن خلال التنسيق مع الحلفاء بالعودة إلى الاتفاق النووي، ولكن كخطوة أولى كما قال وزير الخارجية بلينكن لتطويره ليشمل الترسانة الصاروخية الإيرانية، الذي لم يشملها الاتفاق الموقع في 2015 في ما اعتبر إخفاقا خطيرا. الإيرانيون يقولون إنهم يريدون إحياء الاتفاق النووي كما هو، ويؤكدون – عن حق – أنهم التزموا ببنوده، وأن الاتفاق كان محصورا بالبرنامج النووي فقط، وليس ببرنامج الصواريخ، أو بسلوك إيران الإقليمي. تقنيا الإيرانيون محقون في هذا الطرح. ولكن  إدارة بايدن، يجب أن تربط تخفيض العقوبات بشكل تدريجي باستئناف المفاوضات لاتفاق يمدد الفترات القصيرة نسبيا التي فرضها الاتفاق الأولي على تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد العكسي وغيرها من المعدات، والعمل على اتفاق فرعي يحد من الترسانة الصاروخية الإيرانية. 

أما بالنسبة لاحتواء الدور الإيراني التخريبي في المنطقة، فهذا أمر لم يشمله الاتفاق الأول، وليس من المتوقع أن يشمله أي اتفاق جديد. ولكن تاريخ الاتفاقات النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق وروسيا الاتحادية حاليا، يوفر خارطة طريق لإدارة الرئيس بايدن. وخلال خطابه الأول قبل أيام حول السياسة الخارجية، أشار بايدن إلى أن الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية قد توصلتا إلى اتفاق قبل أيام يقضي بتمديد اتفاقية ستارت الجديدة للحد من إنتاج الصواريخ العابرة للقارات والقاذفات الثقيلة لخمس سنوات إضافية. وهذه هي الاتفاقية النووية الوحيدة بين الدولتين، وتسمح لكل منهما من التحقق من التزام كل طرف بقيود نووية تخدم مصلحة البلدين ومصلحة الأمن العالمي لأنها تحد من إنتاج الأسلحة النووية. وخلال خطابه ندد بايدن بتدخل روسيا في الانتخابات الأميركية، وطالب الرئيس فلاديمير بوتين بالإفراج الفوري عن المعارض الروسي أليكسي نافالني، وأكد لبوتين أن أيام رضوخ واشنطن للتدخلات الروسية قد انتهت مع انتهاء ولاية الرئيس السابق ترامب. وهكذا عاد بايدن، إلى اتباع السياسة الأميركية التقليدية في التعامل مع روسيا، والتي اعتمدها جميع الرؤساء الأميركيين من الحزبين لعشرات السنين، أي التفاوض مع موسكو، بغض النظر عن حاكمها أن كان سوفياتيا أم قوميا روسيا، للتوصل إلى اتفاقات نووية تخدم مصلحة الولايات المتحدة والسلم العالمي، ولكن في نفس الوقت مواصلة انتقاد روسيا لحقوق الإنسان، ومواصلة تحدي سياساتها التوسعية والتخريبية في العالم.

وخلال السنوات الطويلة للحقبة السوفياتية، قام روساء أميركيين يختلفون كثيرا في طروحاتهم السياسية والأيديولوجية، مثل جيمي كارتر الديمقراطي، ورونالد ريغان الجمهوري بالتعامل بنفس الأسلوب مع روسيا السوفياتية: التفاوض النووي من جهة، والمواجهة الميدانية في العالم من جهة أخرى. سياسة الضغوط على الاحتلال السوفياتي لأفغانستان بدأت خلال ولاية الرئيس كارتر، وأكملها، لا بل طورها وعززها الرئيس ريغان. هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، بدأت عملية تفكك الاتحاد السوفياتي.

الرئيس الأسبق أوباما رفض نصيحة بعض مستشاريه – ومن بينهم بعض أفراد طاقم بايدن الأمني الجديد – بضرورة التصدي لسياسات طهران التخريبية وخاصة في العراق وسوريا، خلال المفاوضات النووية. وكانت ذريعة أوباما أن التصدي لإيران في سوريا مثلا، سوف ترد عليه إيران في العراق، أو في القول إن الضغوط على إيران في سوريا قد تدفعها للانسحاب من المفاوضات، على الرغم من أن أحد كبار مستشاري أوباما قد قال لنا إنه أكد للرئيس الأسبق في أكثر من مناسبة أن إيران لن تنسحب من المفاوضات لأكثر من سبب، ومن أبرزها رغبتها باستعادة أموالها المجمدة في الولايات المتحدة.

فريق بايدن الأمني يضم عددا من المسؤولين المخضرمين الذين خدموا في إدارة الرئيس أوباما، ومن أبرزهم  وزير الخارجية انتوني بيلينكن، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي.آي.أيه) وليام بيرنز، الذي فاوض إيران سرا في عمان، قبل بدء المفاوضات العلنية مع الأطراف الأخرى، وويندي شيرمان، الذي عينها بايدن نائبة لوزير الخارجية، والمبعوث الجديد لإيران، روبرت مالي الذي عمل عن كثب مع شيرمان التي ترأست الوفد الأميركي الذي تفاوض مع إيران. هؤلاء يعرفون إيران جيدا، ويعرفون المتغيرات التي طرأت على الوضع الإقليمي في السنوات الأربع الماضية، ويفترض أن يتفادوا هذه المرة، أخطاء الاتفاق السابق، لجهة عدم شمول الاتفاق للصواريخ الإيرانية، وللتعامل مع السياسات الإيرانية التخريبية في المنطقة كما تعاملت واشنطن مع الممارسات السوفياتية السابقة في العالم. تصريحات الوزير بلينكن توحي بذلك. العودة إلى التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، ومع الحلفاء الإقليميين، بقدر المستطاع لإرغام طهران على دفع ثمن باهظ لانتهاكاتها الإقليمية، يجب أن يكون الخطوة الأولى في التعامل مع ايران. لن تكون هناك حلول سريعة للمشاكل المعقدة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى، كما لا توجد هناك خيارات سريعة أو سهلة. إيران منذ ثورتها الإسلامية في 1979، شكلت تحديا كبيرا للولايات المتحدة عانى منه وتعامل معه جميع الرؤساء الأميركيين، منذ جيمي كارتر، الذي حرمته إيران، بخطفها للديبلوماسيين الأميركيين، من ولاية ثانية، وحتى جوزف بايدن، الذي تعامل معها أولا كنائب للرئيس أوباما، والذي سيتعامل معها الآن بصفته الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، وبصفته الرئيس الأميركي الثامن الذي يرث العبء الإيراني.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!